(وَقَالَ قَتَادَةُ {جُذَاذًا} ) بضم الجيم وكسرها (قَطَّعَهُنَّ) أي قال قتادة في تفسير قوله تعالى {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [الأنبياء 58] «قطَّعهن» ، من الجذِّ، وهو القطع، وقد وصله الطَّبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} أي قطعًا، ورواه الحنظلي أيضًا عن محمَّد بن يحيى، عن العبَّاس بن الوليد، عن يزيد بن زُريع، عن قتادة، وقال الثَّعلبي {جِذَاذًَا} ؛ أي كسرًا وقطعًا جمع جذيذ كخفاف جمع خفيف، وقرأ الجمهور {جُذاذًا} بضم أوله وهو اسم للشَّيء المكسَّر كالحطام في المُحَطَّم، ويقع على الواحد والاثنين والجماعة والمذكَّر والمؤنث، وقيل جمع جذاذة كزُجَاج وزُجَاجة، وقرأ الكسائي وابن مُحيصن بكسر أوله.
(وَقَالَ الْحَسَنُ {فِي فَلَكٍ} مِثْلِ فَلْكَةِ) بفتح الفاء وكسرها (الْمِغْزَلِ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الزاي؛ أي قال الحسن البصري في تفسير قوله تعالى {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء 33] مثل فَلْكة المغزل، وصله ابن عُيينة، عن عَمرو، عن الحسن في قوله تعالى {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، وقال الفلك مدار النُّجوم، والفلك في كلام العرب كل مستدير وجمعه أفلاك، ومنه فلك المغزل.
وقال آخر الفلك ماءٌ مجموع فيه الكواكب، واحتجَّ بأنَّ السِّباحة لا تكون إلَّا في الماء، وأُجيب بأنَّه يُقال في الفرس الذي يمدُّ يديه في الجري سابح، فلا دليلَ فيما احتجَّ به، فليتأمَّل. وعن مجاهد كهيئة حديدة الرَّحى، وعن الضَّحاك فلكها مجراها وسرعة سيرها، وقيل الفلك موج مكفوفٌ تجري الشَّمس والقمر فيه، وقيل الفلك السَّماء الذي فيه تلك الكواكب.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وسقط في أكثر النسخ قوله فيكون من قول الحسن كما أشار إليه الكرماني حيث قال أي يدورون مثل فلكة المغزل ( {يَسْبَحُونَ} يَدُورُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء 33] وفسَّر {يَسْبَحُونَ} بقوله «يدورون» ، وصله ابن المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال يدورون حوله، ومن طريق مجاهد يَجْرون، وقال الفرَّاء الضمير واو العقلاء للوصف بفعلهم، فإنَّ
ج 20 ص 268
السباحة من أفعال الآدميين، فذكر بالنون مثل {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف 4] .
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {نَفَشَتْ} رَعَتْ) وزاد أبو ذر في روايته أي قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء 78] أنَّ معنى نفشت رعت ليلًا، وصله ابنُ أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو قول أهل اللُّغة نفشت إذا رعت ليلًا بلا راع، وإذا رعت نهارًا بلا راع، قيل هَمَلت، وعند ابن مَرْدويه كان كرمًا أينع.
( {يُصْحَبُونَ} يُمْنَعُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء 43] وفسَّره بقوله «يمنعون» ، وصله ابنُ المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} قال يُمنعون، ومن وجه آخر منقطع عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال يُنصرون، وهو قول مجاهد حيث قال ولا هم منَّا ينصرون ويحفظون، رواه الطَّبري، وعن قتادة لا يصحبون من الله بخير.
( {أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قَالَ) وسقط في بعض النسخ لفظ ، وعلى التقدير ثبوته، فالظَّاهر أن فاعله ابن عبَّاس رضي الله عنهما (دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء 92] وفسَّر الأمة بالدين. قال قتادة في هذه الآية {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} دينكم، أخرجه الطَّبري وابن المنذر من طريقه، وقد عزاه الإمام القسطلاني إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأصل الأمَّة الجماعة التي على مقصدٍ واحدٍ، فجعلت الشَّريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحدٍ، ونصب قوله {أَمَّةً وَاحِدَةً} على القطع.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ {حَصَبُ} حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ) أي قال عكرمة الحصب هو الحطبُ بلغة الحبش، وقيل باليمنية، وروى الفرَّاء بإسنادين عن عليٍّ وعائشة رضي الله عنهما أنَّهما قرءا حطب بالطاء، والظَّاهر أنَّها تفسير لا تلاوة، والحصب _ بالصاد _ ما يُرمى به في النَّار، ولا يُقال له حَصَب إلَّا وهو في النَّار، فأمَّا قبل ذلك فحطبٌ وشجر، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنه قرأها (( حضب ) )بالضاد السَّاقطة المنقوطة قال وهو ما هيجت به النَّار، وعنه أيضًا يعني الأصنام وقود النَّار، وهذا ساقط في رواية أبي ذرٍّ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير عكرمة ( {أَحَسُّوا} تَوَقَّعُوا) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالضمير (مِنْ أَحْسَسْتُ) أي قال
ج 20 ص 269
غير عكرمة في قوله تعالى {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء 12] قال معناه توقعوه؛ أي العذاب، وفي رواية النَّسفي إلى آخره، ومَعْمر هذا هو بالسكون هو أبو عبيدة مَعْمر بن المثنَّى اللُّغوي، وقد أكثر البخاري نقل كلامه فتارة يصرح بعزوه إليه وتارة يُبْهمه.
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} لَقُوه، يُقال هل أحسست فلانًا؛ أي هل وجدته، وهل أحسستَ من نفسك ضعفًا أو شرًا. وفي التَّفسير أي لمَّا رأوا عذابنا {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} ؛ أي من القرية يخرجون مُسرعين، والرَّكض في الأصل ضرب الدَّابة بالرجل، وقوله «من أحسست» يعني أن {أَحَسُّوا} مشتقٌّ من أحسست من الإحساس، وهو في الأصل العلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان كالعين والأذن والأنف واللِّسان واليد، ومن هذا قال بعض المفسِّرين معنى {فَلَمَّا أَحَسُّوا} ؛ أي فلما أدركوا بحواسهم شدَّة عذابنا وبطشنا علم حسٍّ ومشاهدة لم يشكوا فيها {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} ؛ أي يهربون سراعًا.
( {خَامِدِينَ} هَامِدِينَ) أشار به إلى قوله تعالى {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء 15] وفسَّر {خَامِدِينَ} بقوله «هامدين» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة قال في قوله تعالى {حَصِيدًا خَامِدِينَ} مجاز هامد، كما يُقال للنَّار إذا طُفئت خمدت، وقيل يُقال همدت النَّار تمهد همودًا؛ أي طفئت وذهبت البتة، والهمدة السَّكتة، وهمد الثَّوب يهمد همودًا بَلي، وأهمدَ في المكان أقامَ، وأهمد في السَّير أسرع، وهذا الحرف من الأضداد، وأرض هامدة لا نبات بها، ونبات هامد يابس، وفي التَّفسير معنى {خَامِدِينَ} ميِّتين.
(حَصِيدًا مُسْتَأْصَلًا) وفي رواية أبي ذرٍّ (يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ) أشار به إلى قوله تعالى {حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء 15] وفسَّر {حَصِيدًا} بقوله «مستأصلًا» ، وهو من الاستئصال، وهو قلع الشَّيء من أصله، وقوله «يقع على الواحد إلى آخره» ؛ أي لفظ حصيد يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع من الذُّكور والإناث، وهذا قول أبي عبيدة أيضًا حيث قال والحصيد المستأصل وهو يُوصف بلفظ الواحد والاثنين والجمع من الذَّكر والأنثى سواء كأنَّه أُجري مجرى المصدر،
ج 20 ص 270
قال ومثله {كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء 30] ومثله {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء 58] ثمَّ قوله {حَصِيدًا} مفعول ثان لقوله «جعلنا» ، والكلام على التَّشبيه؛ أي جعلناهم كالنَّبت المحصود، شبَّههم في استئصالهم به، كما تقول جعلناهم رمادًا؛ أي مثل الرَّماد، فإن قيل كيف تعدَّى جعلَ إلى ثلاثة مفاعيل؟ أُجيب بأنَّ {حَصِيدًا} و {خَامِدِينَ} يجوز أن يكون من باب هذا حلو حامض؛ أي مر، كأنَّه قيل جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعًا، والمعنى أنَّهم هلكوا بذلك العذاب حتَّى لم يبق منهم حسٌّ ولا حركة وجفوا كما يجفُّ الحصيد، وخمدوا كما تخمد النَّار. ثمَّ إن هذه الآية نزلت في أهل حَضُور _ بفتح المهملة وضم المعجمة _ قرية بصنعاء من اليمن، وبه جزم ابن الكلبي، وقيل بناحية الحجاز من جهة الشَّام بُعث إليهم نبي من حِمْير، يُقال له شعيب، وليس صاحب مدين بين زمن سليمان وعيسى عليهما السَّلام، فكذَّبوه فقصمهم الله تعالى، ذكره ابن الكلبي، وقد روى قصته ابن مردويه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ولم يُسمِّه.
( {لاَ يَسْتَحْسِرُونَ} لاَ يَعْيَونَ، وَمِنْهُ {حَسِيرٌ} . وَحَسَرْتُ بَعِيرِي) أشار به إلى قوله تعالى {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء 91] وفسَّره بقوله «لا يَعيَون» _ بفتح الياء _، كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ، ووهاه ابن التِّين والسَّفاقسي وقال هو رباعي؛ أي الصَّواب بضم أوله، وتعقَّبه العيني بأنَّه لا وجه لذلك بل الصَّواب الفتح؛ لأن معنى لا يَعيون _ بالفتح _ لا يعجزون، وقيل لا ينقطعون، ومنه الحسير وهو المنقطع الواقف عيًا وكلالًا، والإعياء يكون من الغير، وفي الفرع كأصله بضم أوله مصححًا عليه، وثالثه من أعيى، وكون الإعياء من الغير لا غير غيرُ مسلم.
وقوله «وحسرت بعيري» ؛ أي أعجزته وأعييته، فافهم، وهذا المذكور هو قول أبي عبيدة، وكذا روى الطَّبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله {لاَ يَسْتَحْسِرُونَ} قال لا يَعْيَون.
( {عَمِيقٌ} بَعِيدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج 27] وفسَّره بقوله «بعيد» ، وهو قول أبي عبيدة أيضًا، ولكن هذا في سورة الحجِّ، وقال الحافظُ العسقلاني وكأنَّه لما وقع في هذه السُّورة (( فجاجًا ) ) [الأنبياء 31] وجاء
ج 20 ص 271
في التي بعدها {مِنْ كُلِّ فجٍّ} كأنَّه استطرد من هذه لهذه، أو نقلها النَّاسخ إلى غير موضعها، وقال العيني بل الظَّاهر أنه من غيره.
( {نُكِسُوا} رُدُّوا) أشار به إلى قوله تعالى {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ} [الأنبياء 65] وفسَّره بقوله «ردوا» على البناء للمفعول، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ} أي قلبوا، وتقول نكسته على رأسه إذا قهرته، ونكسته قلبته، فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب.
وقال الفرَّاء (( نُكسوا ) )رجعوا، وتعقَّبه الطَّبري بأنَّه لم يتقدَّم شيء يصح أن يرجعوا إليه، واختار ما رواه عن ابن إسحاق، وحاصله أنهم قُلبوا في الحجَّة، فاحتجُّوا على إبراهيم بما هو حجَّة لإبراهيم عليه السَّلام حيث قالوا {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء 65] .
وقال الثَّعلبي نكسوا متحيِّرين، وعلموا أن الأصنام لا تنطق ولا تبطش، وقيل في معنى رُدُّوا؛ أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقرُّوا على أنفسهم بالظُّلم حيث رجعوا إلى أنفسهم (( فقالوا إنَّكم أنتم الظَّالمون ) ) [الأنبياء 64] ، فليتأمَّل، وهذا كله على قراءة الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة (( نَكسوا ) )بالفتح وفيه حذف تقديره نكسوا أنفسهم على رؤوسهم، وقرأ أبو حيوة بتشديد الكاف على البناء للمفعول، وهي لغةٌ في المخففة.
( {صَنْعَةَ لَبُوسٍ} الدُّرُوعُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ} [الأنبياء 80] وفسَّره بالدُّروع؛ لأنها تُلبس، وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والرُّكوب. وقال أبو عبيدة اللَّبوس السِّلاح كله من درعٍ ورمح، وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة اللَّبوس الدُّروع كانت صفائح فأول من سردها وحلَّقها داود عليه السَّلام، وقال الثَّعلبي اللَّبوس عند العرب السِّلاح كله درعًا كان أو جوشنًا أو سيفًا أو رمحًا، وإنما عنى الله تعالى به في هذا الموضع الدِّرع، وقال الفرَّاء من قرأ {لِتُحْصِنَكُمْ} بالمثناة الفوقية، فلتأنيث الدروع، ومن قرأ بالتحتانية فلتذكير اللبوس.
( {تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ} اخْتَلَفُوا) أشار به إلى قوله تعالى {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء 93] وفسَّره بقوله «اختلفوا» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة وزاد وتفرَّقوا، وروى الطَّبري من طريق ابن زيد بن أسلم مثله، وزاد في الدِّين، وزاد بعضهم أيضًا وصاروا فيه فرقًا وأحزابًا،
ج 20 ص 272
ويُقال اختلفوا فصاروا يهودًا ونصارى ومجوسًا ومشركين، والأصل وتقطَّعتم إلَّا أنه صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات، كأنَّه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، ثمَّ قال عزَّ وجلَّ {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء 93] فيجزيهم بأعمالهم.
(الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ، وَهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِي) أشار به إلى قوله تعالى {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء 102] وقوله «الحسيس» مبتدأ، وما بعده عطف عليه، وقوله «واحد» خبره، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله وقوله «الخفي» ، مرفوع على أنه خبر «وهو» وكلمة «من» بيانية، وفي بعض النُّسخ لم يثبت هذا كله، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي صوتها، والحسيس والحِسُّ واحد، وفي التفسير لا يسمع أهل الجنَّة حسيس النَّار؛ أي صوتها وحركة تلهبها؛ إذا نزلوا منازلهم من الجنَّة.
( {آذَنَّاكَ} أَعْلَمْنَاكَ. {آذَنْتُكُمْ} إِذَا أَعْلَمْتَهُ، فَأَنْتَ وَهْوَ {عَلَى سَوَاءٍ} لَمْ تَغْدِرْ) أشار به إلى قوله تعالى {قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} [فصلت 47] وفسَّره بقوله «أعلمناك» ، ولكن هذا ليس في هذه السُّورة، بل هو في سورة حم فصلت، وإنَّما ذكره استطرادًا لمناسبة قوله {آذَنْتُكُمْ} في قوله تعالى {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء 109] ، وقد فسَّره بقوله «إذا أعلمته» ، وقوله {عَلَى سَوَاءٍ} ؛ أي مستوين في الإعلام به ظاهرين بذلك يعني أعلمتكم بالحرب، وأنه لا صلح بيننا على سواء لتتأهبوا لما يراد بكم، فلا غدرَ ولا خداعَ لأحد. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} إذا أنذرت عدوك وأعلمته ذلك، ونبذت إليه الحرب، وكنت أنت وهو على سواء فقد آذنته.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} تُفهَمُونَ) أي قال مجاهد في قوله تعالى {لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء 13] قال أي تُفهَمون _ بضم الفوقية وفتح الهاء مخففة _، وفي نسخة بفتح فسكون ففتح مخففًا، وصله الفريابي من طريقه، وقال الحنظلي ثنا حجَّاج، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد ولفظه تُفْقَهون، وكذا هو عند ابن المنذر. وقيل في معنى الآية؛ أي ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلَّكم تسألون عمَّا جرى عليكم، ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا
ج 20 ص 273
السَّائل عن علم ومشاهدة.
( {ارْتَضَى} رَضِيَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء 28] وفسَّر {ارْتَضَى} بقوله «رضي» ، وصله الفريابي من طريقه بلفظ رَضِي عنه؛ أي رَضِي أن يشفع له؛ أي مهابة منه تعالى، وقد سقط هذا في رواية أبي ذرٍّ.
( {التَّمَاثِيلُ} الأَصْنَامُ) أشار به إلى قوله تعالى {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء 52] وفسَّر {التَّمَاثِيلُ} بالأصنام، وصله الفريابي من طريقه أيضًا، والتماثيل جمع تمثال، وهو اسم للشَّيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من مثلت الشَّيء بالشيء إذا شبَّهته به.
( {السِّجِلِّ} الصَّحِيفَةُ) أشار به إلى قوله تعالى {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء 104] وفسَّر {السِّجل} بالصَّحيفة، وصله الفريابي من طريقه، وجزم به الفرَّاء، وروى الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {كَطَيِّ السِّجِلِّ} يقول كطي الصَّحيفة على الكتاب، قال الطَّبري معناه كطيِّ السجل على ما فيه من الكتاب، وقيل على بمعنى من؛ أي من أجل الكتاب؛ لأن الصَّحيفة تطوي حسناته لما فيها من الكتابة.
وجاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ السِّجل اسم كاتبٍ كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود والنَّسائي والطَّبري من طريق عَمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما [وله شاهد من حديث ابن عمي] عند ابن مَرْدويه، [وفي حديث ابن عباس المذكور عند ابن مردوديه] والسِّجل الرَّجل بلسان الحبش، وعند ابن المنذر من طريق السُّدي قال السجل المَلَك، وعند الطَّبري من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله،
ج 20 ص 274
وعند عبد بن حميد من طريق عطيَّة مثله، وبإسناد ضعيف عن عليِّ رضي الله عنه مثله، وذكر السُّهيلي عن النقَّاش أنَّه مَلَك في السَّماء الثانية تَرفع الحفظة إليه الأعمال كل خميس واثنين، وعند الطَّبري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بعض معناه، وقد أنكر الثَّعلبي والسُّهيلي أن السِّجل اسم الكاتب بأنَّه لا يُعرف في كتَّاب النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا في أصحابه من اسمه السِّجل.
قال السُّهيلي ولا وجد إلَّا في هذا الخبر وهو حصرٌ مردود، فقد ذكره في الصَّحابة ابن منده وأبو نعيم، وأوردا من طريق ابن نُمير عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم كاتب يُقال له سجل. وأخرجه ابن مردويه من هذا الوجه، وقيل إنَّ لفظ طي مصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، وتقديره كما يطوي الرَّجل الصَّحيفة ليكتب فيها، والله تعالى أعلم.