387 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج (عَن) سليمان (الأَعْمَشِ) أنه (قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن يزيد النخعي الفقيه (يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ) بفتح الهاء وتشديد الميم (بْنِ الْحَارِثِ) بالثاء المثلثة وقد يكتب
ج 3 ص 137
بدون الألف تخفيفًا، وهو نخعي أيضًا، وكان من العُبَّاد مات في زمن الحجاج.
(قَالَ) أي أنه قال (رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بفتح الجيم، البجلي الصحابي، وقد تقدم في آخر كتاب الإيمان [خ¦57] .
(بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى) أي في خفيه، كما هو الظاهر؛ لأنَّه لو نزعهما بعد المسح لوجب غسل رجليه، ولو غسلها لنقل.
(فَسُئِلَ) على البناء للمفعول؛ أي سئل جرير عن المسح على الخفين والصلاة فيهما، وقد بيَّن الطبراني في حديثه من طريق جعفر بن الحارث، عن الأعمش أن السائل له عن ذلك هو همام بن الحارث المذكور، وله من طريق زائدة عن الأعمش فعاب عليه ذلك رجل من القوم.
(فَقَالَ) أي جرير (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا) أي من المسح على الخفين والصلاة فيهما (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو النخعي المذكور (فَكَانَ) حديث جرير (يُعْجِبُهُمْ) أي القومَ، وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش «كان يعجبهم هذا الحديث» .
ومن طريق عيسى بن يونس فكان أصحاب عبد الله أي ابن مسعود يعجبهم.
(لأَنَّ جَرِيرًا كَانَ) وفي رواية سقط لفظ (مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ) أي من جملة الذين أسلموا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية مسلم أيضًا لأنَّ إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، وفي رواية أبي داود إنما كان ذلك؛ أي مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين بعد نزول المائدة. فقال جرير ما أسلمت إلَّا بعد نزول المائدة، وقد ذكرناه عن قريب.
وفي رواية الترمذي من طريق شهر بن حوشب، قال رأيت جرير بن عبد الله. فذكر نحو حديث الباب، قال فقلت له أقبل المائدة أو بعدها؟ قال ما أسلمت إلا بعد المائدة.
قال الترمذي هذا حديث مفسَّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة، فيكون منسوخًا، فذكر جرير في حديثه أنَّه رآه يمسح بعد نزول المائدة، فكان أصحاب ابن مسعود يعجبهم من حديث جرير؛ لأنَّ فيه ردًا على أصحاب التأويل المذكور هذا وقال محمود العيني قال الله تعالى في سورة المائدة {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة 6] ، فلو كان إسلام
ج 3 ص 138
جرير متقدمًا على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخًا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرًا، علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبيِّنٌ أنَّ المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية.
وفي (( سنن البيهقي ) )عن إبراهيم بن أدهم، قال ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير رضي الله عنه، وقد ورد مؤرخًا بحجة الوداع في حديث الطبراني.
واعلم أنَّه قد ورد في المسح على الخفين عدة أحاديث، تبلغ التواتر على رأي كثير من العلماء.
قال الميموني عن أحمد فيها سبعة وثلاثون صحابيًا، وفي رواية الحسن ابن محمد عنه أربعون. وكذا قال البزار في (( مسنده ) )، وقال ابن أبي حاتم أحد وأربعون صحابيًا، وفي (( الأشراف ) )لابن المنذر عن الحسن حدثني به سبعون صحابيًا، وقال ابن عبد البر مسح على الخفين سائر أهل بدر، والحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار، وعامة أهل العلم والأثر، ولا ينكره إلَّا مخذول مبتدع، خارج عن جماعة المسلمين.
وفي (( البدائع ) )المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء، وعامة الصحابة إلا شيئًا روي عن ابن عباس أنَّه لا يجوز، وهو قول الرافضة.
ثم قال روى الحسن البصري أنَّه قال أدركت سبعين من الصحابة رضي الله عنهم كلُّهم يرون المسح على الخفين، ولهذا رآه أبو حنيفة رحمه الله من شرائط السنة والجماعة، فقال فيها 1 - أنَّ نفضلَ الشيخين، 2 - ونحب الحسنين، 3 - ونرى المسح على الخفين، 4 - وأن لا نحرم نبيذ الجر يعني المثلث.
وروي عنه أيضًا أنَّه قال ما قلت بالمسح حتى جاءني مثل ضوء النهار، فكان الجحود ردًا على كبار الصحابة، ونسبتهم إلى الخطأ، فكان بدعة.
ولهذا قال الكرخي أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين.
ومن فوائد هذا الحديث جواز التبول بمشهد الرجل، وإن كانت السنة الاستتار عنه. ومنها الإعجاب ببقاء حكم من الأحكام، وهو يدل على عدم النسخ.
وقال ابن بطال وهذا الباب كالباب الذي قبله في أنَّ الخف لو كان فيه قذر فحكمه حكم النعل.