3505 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، وَكَانَتْ لاَ تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِلاَّ تَصَدَّقَتْ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا) أي تُمْنَع من الإعطاء، ويُحْجَر عليها، وفي رواية للبخاري تأتي في الأدب [خ¦6073] (( والله لتنتهينَّ عائشةُ، أو لأَحْجِرَنَّ عليها ) ).
وحاصل القصَّة أنَّ عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام هو ابنُ أخت عائشة رضي الله عنها؛ لأن أمَّه أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما، وأمُّها أمُّ العُزَّى قيلة أو قتيلة بنت عبد العزى، وأم عائشة رضي الله عنها أم رُومان بنت عامر فأسماء أخت عائشة من الأب، وكانت عائشة تحبُّ عبد الله بن الزُّبير غاية المحبَّة، وكان أحبَّ النَّاس إليها بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، وكان عبدُ الله يَبرُّ إليها كثيرًا، وكانت عائشة كريمة جدًا لا تمسك شيئًا، وبلغها أنَّ عبد الله قال (( والله لتنتهينَّ عائشة أو لأحجرنَّ عليها. ) )
(فَقَالَتْ أَيُؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ) فيه حذف تقديره فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت أيؤخذ على يدي؛ أي أيحْجُر عبدُ الله عليَّ فغضبت من ذلك فقالت (عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ. فَاسْتَشْفَعَ) فيه حذف أيضًا تقديره فبلغ عبدَ الله بن الزُّبير غَضَبُ عائشة رضي الله عنها، وبلغه نذرها بترك الكلام له، وخاف على نفسه من غضبها فاستشفع (إِلَيْهَا) لترضى عليه (بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً فَامْتَنَعَتْ) عائشة رضي الله عنها ولم ترض (فَقَالَ لَهُ) أي فلمَّا امتنعت عن قبول الشَّفاعة قال لعبد الله
ج 15 ص 534
(الزُّهْرِيُّونَ) المنسوبون إلى زُهْرة، وقد مرَّ فيما قبل أنَّ اسمه المغيرة بن كلاب.
(أَخْوَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأنَّ أمَّه صلى الله عليه وسلم كانت من بني زُهرة؛ لأنَّها بنت وهب بن عبد مناف بن أهيب بن عبد مناف بن زُهرة (مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بن وهب بن عبد مناف القرشي الزُّهري، وأمُّه آمنة بنت نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زُهرة، وهو ابنُ خال النَّبي صلى الله عليه وسلم، تابعي مشهور، أدرك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، ولا يصحُّ له رواية ولا صحبة، ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» .
(وَالْمِسْوَرُ) بكسر الميم (ابْنُ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم والراء، ابن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب القرشي الزُّهري، له ولأبيه صحبة رضي الله عنهما (إِذَا اسْتَأْذَنَّا) يعني إذا استأذنا عائشة رضي الله عنها في الدُّخول عليها (فَاقْتَحِمِ الْحِجَابَ) أي ارم نفسك فيه من غير استئذان ولا رؤيةٍ، يقال اقتحمَ فلان الأمر العظيم ويقتحمه إذا رمى نفسَه من غير تثبت ولا رويَّة، وأراد بالحجاب السِّتارة التي تُضْرَبُ بين عائشة رضي الله عنها وبين المستأذنين للدُّخول عليها (فَفَعَلَ) أي فَعَلَ عبدُ الله بنُ الزُّبير رضي الله عنهما ما قال له الزُّهريون من اقتحام الباب.
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ) فيه حذف تقديره لما شفع الزُّهريون في عبد الله عند عائشة رضيت عليه ثمَّ أرسل عبد الله بعشر عبيد أو جوار إليها لأجل أن تعتق ما أرادت منهم كفَّارة ليمينها (فَأَعْتَقَتْهُمْ) أي فأعتقت عائشة رضي الله عنها جميعهم (ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ) أي ثمَّ لم تزل عائشة رضي الله عنها تعتق من الرِّقاب (حَتَّى بَلَغَتْ) الرِّقاب المعتقات (أَرْبَعِينَ) رقبة للاحتياط في نذرها (وَقَالَتْ وَدِدْتُ) أي تمنيت (أَنِّي جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلًا) نصب على أنَّه مفعول جعلت (أَعْمَلُهُ فَأَفْرُغَ مِنْهُ) بالرفع والنصب؛ لأنَّ الودادة هنا بمعنى التَّمني فينتصب المضارع في جوابه بتقدير أن.
وحاصله أنِّي نذرت مبهمًا، وهو يحتملُ أن يُطلق على أكثر ممَّا فعلتْ فلو كنتُ نذرت نذرًا معينًا كنت تيقَّنت أني إذا أدَّيتُه برئتْ
ج 15 ص 535
ذمتي.
والحاصل أنَّها تمنَّت لو كانت قالت بدل قولها علي نذر علي إعتاق رقبة أو صوم شهر أو نحو ذلك من الأعمال المعينة حتَّى تكون كفَّارتها معلومة معيَّنة ويُفْرَغُ منها بالإتيان بها بخلاف لفظ علي نذر، فإنَّه مبهم لم يطمئنَ قلبُها بإعتاقِ رقبة أو رقبتين، وأرادت الزِّيادة عليه في كفَّارتها. وقد أبدى الكِرماني هنا وجهين آخرين
أحدهما أنها تمَّنت أن يدومَ لها العمل الذي عملته للكفَّارة يعني تمنَّت أن تكون دائمًا ممَّن أُعْتِقَ العبيدُ لها أو نحوه، وهذا بعيدٌ كما لا يخفى.
والآخر أنَّها تمنَّت لو كفَّرت حين حلفت ولم يقعْ الهجر والمفارقة في هذه المدَّة، وهذا هو الأنسبُ بقوَّة دينِ عائشة رضي الله عنها، وغايةِ ورعِها، لكنْ يأبى عنه نوع إباء، قوله فأفْرُغَ منه إذ هو ظاهر في المعنى الذي ذكر أولًا. وقد اختلف الفقهاء في النَّذر المبهم المجهول، فذهبَ مالك أنَّه ينعقدُ يمينًا، ويلزم به كفَّارة اليمين، وبه قال الحنفيَّة، كما في النَّوازل.
وقال الشَّافعي مرَّة يلزمه أقل ما يقعُ عليه الاسم، وقال مرَّة لا ينعقدُ يمينًا وصحَّ في مسلم «كفَّارة النَّذر كفَّارة يمين» ، وفي لفظ له «من نذر نذرًا ولم يسمِّ فعليه كفَّارة يمين» ، ولعلَّ عائشة رضي الله عنها لم يبلغها هذا الحديث، ولو كان بلغها لم تقل هكذا، ولم تعتق أربعين رقبة أو تأولت، كذا قال العيني.
وقال ابن التِّين ويحتمل أن يكون هذا قبل تمام الثلاث؛ أي ثلاثة أيام في الهجر، وكيف وقع الحنثُ عليها بمجرد دخول عبد الله بن الزُّبير عليها دون الكلام إلَّا أن يكون لما سلم الزُّهريون عليها ردت السَّلام وعبد الله في جملتهم، فوقع الحنث قَبْلَ أنْ أَقْتَحِمَ الحِجَاب. وقيل فيه نظر لأنَّه كان يجوز لها رد السَّلام عليهم إذا نوت إخراج عبد الله فلا تحنث بذلك، فليْتَأمَّل، وقد عرفت أنَّ هذا الحديث الموصول هو الذي يوضِّح المعلق المذكور قبل الحديث السَّابق على هذا الحديث كما لا يخفى.