296 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميمي الرازي، أبو إسحاق الفراء يعرف بالصغير، وكان أحمد ينكر على من يقول له الصغير، ويقول هو الكبير في العلم والجلالة (حَدَّثَنَا) وفي رواية (هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبد الرحمن الصَّنْعاني، قاضي صَنْعَان، من أبناء الفرس، وهو من أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم، مات سنة سبع وتسعين ومئة.
(أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) بضم الجيم الأولى وفتح الراء، هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي القرشي، المولى، أصله رُوْميٌّ، وهو أحد العلماء المشهورين، وهو أول من صنف في الإسلام في قول، وكان صاحب الكنيتين أبو الوليد وأبو خالد، مات سنة خمسين ومئة، وقد جاوز السبعين، قال يحيى بن سعيد كان ابن جريج أثبت من مالك في نافع.
ج 2 ص 497
(أَخْبَرَهُمْ) أي أخبر هشامًا ومن في طبقته من السامعين منه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) أي ابن عروة (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام، ورجال هذا الإسناد ما بين رازيٍّ وصنعاني ومكيٍّ ومدنيٍّ.
(أَنَّهُ) أي عروة (سُئِلَ) على صيغة المجهول (أَتَخْدُمُنِي الْحَائِضُ) أي أيجوز خدمة الحائض لي (أَوْ تَدْنُو) أي أتقرب (مِنِّي الْمَرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ) أي أو دنوها لي حال كونها جُنُبًا، والجُنُبُ يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما تقدم فيما قبل.
(فَقَالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذَلِكَ) المذكور من الخدمة والدنوِّ كما في قوله تعالى {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة 68] (عَلَيَّ) بتشديد الياء (هَيِّنٌ) بتشديد الياء، وقد تخفَّف، كميت ومَيِّتٍ؛ أي سهل، وفي رواية .
(وَكُلُّ ذَلِكَ) من الحائض والجنب (تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ) أنا وغيري (فِي ذَلِكَ بَأْسٌ) أي حرج، وكان مقتضى الظاهر أن يقول وليس علي في ذلك بأس، لكنه قصد بذلك التعميم؛ مبالغة فيه ودخل هو فيه بالقصد الأولى.
(أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ) من الترجيل (رَسُولَ اللَّهِ) أي شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية (صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ) بالهمزة، وإنما لم يقل حائضة؛ لعدم الالتباس فلا حاجة إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، وأما قولهم الحاملة والمرضعة في الاستعمال، فلإرادة تلبسمها بتلك الصفة بالفعل، وإذا أريد تلبسهما بهما بالقوة، فيكون بلا تاء.
قال الزمخشري في قوله تعالى {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} [الحج 2] فإن قلت لم قيل مرضعة دون مرضع؟ قلت المرضعة التي في حال الإرضاع تلقم ثديها الصبي، والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به.
(وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ) أي حين الترجيل (مُجَاوِرٌ) أي معتكفٌ، وثبت هذا التفسير في نسخة الصغاني في الأصل (فِي الْمَسْجِدِ) المدني (يُدْنِي) بضم الياء؛ أي يقرب (لَهَا) أي لعائشة رضي الله عنها (رَأْسَهُ) الشريف (وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا) بضم المهملة، وكانت حجرتُها المنيفة ملاصقةً للمسجد (فَتُرَجِّلُهُ) أي ترجل عائشة رضي الله عنها رسول الله؛ أي شعرَ رأسِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (وَهْيَ حَائِضٌ) جملة اسمية وقعت حالًا.
ويستنبط من الحديث جواز خدمة الحائض ودنوها، وأما دنو الجنب فبالقياس عليها، والجامع اشتراكهما في الحدث الأكبر، وهو من باب القياس الجلي؛ لأن الحكم بالفرع أولى؛
ج 2 ص 498
لأن الاستقذار في الحائض أكثر منه في الجنب، ومما يستنبط منه أيضًا أن المعتكف إذا أخرج رأسه أو يده أو رجله من المسجد لم يبطل اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها، فأدخل بعضه، أو أخرج بعضه لا يحنث، ومنه جواز استخدام الزوجة في الغسل ونحوه برضاها، وأما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط.
وقال ابن بطال وهو حجةٌ في طهارة الحائض وجواز مباشرتها، وفيه دليل على أن المباشرة الممنوعة للمعتكف في قوله تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة 187] لم يُرَدْ بها كلُّ ما وقع عليه اسم المس، وإنما أُريدَ بها الجماع، أو ما دونه من الدواعي للذة، وفيه ترجيل الشعر للرجال، وما في معناه من الزينة، وفيه أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيهًا له وتعظيمًا، وهو المشهور من مذهب مالك.
وحكى ابن مسلمة أنها تدخل هي والجنب، وفي روايةٍ (( يدخل الجنب ولا تدخل الحائض ) )، وفيه حجةٌ على الشافعي في أن المباشرة الخفيفة مثل ما في الحديث لا تنقض الوضوء.
هذا وقال الكِرماني ليس فيه حجةٌ على الشافعي، إذ هو لا يقول بأن مس الشعر ناقضٌ للوضوء.
وقال الحافظ العسقلاني ولا حجة فيه؛ لأن الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء، وليس في الحديث أنه عَقَّبَ ذلك الفعل بالصلاة، وعلى تقدير ذلك فمس الشعر لا ينقض الوضوء.
وقال محمود العيني وليس في الحديث أيضًا أنه توضأ عقيب ذلك.