293 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد بالمهملة فيهما (قال حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطان، وقد سبق ذكرهما في كتاب «الإيمان» [خ¦13] (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة) بن الزبير، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) يعني أباه عروة (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاري رضي الله عنه.
(قَالَ أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي الرواية السابقة أن أبا أيوب سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، وذلك لاختلاف الحديثين لفظًا ومعنىً وإن توافقا في بعض، فيكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مرةً، ومن أبي بن كعب مرةً أخرى، فذكره للتقوية أو لغرضٍ آخر.
(إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ) وفي رواية (فَلَمْ يُنْزِلْ) وفي الرواية السابقة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَغْسِلُ) الرجل المذكور (مَا) أي العضو الذي (مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) أي من الرجل؛ أي من أعضائه، والمراد أنه يغسل العضو الذي مس فرج المرأة، فيكون في الكلام تقديرًا، وهو من إطلاق اللازم، وهو مس المرأة وإرادة الملزوم، وهو إصابة رطوبة فرجها.
(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) وضوءه للصلاة، كما في رواية عبد الرزاق، عن الثوري، عن هشام، وفيه التصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) أي من غير اغتسال، وهذا أصرحُ في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) يعني به نفسه (الْغُسْلُ) بضم الغين؛ أي الاغتسال من الإيلاج وإن لم ينزل (أَحْوَطُ) أي أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغسل الفرج والوضوء المذكورين في الحديث.
(وَذَلِكَ) أي والحال أن الاغتسال من الجماع من غير إنزالٍ هو (الآخِرُ) بالمد وكسر الخاء المعجمة من غير ياءٍ مثناة تحتية؛ أي آخر الأمرين من الشارع، أو من اجتهاد الأئمة، وفي رواية أبي ذر على وزن فعيل، ويستفاد منه أن حديث هذا الباب منسوخٌ بحديث الاغتسال، وعكس أكثر الشراح فقالوا هو إشارة إلى أن حديث الباب غير منسوخ بل ناسخ لما قبله بمعنى أن ذلك الحديث [1] الذي ذكرناه في هذا الباب هو الآخر؛ أي آخر الأحاديث في هذا الباب، والمنسوخ لا يكون آخر.
(إِنَّمَا بَيَّنَّا)
ج 2 ص 487
وفي روايةٍ بالواو، وهو يؤيد كون قوله (وذلك الآخر) كلامًا لا تركيبًا توصيفيًا، كما يفهم من عبارة بعض الشراح، وفي أخرى بالضمير (لاِخْتِلاَفِهِمْ) أي إنما ذكرناه لأجل بيان اختلاف الصحابة في الوجوب وعدمه، أو لاختلاف المحدثين في صحة هذا الحديث الأخير وعدم صحته، وفي روايةٍ كريمة وابن عساكر ، وفي نسخة الصَّغَاني .
وقد استشكل ابن العربي كلام البخاري رحمه الله في هذا؛ لمخالفته الجمهور، فإن إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومَنْ بَعْدَهم، وما خالف فيه إلا داود ولا عبرة بخلافه، وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري، وحكمه بأن الغسل مستحبٌ، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين، ثمَّ أخذ يتكلم في تضعيف حديث الباب مما لا يقبل منه، ثمَّ قال ويحتمل أن يكون مراده بقوله (( الغسل أحوط ) )أي في الدين، وهو باب مشهورٌ في أصول الدين، ثمَّ قال وهو الأشبه بإمامته وعلمه وجلالته.
وقال الحافظ العسقلاني (وهو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث من غير هذه المسألة، كما استدل به على إيجاب الوضوء فيما تقدم، وأما نفي ابن العربي الخلاف فمعترضٌ عليه، فإنه مشهورٌ بين الصحابة ثبت عن جماعةٍ منهم) انتهى.
وتعقَّبه محمود العيني بأنه لقائل أن يقول انعقد الإجماع عليه فارتفع الخلاف؛ بيانه ما رواه الطحاوي حدثنا روح بن الفرج، قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، قال حدثني الليث، قال حدثني معمر بن أبي حُيَيَّة _ بضم الحاء المهملة وفتح الياء آخر الحروف المكررة _ فهي حُيَيَّة بنت مرة بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن شعيب، قاله الزبير، وقال ابن ماكولا (ومن قال فيه ابن حُيَيَّة فقد غلط) .
ومعمر هذا يروي عن عبد الله بن عدي قال تذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الغسل من الجنابة، فقال بعضهم إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، وقال بعضهم الماء من الماء، قال عمر رضي الله عنه قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف الناس بعدكم؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين إن أردت أن تعلم ذلك، فأرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فسلْهن عن ذلك، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها
ج 2 ص 488
فقالت إذا جاوز الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسل، فقال عمر رضي الله عنه عند ذلك لا أسمع أحدًا يقول الماء من الماء إلا جعلته نكالًا.
قال الطحاوي رحمه الله فهذا عمر رضي الله عنه قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُنْكِرْ ذلك عليه مُنْكِرٌ.
وادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، وفيه نظر؛ لِمَا لأنه قد قال الخطابي إنَّه قال به من الصحابة جماعةٌ فسمى بعضهم، ومن التابعين الأعمش، وتبعه القاضي عياض، ولكنه قال لم يقل به أحدٌ بعد الصحابة غيره، وفيه نظر؛ لأنه قد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو في (( سنن أبي داود ) )بإسنادٍ صحيح حدثنا أحمد بن صالح، قال حدَّثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( الماء من الماء ) )وكان أبو سلمة يفعل ذلك.
وعن هشام بن عروة، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى أغتسل من أجل اختلاف الناس لآخذ بالعروة الوثقى.
وقال الشافعي في اختلاف الحديث حديث (( الماء من الماء ) )ثابت، لكنه منسوخٌ إلى أن قال فخالفنا بعض أهل ناحيتنا، يعني من الحجازيين فقالوا لا يجب الغسل حتى ينزل. انتهى.
فعرف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل، قال الطحاوي الجماع مفسدٌ للصيام والحج، موجبٌ للحدِّ وللعُقْرِ، سواء أنزل أو لم ينزل، فكذلك يوجب الغسل أنزل أو لم ينزل، والله أعلم بالصواب.
خاتمة قد اشتمل كتاب الغسل وما معه من أحكام الجنابة من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وستين حديثًا، المكرر منها فيه وفيما مضى خمسةٌ وثلاثون حديثًا، والموصول منها أَحَدٌ وعشرون، والبقية تعليق ومتابعة، والخالص ثمانية وعشرون، منها واحدٌ معلقٌ، وهو حديث بهز، عن أبيه، عن جده [خ¦278 قبل] ، وقد وافقه مسلم على تخريجها ما سواه وما سوى حديث جابر في الاكتفاء في الغسل بصاع، وحديث أنس «كان يدور على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة في ليلةٍ» ، [خ¦268] وهو في مسلم وحديثه في الاغتسال مع المرأة من إناءٍ واحد [خ¦250] ولكنه في مسلم أيضًا، وحديث عائشة في صفة غسل المرأة من الجنابة [خ¦277] .
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين عشرة، المعَلَّقُ منها سبعة، والموصول ثلاثة، وهي حديث زيد بن خالد، عن علي وطلحة والزبير المذكور في الباب الأخير [خ¦292] ، فإن كان مرفوعًا عنهم فتزيد عدة الخالص من المرفوع ثلاثة، وهي أيضًا من أفراده عن مسلم.
تم كتاب الغسل بعون الله ذي المنِّ والفَضْل
ج 2 ص 489
[1] (( من قوله الباب غير ... إلى قوله الحديث ) )ليس في (خ) .