3165 - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وسكون الهاء (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على البناء للمفعول (بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَ انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي إِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين المهملة؛ أي ابن أبي طالب،
ج 14 ص 307
وقد فادى العباس لنفسه، ولعقيل يوم بدر حين صارا أسيرين للمسلمين.
(فَقَالَ خُذْ فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ) بضم الياء وكسر القاف وتشديد اللام؛ أي يرفعه ويحمله (فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ أْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ) ويروى (قَالَ لاَ، قَالَ فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ لاَ، فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ أْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ لاَ، قَالَ فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ لاَ، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ) وهو ما بين الكتفين.
(ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِي عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ) قد مضى هذا التعليق بهذا الإسناد في (( كتاب الصلاة ) )، في باب (( القسمة وتعليق القنو في المسجد ) ) [خ¦421] .
قال الحافظ العسقلانيُّ وحديث أنس المعلَّق يشعر بأنَّه راجعٌ إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء.
وتقدم في (( الخمس ) ) [خ¦3158] أنَّ المال الذي أتي به من البحرين كان من الجزية، وأنَّ مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأنَّ المصنف يختار أنَّه إلى نظر الإمام، والله تعالى أعلم.
وروى عبد الرَّزاق في حديث عمر رضي الله عنه الطَّويل حين دخل عليه العبَّاس وعليٌّ يختصمان قال قرأ عمر رضي الله عنه {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر 7] الآية، فقال استوعبت هذه المسلمين.
ورواه أبو عبيد من وجهٍ آخر وقال فيه فاستوعبت هذه الآية الناس؛ فلم يبق أحدٌ إلَّا له فيها حق إلَّا بعض من تملكون من أرقَّائكم.
قال أبو عبيد حكم الفيء والخراج والجزية واحدٌ، ويلتحق به ما يؤخذ من مال أهل الذمَّة من العُشْر إذا اتَّجروا في بلاد الإسلام، وهو حقُّ المسلمين يعمُّ به الفقير والغنيَّ، ويصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
واختلف الصَّحابة في قسم الفيء فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى التَّسوية وهو قول علي وعطاء، واختيار الشافعيِّ، وذهب عمر وعثمان رضي الله عنهما إلى التَّفضيل، وبه قال مالك.
ج 14 ص 308
وذهب الكوفيُّون إلى أنَّ ذلك إلى رأي الإمام إن شاء فضَّل وإن شاء سوَّى. قال ابن بطال أحاديث الباب حجَّةٌ لمن قال بالتَّفضيل. قال الحافظ العسقلانيُّ والذي يظهر أنَّ من قال بالتَّفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال إنَّه إلى نَظَرِ الإمام، وهو الذي تدلُّ عليه أحاديث الباب، والله أعلم.
وروى أبو داود من حديث عوف بن مالك (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه مال ولي قَسَمَه من يومه، فأعطى الآَهِلَ حظَّين وأعطى الأَعْزَبَ حظًّا واحدًا ) ).
وقال ابن المنذر انفرد الشافعيُّ بقوله إنَّ في الفيء الخُمُس كخُمُس الغنيمة، ولا يحفظ ذلك عن أحدٍ من الصَّحابة، ولا من بعدهم؛ لأنَّ الآيات التاليات لآية الفيء معطوفاتٌ على آية الفيء من قوله {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر 8] إلى آخرها، فهي مفسِّرةٌ لما تقدم من قوله {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر 7] .
والشافعيُّ حمل الآية الأولى على أنَّ القِسْمَة إنما وقعت لمن ذكر فيها فقط، ثم لمَّا رأى الإجماع على أنَّ أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وغير ذلك من مال الفيء تأوَّل أنَّ الذي ذكر في الآية هو الخُمُس فجعل خمس الفيء واجبًا لهم، وخالفه عامَّة أهل العلم اتِّباعًا لعمر رضي الله عنه، والله أعلم.
وفي قصة العباس دلالةٌ على أنَّ سهم ذي القربى لا يختصُّ بفقيرهم؛ لأنَّ العباس رضي الله عنه كان من الأغنياء.
قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد في قول عمر رضي الله عنه (( ما على الأرض مسلمٌ إلَّا وله في هذا الفيء حقٌّ إلَّا ما ملكت أيمانكم ) )، قال يقول الفيء للغنيِّ والفقير، وكذا قال إسحاق بن راهويه.