فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 11127

26 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، فنُسب إلى جدِّه؛ لشهرته به اليربوعي

ج 1 ص 242

التيمي الكوفي، يُكنَّى بأبي عبد الله، يقال إنَّه مولى الفُضيل بن عياض، سمع مالكًا وابن أبي ذئب واللَّيث والفضيل وخلقًا كثيرًا. روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم الحربي والبخاري ومسلم وأبو داود.

وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه. وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه.

قال أبو حاتم كان ثقة متقنًا. وقال رجل لأحمد بن حنبل عن من ترى أن يُكتَب الحديث فقال اخرج إلى أحمد بن يونس، فإنَّه شيخ الإسلام فيه.

تُوفي في ربيع الآخر سنة سبع أو تسع ومائتين، وهو ابن أربع وتسعين سنة.

(وَ) كذا حدثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقري _ بكسر الميم _ السَّابق ذِكره (قَالاَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، سبط عبد الرَّحمن بن عوف، وقد سبق ذكره أيضًا.

(قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بضم الميم وفتح الياء على المشهور، وقيل بالكسر، وكان يكره فتحها، وأمَّا غير والد سعيد فبالفتح من غير خلاف كالمسيِّب بن رافع، وابنه العلاء بن المسيِّب، وهو ابن حَزْن _ بفتح المهملة وسكون الزاي المعجمة _ أبو محمد القرشي المخزومي المدني، إمام التَّابعين وفقيه الفقهاء، أبوه وجدُّه صحابيَّان، أسلما يوم فتح مكة، وُلد لسنتين مضتا من خلافةِ عمر رضي الله عنه، وقيل لأربع، سمع عمر وعثمان وعليًّا وسعد بن أبي وقاص وأبا هريرة رضي الله عنهم، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه.

وروى عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم، اتَّفقوا على جلالتهِ وإمامته، وتقدُّمه على أهل عصره في العلم والفتوى.

قال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. وقال أحمد سعيد أفضل التَّابعين، فقيل له فسعيد عن عمر حجة؟ قال هو حجَّة سمع من عمر، فإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يُقَبل؟.

وقال أبو حاتم ليس في التَّابعين أمثل من ابن المسيب، وهو أثبتهم.

وقال النَّووي في (( تهذيب الأسماء ) )وأمَّا قولهم إنَّه أفضل التابعين فمرادهم أنَّه أفضلهم في علوم الشَّرع، وإلَّا ففي (( صحيح مسلم ) )عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ خير التَّابعين رجل يقال له أويس، وبه بياض، فمروه

ج 1 ص 243

فليستغفر لكم )) .

وقال أحمد بن عبد الله كان صالحًا فقيهًا من الفقهاء السَّبعة بالمدينة، وكان أعور.

وقال ابنُ قتيبة كان جدُّه حَزْن أتى النَّبي صلَّى الله عليه وسلم فقال له (( أنت سهل ) )قال بل أنا حَزْن ثلاثًا، قال سعد قال سعيد فما زلنا نعرفُ تلك الحزونة فينا، ففي ولده سوء خُلُق، فكان حجَّ أربعين حجَّة لا يأخذ العطاء، وكان له بضاعة أربعمائة دينار يتَّجر بها في الزَّيت، وكان جابر بن الأسود على المدينة، فدعا سعيد إلى البيعة لابن الزبير، فأبى، فضربه ستين سوطًا، وطافَ به في المدينة، وقيل فضربه هشام بن الوليد أيضًا حين امتنع من البيعة للوليد، وحبسه وحلقه.

مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها منهم.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخر رضي الله عنه.

ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة. ومنها أنَّ فيه شيخين للمؤلَّف. ومنها أنَّ فيه أربعة كلهم مدنيون.

وقد أخرج متنه مسلم في كتاب الإيمان أيضًا، وأخرجه النسائي، والترمذي باختلاف بينهم في ألفاظه.

ففي رواية النسائي أيُّ الأعمال أفضل، قال (( الإيمان بالله ورسوله ) )ولم يزد. ولفظ الترمذي قال سئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أيُّ الأعمال خير؟ وذَكَر الحديث، وفيه قال (( الجهاد سَنام العمل ) ).

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم سُئِلَ) أُبهم السائل، وهو أبو ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه، وحديثه في العتق (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ) أي أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وأفعل التَّفضيل إذا عُلِم المفضل عليه يجوز استعماله مجرَّدًا عن الإضافة واللام، وكلمة من نحو الله أكبر، ونحو قوله تعالى {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه 7] .

(قَالَ صلَّى الله عليه وسلم) وفي رواية هو (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا) أي أيُّ شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) صلَّى الله عليه وسلم هو (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي القتال مع الكفَّار؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، وهو من الجَهد _ بالفتح _ بمعنى المشقَّة، وإنما كان الجهاد أفضل من غيره بعد الإيمان؛ لأنَّه بذل النَّفس في سبيله تعالى، والجود بالنَّفس أقصى مراتب الجود (قِيلَ ثُمَّ مَاذَا) أفضل (قَالَ) عليه الصلاة والسلام هو (حَجٌّ) أي قصد زيارة البيت على الوجه المعروف شرعًا.

ج 1 ص 244

(مَبْرُورٌ) أي مقبول، ومن علامة القَبول أنَّه إذا رجع يكون حاله خيرًا من الحال الذي قبله، وقيل هو الذي لا يخالطه إثم، ومنه برَّت يمينه، إذا سلم من الحنث. وقيل هو الَّذي لا رياء فيه. وقيل هو الَّذي لا يتعقَّبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما، والبِرُّ _ بالكسر _ الطَّاعة والقَبول، يقال بَرَّ حجُّك _ بفتح الباء وضمها _، وبرَّ الله حجك، وأبرَّ الله حجَّك.

وقال أبو العباس المبرد المبرور هو الَّذي لا يدالس فيه ولا يوالس؛ أي لا يظلم فيه ولا يخون. وتعريف الجهاد باللَّام دون الإيمان والحج في رواية المصنِّف.

وإن وقع في (( مسند الحارث بن أبي أسامة ) ) (( ثم جهاد ) )بالتَّنكير؛ لأنَّ الإيمان والحج لا يتكرَّر وجوبهما، فنوِّنا؛ للإفراد، والجهاد قد يتكرَّر فعُرِّف للكمال، إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التِّكرار؛ لمَا كان أفضل، وهو كلام واضحٌ لا غبار عليه، وإن خَفِي على بعض الشُّرَّاح.

وتُعقِّب عليه بما لا طائل تحته وهو أنَّ التَّنكير من جملة وجوهه التَّعظيم، وهو يُعطي الكمال، والتَّعريف من جملة وجوهه العهد، وهو يُعطي الإفراد الشَّخصي، فلا يسلَّم الفرق، وهو كما ترى ليس بشيء، إذ التَّنكير والتَّعريف لا يخلص لمَا ذَكره ذلك المتعقِّب، كما اعترف به نفسه بكلمة من.

وأمَّا ما قيل أنَّ التَّنكير والتعريف في الحديث من تصرُّف الرواة؛ لأنَّ مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة.

فردَّهُ محمود العيني وقال لقد صدق القائل إِنْباضٌ من غير تَوْتير.

هذا نعم إنَّ المعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، فافهم.

وفي الحديث فوائد

منها الدَّلالة على أنَّ نيل الدَّرجات بالأعمال. ومنها الدَّلالة على أنَّ الإيمان قول وعمل؛ أي عمل اللِّسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، لا مطلق القول، كما قال المرجئة، فظهر من هذا وجه مطابقة الحديث للترجمة. ومنها الدَّلالة على أنَّ الأفضل بعد الإيمان الجهاد، ثمَّ الحجُّ المبرور.

فإن قلت في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أيُّ العمل أفضل؟ قال (( الصلاة على وقتها، ثم ذكر بر الوالدين، ثمَّ الجهاد ) ).

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( أي الإسلام خير؟ قال تُطعم الطَّعام، وتقرأ السَّلام على من عرفتَ ومن لم تعرف ) ).

وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه (( أي الإسلام أفضل؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ).

وفي حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل

ج 1 ص 245

أفضل؟ قال الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، قلت فأي الرقاب أفضل؟ قال أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها )) ، ولم يذكر فيه الحج وكلُّها في الصحيح.

فالجواب من وجهين

أحدهما أنَّ اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث؛ لاختلاف الأحوال والأشخاص، ولهذا سقط ذِكرُ الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في هذا الحديث، ولا شك أنَّ هذه الثلاث مقدِّمات على الحجِّ والجهاد؛ كما روي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( حجة لمن لم يحجَّ أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حجَّ أفضل من أربعين حجَّة ) ).

والآخر أنَّ لفظة (( من ) )مرادة، والمراد من أفضل الأعمال كذا كما يقال فلان خيرُ الناس؛ أي من خيرهم. ومنه قوله عليه السلام (( خيركم خيركم لأهله ) )ومعلوم أنَّه لا يصير بذلك خير النَّاس، وبالجواب الأوَّل أجاب القاضي عياض _ رحمه الله _ حيث قال أعلم كلَّ قوم بما لهم حاجة إليه دون ما لم تدع حاجتهم إليه، أو ترك ما تقدَّم علم السائل به أو أعلمه بما لم يكمِّله من دعائم الإسلام ولا بلغه عمله، وقد يكون للمتأهل للجهاد الجهاد في حقِّه أَوْلى من الصَّلاة وغيرها، وقد يكون له أبوان لو تركهما لضاعا فيكون برهما أفضل، وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفَّار على بلاد المسلمين.

وإنما قدَّم الجهاد على الحج مع أنَّه من أركان الإسلام دون الجهاد، فإنَّه فرض كفاية؛ للاحتياج إليه أوَّل الإسلام ومحاربة الأعداء. ويقال إنَّ الجهاد قد يتعيَّن كسائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعيَّن لم يقع إلا فرض كفاية.

وأما الحجُّ فالواجب منه حجَّة واحدة وما زاد نفل، فإن قابلت واجب الحجِّ بمتعيَّن الجهاد كان الجهاد أفضل؛ لهذا الحديث، ولأنه شارك الحجَّ في الفرضية وزاد بكونه نفعًا متعدِّيًا إلى سائر الأمة، وبكونه ذبَّا عن بيضة الإسلام، وإن قابلت نفل الحجِّ بغير متعيَّن الجهاد كان الجهاد أفضل؛ لِما أنه يقع فرض كفاية، وهو أفضل من النَّفل بلا شكٍّ.

وقال إمام الحرمين في كتابه (( الغياثي ) )فرضُ الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث أنَّ فِعلَهُ مُسقطٌ للحرج عن الأمَّة بأسرها، وبتركه يَعصِى المتمكِّنون كلهم، ولا شك في عِظَمِ وَقْعِ ما هذه صفته، والله أعلم، فتأمل.

ثم إنَّ ما ذُكر من الوجوه على أنَّ (( ثم ) )تقتضي ترتيبًا في الفضيلة والمزيَّة، وأما إذا لم تقتضِ ترتيبًا أصلًا كما ذهب إليه بعض، أو كانت هنا للتَّرتيب الذكري أو الخارجي الوقوعي فلا، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت