2517 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس بن عبد الله التَّميمي اليربوعي، قال (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهم (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاقِدُ) بكسر القاف (ابْنُ مُحَمَّدٍ) أخو عاصم المذكور، وبذلك صرَّح الإسماعيلي من طريق معاذ العنبري، عن عاصم بن محمَّد، عن أخيه واقد.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ) هو سعيد بن عبد الله، مولى بني عامر المدني من مشاهير التَّابعين، ومرجانة أمه، وهي أخت اللُّؤلؤة أم سعيد، مات سنة سبع وتسعين، ومات علي بن الحسين قبله بثلاث أو أربع.
(صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بن علي بن أبي طالبٍ المعروف بزين العابدين، وكان منقطعًا إليه فعُرِف بصحبته، ويُكنى سعيد أبا عثمان، ووهم من زعم أنَّه سعيد بن يسار أبو الحباب، فإنَّه غيره عند الجمهور، وليس لسعيد ابن مرجانة في البخاري غير هذا الحديث. وقد ذكره ابن حبَّان في التَّابعين، وأثبت روايته عن أبي هريرة رضي الله عنه، ثمَّ ذهل فذكرهُ في أتباع التَّابعين، وقال لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه، ويردُّ ما ذكره رواية البخاري بقوله
(قَالَ قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ووقع التَّصريح بسماعه منه عند مسلم والنَّسائي وغيرهما، فانتفى ما زعم ابن حبَّان (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا رَجُلٍ) وفي رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي، عن عاصم بن محمَّد
ج 11 ص 506
(( أيَّما مسلم ) )، وكذا في رواية مسلم والنَّسائي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد ابنِ مرجانة وكلمة «أي» للشَّرط دخلت عليها كلمة «ما» . وقال الكرماني «أيَّما رجلٍ» بالجرِّ وبالرفع على البدليَّة.
(أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا) ذِكْرُ «مسلمًا» إرشاد إلى الأفضل والأولى (اسْتَنْقَذَ اللَّهُ) أي نجَّى الله وخلَّص (بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ) ويُروى ، وكذا في رواية مسلم، وسيأتي في «كفَّارات الأيمان» [خ¦6715] (( أعتق الله بكلِّ عضو منها عضوًا من أعضائه من النَّار حتَّى فرجه بفرجه ) ). وفي رواية النَّسائي من حديث كعب بن مرَّة (( وأيُّما امرئ مسلم أعتقَ امرأتين مسلمتين كانتا فِكَاكه من النَّار، يجزئ بكلِّ عظمين منهما بعظمٍ، وأيُّما امرأةٍ مسلمة أعتقتْ امرأة مسلمة كانت فكَاكها من النَّار ) ). إسناده صحيح، ومثله للتِّرمذي من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه، وللطَّبراني من حديث عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، ورجاله ثقاتٌ.
وعند أبي الفضل الجوزي (( حتَّى إنه ليعتق اليد باليد، والرِّجل بالرِّجل، والفم بالفم ) )، فقال له علي بن الحسين أنت سمعتَ هذا من أبي هريرة رضي الله عنه؟ قال نعم، قال ادعوا لي أفرد غِلْماني مطوفًا [1] فأعتقه.
(قَالَ سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ) هذا موصول بالإسناد المذكور (فَانْطَلَقْتُ بِهِ) أي بالحديث، وفي رواية مسلم (( فانطلقت حين سمعت الحديث من أبي هريرة رضي الله عنه ) ) (إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) فذكرته لعليِّ، وزاد أحمد وأبو عَوانة في روايتيهما من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد ابن مرجانة فقال علي بن الحسين أنت سمعت هذا من أبي هريرة رضي الله عنه؟ فقال نعم.
(فَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنٍ إِلَى عَبْدٍ لَهُ) أي قصد إليه، واسمه مطرِّف كما ذُكِر آنفًا في حديث الجوزي، وكذا وقع ذلك في رواية إسماعيل بن أبي حكيم عند أحمد وأبي عَوانة وأبي نُعيم في «مستخرجيهما» على مسلم.
(قَدْ أَعْطَاهُ) أي علي بن الحسين (بِهِ) أي بمقابلة ذلك العبد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن أبي طالب، وهو ابنُ عم والد علي بن الحسين، وهو أوَّل من ولد للمهاجرين
ج 11 ص 507
بالحبشة، وكان آيةً في الكرم، ويسمَّى ببحر الجود، وله صحبة، مات سنة ثمانين من الهجرة وهو مرفوعٌ على أنَّه فاعل «أعطى» .
(عَشَرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ) شكٌّ من الرَّاوي، وهو مفعول ثان «لأعطى» ، وفيه إشارة إلى أنَّ الدِّينار إذ ذاك كان بعشرة دراهم، وقد رواه الإسماعيلي من رواية عاصم بن علي فقال عشرة آلاف درهم بغير شكٍّ (فَأَعْتَقَهُ) وفي رواية الإسماعيلي (( فقال اذهب أنت حرٌّ لوجه الله تعالى ) ).
وفي الحديث فضل العتق. قال الخطَّابي فيه أنه ينبغي أن يكون المعتق كامل الأعضاء، ولا ينبغي أن يكون ناقص الأعضاء بعورٍ أو شللٍ أو شبههما، ولا مَعيبًا بعيبٍ يضرُّ بالعمل، ويُخِلُّ بالسَّعي والاكتساب، وربما كان نقص الأعضاء زيادة في الثَّمن كالخصي، إذ يصلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم ونحوه، فلا يكره على أنَّه لا يُخلُّ بالعمل. وقد استنكره النَّووي وغيره وقالوا لا شكَّ أنَّ في عتق الخصي وكل ناقصٍ فضيلةٌ، لكن الكامل أولى.
وقال القاضي عياض اختلف العلماء أيَّما أفضل عتق الإناث أو الذُّكور؟ فقال بعضُهم الإناث أفضلُ بدليل أن عتقَها يَستدعي صيرورة ولدها حرًّا سواء تزوجها حرًّا أو عبد؛ بخلاف الذَّكر. وقال آخرون الذَّكر أفضل لحديث أبي أُمامة رضي الله عنه، ولما في الذَّكر من المعاني العامَّة التي لا توجد في الإناث، ولأنَّ من الإماء ما لا ترغب في العتق وتضيع به؛ بخلاف العبد، وهذا هو الصَّحيح.
واستحبَّ بعضُ العلماء أنَّ يعتق الذَّكر الذَّكر والأنثى مثلها، ذكره الفرغاني في «الهداية» ليتحقَّق مقابلة الأعضاء بالأعضاء. وفيه أنَّ العتق أرفع الأعمال، وربَّما ينجي الله به من النَّار.
وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس العمل، فجوزي المعتق للعبد بالعتق من النَّار.
ج 11 ص 508
وفيه أن تقويم باقي العبد لمن أعتق شقصًا منه إنَّما هو لاستكمال عتق نفسه بتمامها من النَّار، وصارت حرمة العتق تتعدَّى إلى الأموال لفضل النَّجاة به من النَّار. قيل وهذا أولى من قول من قال إنَّما ألزم عتق باقيه لتكميل حرية العبد.
وفيه أن عتق المسلم أفضل من عتق الكافر، وهو قول كافة العلماء، وحُكِي عن مالك وبعض أصحابه أن الأفضل عتق الرَّقبة النفيسة وإن كان كافرًا.
وقال ابن المُنيِّر فيه إشارة إلى أنَّه ينبغي في الرَّقبة التي تكون للكفَّارة أن تكون مؤمنة؛ لأن الكفَّارة منقذة من النَّار، فينبغي أن لا تقعَ إلَّا منقذة من النَّار.
واستشكل ابنُ العربي قوله (( حتَّى فرجه بفرجه ) )بأنَّ الفرج لا يتعلَّق به ذنب يوجب له النَّار إلا الزِّنا، فإن حُمِل ما يتعاطاه من الصَّغائر كالمفاخذة لم يُشْكِل عتقُه من النَّار بالعتق، وإلَّا فالزِّنا كبيرة لا تكفَّر إلا بالتَّوبة، ثمَّ قال فيحتمل أن يكون المراد أن العتقَ يرجح عند الموازنة بحيث يكون مرجِّحًا لحسنات العتق ترجيحًا يوازي سُبَّة [2] الزِّنا. انتهى.
ولا اختصاص لذلك بالفَرْج بل يأتي في غيره من الأعضاء ما أثاره فيه كاليد في الغصب، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، والحديث أخرجه المؤلِّف في «كفَّارات الإيمان» أيضًا [خ¦6715] ، وأخرجه مسلم في «العتق» ، والتِّرمذي في «الإيمان» ، والنَّسائي في «العتق» .
ولما أخرجه التِّرمذي قال وفي الباب عن عائشة وعمرو بن عَنْبسة وابن عبَّاس وواثلة بن الأسقع وأبي أُمامة وعقبة بن عامر وكعب بن مرَّة رضي الله عنهم.
فأمَّا حديث عائشة رضي الله عنها فأخرجه ابن زنجويه بإسناده عنها مرفوعًا (( من أعتق عضوًا من مملوك أعتق الله بكلِّ عضو منه عضوًا ) ).
وأمَّا حديث عمرو بن عَنْبسة رضي الله عنه فأخرجه أبو داود والنَّسائي من حديث شرحبيل بن السَّمِط أنه قال لعمرو بن عَنْبسة حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من أعتق رقبة مؤمنة
ج 11 ص 509
كانت فداه من النَّار )) .
وأمَّا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأخرجه أبو الشَّيخ ابن حيَّان في كتاب «الثَّواب وفضائل الأعمال» عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيَّما مؤمن أعتق مؤمنًا في الدُّنيا أعتقه الله عضوًا بعضو من النَّار» .
وأمَّا حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه فأخرجه أبو داود والنَّسائي من رواية الغريف الدَّيلمي قال أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له حدِّثنا حديثًا فذكره وفيه قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب؛ يعني النَّار بالقتل فقال (( أعتقوا عنه يعتق الله بكلِّ عضوٍ منه عضوًا منه من النَّار ) ). وأخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال إنَّ الغريف لقب عبد الله الديلمي.
وأمَّا حديث أبي أُمامة رضي الله عنه فأخرجه التِّرمذي عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أيُّما امرئ مسلم أعتقَ امرأ مسلمًا كان فكاكه من النَّار يجزئ كلُّ عضو منه عضوًا، وأيُّما امرئ مسلم أعتقَ امرأتين مسلمتين كانتا فكاكًا له من النَّار يجزئ كلُّ عضو منهما عضوًا منه، وأيَّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النَّار يجزئ كلُّ عضو منها عضوًا منها ) )وقال حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وأمَّا حديث عقبة رضي الله عنه فأخرجه أحمد من رواية قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من أعتقَ رقبةً مُؤمنة فهي فكَاكه من النَّار ) )، ورواه أبو يَعلى والحاكم وقال حديث صحيحُ الإسناد.
وأمَّا حديث كعب بن مرَّة رضي الله عنه فأخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه من رواية شرحبيل بن السَّمِط قال قلت لكعب يا كعب بن مرَّة، أو مرَّة بن كعب حدِّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحذر قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من أعتق امرأ مسلمًا كان فِكَاكه من النَّار يجزئ بكلِّ عظمٍ منه [بكل] عظمٌ منه، ومن أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النَّار يجزئ بكلِّ عظمين منهما عظمٌ منه ) )لفظ ابن ماجه، وأخرجه
ج 11 ص 510
ابن حبَّان في «صحيحه» .
وفي الباب أيضًا عن معاذ رضي الله عنه أخرجه أحمد من رواية قتادة، عن قيس، عن معاذ رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من أعتقَ رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النَّار ) ).
وعن مالك بن عَمرو أخرجه أحمد أيضًا من رواية علي بن زيد، عن زُرارة بن أوفى، عن مالك بن عَمرو القشيري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من أعتق رقبةً مسلمة فهي فداؤه من النَّار ) ).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني في «معجمه الصَّغير» من رواية زكريا بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من أعتقَ رقبةً مسلمةً أعتق الله بكلِّ عضو منه عضوًا من النَّار ) )، وأخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» ، وضعَّفه بزكريا المذكور.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أخرجه النَّسائي في «الكبرى» ، والحاكم في «المستدرك» من رواية ابن عُيينة، عن شعبة، عن شيخ من أهل الكوفة، عن أبي بُرْدة، عن أبيه سمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( مَن أعتقَ رقبة أو عبدًا كانت فكاكه من النَّار ) ).
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أخرجه البزَّار في «مسنده» من رواية أبي جرير، عن الحسن، عن صَعْصعة، عن أبي ذرٍّ قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من أعتقَ رقبةً مؤمنةً فإنه يجزئ من كلِّ عضوٍ، أو يجوز من كلِّ عضو منه عضوًا من النَّار ) ).
[1] كذا في الأصل والعمدة وفي «شعب الإيمان» للبيهقي ادع إلي أفره غلماني مطرفًا. ولعله أصوب.
[2] في هامش الأصل السُبَّة _ بالضم وتشديد الموحدة _ العار. منه وفي الفتح هنا سيئة الزنا.