2354 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سَعْد (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، هو ابن خالد الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهْري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) أي سعيد بن المسيَّب (وَأَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلإِ) قد مرَّ توضيح معناه في الحديث السَّابق [خ¦2353] .
قال الطِّيبيُّ ناقلًا عن القاضي اختلفت الرِّوايات في هذا الحديث فروى البخاريُّ (( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضلَ الكلأ ) )معناه من كان له بئرٌ في مواتٍ من الأرض لا يمنع ماشية غيره أن تردَ فضل مائه الذي زاد على ما احتاج إليه ماشيته؛ ليمنعها بذلك عن فضل الكلأ، فإنَّه إذا منعهم عن فضل الماء في أرضٍ ولا ماء بها سواه لم يكن لهم الرَّعي بها فيصير الكلأ ممنوعًا بمنع الماء.
وروى مسلمٌ (( لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلأ ) )، والمعنى لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ؛ أي لا يباع فضل الماء ليصير به البائع له كالبائع للكلأ، فإنَّ من أراد الرَّعي في حوالَيْ مائه إذا منعه من الورود على مائه إلَّا بعوض اضطرَّ إلى شرائه، فيكون بيعه للماء بيعًا للكلأ، انتهى.
وقال النَّووي لا يجب على صاحب البئر بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره فيما يملكُه من الماء، ويجب بذله للماشيةِ وللوجوب شروط
أحدها أن لا يجدَ صاحب الماشية ماء مباحًا.
والثَّاني أن يكون البذل لحاجةِ الماشية.
والثَّالث أن يكون هناك مرعىً، وأن يكون الماء في مستقرِّه فالماء الموجود في إناءٍ لا يجب بذل فضلهِ على الصَّحيح، ثمَّ عابروا السَّبيل يُبذَل
ج 11 ص 136
لهم ولمواشيهم.
وفي من أراد الإقامة في الموضع وجهان؛ لأنَّه لا ضرورة في الإقامة والأصحُّ الوجوب، وإذا أوجبنا البذل هل يجوز أن يأخذَ عليه أجرًا كطعام المضطر وجهان والصَّحيح لا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة مثل مطابقة الحديث السَّابق.
والحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( لا يباع فضلُ الماء ليباعَ به الكلأ ) )، وقد مرَّ معناه آنفًا. وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا بلفظ (( لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ) )وأخرجه التِّرمذي أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو رواية أبي داود.
تتمة قال الِكَرْمانيُّ والنَّهي الذي في الحديث على التَّحريم عند مالكٍ والشَّافعي، وقال آخرون إنَّما هو من باب المعروف، انتهى.
وقال الخطَّابي والنَّهي عند الجمهور للتَّنزيه فيحتاج إلى دليل أوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الحديث أيضًا وجوب بذله مجانًا، وبه قال الجمهور، وقيل لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه، كما في طعام المضطر.
وتُعُقِّب بأنَّه يلزم منه جوازُ المنع حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، ورُدَّ بمنع الملازمة، فيجوز أن يُقالَ يجب عليه البذل، وتترتَّب القيمة في ذمَّة المبذول له حتَّى لا يكونَ له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم في روايةٍ لمسلم من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لا يُباع فضل الماء ) )ولو وجب له العوض لجاز المنع، والله أعلم.
ثمَّ إنَّه استدلَّ ابن حبيب من المالكيَّة على أنَّ البئر إذا كانت بين مالكين فاستقى أحدهما في نوبته كان للآخر أن يسقي منها؛ لأنَّه ماء فضل عن حاجة صاحبه، وعموم الحديث يشهد له وإن خالفه الجمهور.
واستدلَّ به بعض المالكيَّة للقول بسدِّ الذَّرائع؛ لأنَّه نهى عن منع الماء لئلا يُتذرَّع به إلى منع الكلأ، لكن ورد التَّصريح في بعض طرق حديث الباب بالنَّهي عن منع الكلأ صحَّحه ابن حبَّان من رواية أبي سعيد مولى بني غفار عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيهزُلَ المالُ، وتجوعَ العيال ) ).
ج 11 ص 137
والمراد بالكلأ هنا هو النَّابت في الموات فإنَّ النَّاس فيه سواءٌ، وروى ابن ماجه من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( ثلاثةٌ لا يُمنَعْنَ الماء والكلأ والنَّار ) )إسناده صحيحٌ.
قال الخطَّابي ومعناه الكلأ ينبت في موات الأرض، والماء الذي يجري من المواضع التي لا يختصُّ بها أحدٌ، قيل والمراد بالنَّار الحجارة التي تُوري النَّار. وقيل المراد النَّار حقيقة، والمعنى لا يُمنَع مَنْ يستصبح منها مصباحًا أو يدني منها ما يشعله منها، وقيل المراد ما إذا أضرم نارًا من حطبٍ مباح بالصَّحراء، فليس له منع مَنْ ينتفع بها بخلاف ما إذا أضرم من حطبٍ يملكه نارًا فله المنع، والله تعالى أعلم.