198 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة دينار أبو بِشْر الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بصيغة التصغير (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية، وزِيْدَ في رواية ، ورجال هذا الإسناد ما بين حمصي ومدني، وفيه راويان جليلان الزهري وعبيد الله، والكل تقدموا في باب الوحي [خ¦7] ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في سبع مواضع في هذا الكتاب [خ¦4442] [خ¦665] [خ¦687] [خ¦2588] [خ¦5714] ، وأخرجه مسلم في الصلاة، والنسائي في عِشْرَة النساء وفي الوفاة، والترمذي في الجنائز.
(أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم قاف ثقل يقال ثَقُل الشيء ثِقَلًا مثل صَغُر صِغَرًا فهو ثقيل، وقال أبو نصر أصبح فلان ثاقلًا إذا أثقله المرض، والثِقَل ضد الخِفَّة، والمعنى هنا اشتد مرضه كما يفسره قولها بعده واشتد به وجعه، وأمَّا الثَقْل بفتح المثلثة وسكون القاف فهو مصدر ثقَل الشيءَ، بفتح القاف في الوزن بثقله ثقلًا من باب نصر ينصر إذا وزنه، وكذلك ثَقَلتُ الشاةَ إذا رفعتها للنظر ما ثقلها من خفتها.
وفي (( القاموس ) )ثَقِل كفَرِحَ يعني بكسر القاف فهو ثاقل وثقيل اشتد مرضه، وقال محمود العيني هذا يحتاج إلى نسبته إلى أحد من أئمة اللغة المعتَمَد عليهم.
(وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ)
ج 2 ص 219
النبي صلى الله عليه وسلم (أَزْوَاجَهُ) رضي الله عنهن (فِي أَنْ يُمَرَّضَ) على صيغة المجهول من التمريض، يقال مرضته تمريضًا إذا أقمت عليه في مرضه يعني خدمته فيه، ويحتمل أن يكون التشديد فيه للسلب والإزالة كما تقول قرَّدتُ البعيرَ إذا أزلتَ قُرَاده، والمعنى هنا أزلتَ مرضه بالخِدْمَة.
(فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ) بكسر المعجمة وتشديد النون لأنه جمع المؤنث؛ أي أذنت الأزواج المطهرة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة رضي الله عنها (فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي من بيت ميمونة، وهو المُعْتَمَد، وقيل من بيت زينب بنت جحش، وقيل من بيت ريحانة.
(بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ) بضم الخاء المعجمة؛ أي يؤثر برجليه في الأرض كأنه يخطُّ خطًّا (بَيْنَ) عمه (عَبَّاسٍ) رضي الله عنه (وَرَجُلٍ آخَرَ) قال الزهري (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) الراوي عن عائشة رضي الله عنها، فهذا مُدْرج من كلام الزهري (فَأَخْبَرْتُ) أنا (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما بقول عائشة رضي الله عنها.
(فَقَالَ) أي ابن عباس رضي الله عنهما (أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ) الذي لم تسمِّه عائشة رضي الله عنها (قُلْتُ لاَ) أدري (قَالَ) ابن عباس رضي الله عنهما (هُوَ عَلِيٌّ) أي كما في رواية، وإنما أَبْهَمَتِ الرجل الآخر ولم تُعَيِّنْه؛ لأنهم كانوا ثلاثة، علي وأسامة والفضل كما وقع في رواية مسلم بين الفضل بن عباس، وفي أخرى وكانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة؛ تارة هذا، وتارة ذاك، أو كان العباس رضي الله عنه أكثرهم أخذًا ليده الكريمة إكرامًا له واختصاصًا به لكونه رضي الله عنه عمه صلى الله عليه وسلم.
وقيل إنما أبهَمَتْه مع كونه عليًا رضي الله عنه؛ لما كان عندها منه ما يحصل للبشر مما يكون سببًا في الإعراض عن ذكر اسمه، والأول أحسن، وبشأنها رضي الله عنها أليق.
(وَكَانَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها، وهو بالعطف على قوله (قالت) أو على قوله (فأخبرتُ) ، والأول وعلى كل تقدير فهو مقول عبيد الله بالإسناد المذكور (تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ) وفي بعض النسخ ، وأضيف إليها مجازًا لملابسة السُكنى فيه (وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ هَرِيقُوا) بدون الهمزة في أوله في رواية الأكثرين، وفي رواية بالهمزة مع الهاء، وفي أخرى بالهمزة بدون الهاء وكلها بمعنى؛ أي صبُّوا، لكن الأصل
ج 2 ص 220
أريقوا من أراق يُرِيق إراقة من الأفعال.
قال سيبويه قد أبدلوا من الهمزة الهاء، ثمَّ لَزِمت فصارت كأنها من نفس الكلمة فقالوا هراقَ الماءَ يُهَريقُه هِرَاقة، وأمَّا أهريقوا فمن أهْراقَ يُهْرِيق إهراقًا فهو مُهْريق والشيء مُهْراق ومُهَرَاق، وهو شاذ نظيره اَسطاع يُسطيع اسطياعًا بفتح الهمزة في الماضي وضم الياء في المضارع، وهو لغة في أطاع يطيع، فجعلوا السين عوضًا عن ذهاب حركة عين الفعل فكذلك حكم الهاء.
(عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ) بكسر القاف وفتح الراء، جمع قِربة وهي ما يسقى به، وهو جمع الكثرة، وجمع القلة قربات بسكون الراء وفتحها (لَمْ تُحْلَلْ) على صيغة المجهول (أَوْكِيَتُهُنَّ) جمع وِكاء، وهو الذي يُشد به رأس القربة؛ أي يربط به فمها، وإنما طلب النبي صلى الله عليه وسلم الماء في مرضه؛ لأن المريض إذا صُبَّ عليه الماء البارد عادت إليه قوته، لكنه في مرض يقتضي ذلك، كمرض النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه بعد استعمال الماء قام وخرج إلى الناس، كما سيأتي.
وأما تعيين العدد في القرب فيشبه أن يكون للتبرك بهذا العدد؛ لأن له دخولًا في كثير من أمور الشريعة، ولأن الله تعالى خلق كثيرًا من مخلوقاته سبعًا، ولأن نهاية العدد عشرة، والمئات تركب من العشرات، والألوف من المئات، والسبعة من وسط العشرة، وخير الأمور أوساطها، وهي وتر، والله يحبُّ الوتر بخلاف السادس والثامن، وأما التاسع فليس من الوسط وإن كان وترًا، وأما تعيين القرب فلأن الماء يكون فيها محفوظًا وفي معناها ما يشاكلها مما يحفظ فيه الماء، وقد جاء في رواية للطبراني في هذا الحديث (( من آبار شتى ) )، وأما شرطه عليه السلام في القرب عدم حل أوكيتهن فلأن أول الماء أطهره وأصفاه؛ لأن الأيدي لم تخالطه ولم تدنسه بعد، والقرب إنما توكى وتُحل على ذكر الله تعالى فاشترط أن يكون صبُّ الماء عليه من الأسقية التي لم تحلل ليكون قد جمع بركة الذكر في شدها وحلها معًا.
ج 2 ص 221
(لَعَلِّي أَعْهَدُ) بفتح الهمزة من باب عَلِمَ؛ أي أوصي يقال عهدت إليه؛ أي أوصيته، وهذا يدل على أن صبَّ الماء عليه كان للتداوي (إِلَى النَّاسِ وَأُجْلِسَ) على صيغة المجهول؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بالفاء (فِي مِخْضَبٍ) بكسر الميم وقد مر تفسيره، وزاد ابن خزيمة من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها أنه كان من نحاس، وفيه إشارة إلى رَدِّ من كره الاغتسال فيه، كما ثبت ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال عطاء إنما كَرِه من النحاس ريحَه، ورُوِيَ أن الملائكة تكره ريح النحاس، وقيل يحتمل أن تكون الكراهة فيه؛ لأنه مستخرج من معادن الأرض شبيه بالذهب والفضة، والصواب، جواز استعماله بما ذكر من رواية ابن خزيمة، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والحجة البالغة.
(حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بنت عمر بن الخطاب الصوَّامة القوَّامة، وقد مر ذكرها في باب التناوب في العلم [خ¦89] (ثُمَّ طَفِقْنَا) بكسر الفاء وفتحها، حكاه الأخفش والكسر أفصح؛ أي جعلنا (نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ) أي القرب السبع، وفي رواية (حَتَّى طَفِقَ) أي جعل النبي صلى الله عليه وسلم (يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ) ما أمرتكن به من إهراق الماء من القُرَب الموصوفة (ثُمَّ خَرَجَ) صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة رضي الله عنها (إِلَى النَّاسِ) الذين في المسجد فصلى بهم وخطبهم، على ما يأتي، إن شاء الله تعالى.
واستُدل بهذا الحديث على وجوب القَسْم على النبي صلى الله عليه وسلم وإلا لم يحتج إلى الاستئذان منهن، ثمَّ وجوبه على غيره بطريق الأولى، ويحتمل أن يكون فَعَلَ ذلك تطييبًا لهن، وفيه أن لبعض الضَّرَّات أن تهب نوبتها للضَّرَّة الأخرى، وفيه استحباب الوصية، وفيه جواز الإجلاس في المِخْضَب ونحوه لأجل صبِّ الماء عليه سواء كان من خشب أو حجر أو نحاس، وفيه إراقة الماء على المريض بنية التداوي وقصد الشفاء، وفيه فضل عائشة رضي الله عنها لتمريض النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، وفيه جواز الرقى والتداوي للعليل، ويكره ذلك لمن ليست به علة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشتد به المرض ليُعْظم الله أجره بذلك، وفي الحديث الآخر (( إني أوعَك كما يُوعَك رجلان منكم ) )، وفيه جواز الإشارة، وفيه أن المريض يجوز أن يُسكن نفسه لبعض أهله دون بعض.
تتمة عباس المذكور في الحديث هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، يكنى أبا الفضل، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسنَّ منه بسنتين أو ثلاث، كان رئيسًا جليلًا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عِمَارة المسجد الحرام والسقاية،
ج 2 ص 222
وحضر ليلة العقبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدَّد العقد مع الأنصار وأيَّده، شهد بدرًا مع المشركين، وأُسِرَ يومئذ، فأسلم بعد ذلك، وقيل إنه أسلم قبل بدر، وكان يكتم إيمانه وإسلامه، وأراد القدوم إلى المدينة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام بمكة، وكان يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان المسلمون بمكة يتقوون به، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وثلاثون حديثًا، للبخاري منها حديثان، وشهد حُنَينًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت معه حين انهزم الناس، فأَمَرَه عليه السلام أن ينادي في الناس بالرجوع، فنادى وكان صَيِّتًا فأقبلوا وحملوا على المشركين فهزموهم، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، ابن ثمان وثمانين سنة، وكان معتدل القامة.