2168 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ) بفتح الموحدة، وقد مرَّ ذكرها (فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) جمع أوقية وأصلها أواقيّ،
ج 10 ص 277
بتشديد الياء فحذفت إحدى الياءين تخفيفًا، وأعلَّت الثانية على طريقة قاض، وفي مقدار الأوقية خلاف، والأصحُّ أنَّ الأوقية الحجازية أربعون درهمًا.
(فِي كُلِّ عَامٍ أَوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي) من الإعانة (فَقُلْتُ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ) أي أعد تسع أواقٍ لأهلك وأعتقك (وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ) وذلك بأن يفسخ الكتابة بعجز المكاتب عن أداء النُّجوم (فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ) ما قالت عائشة رضي الله عنها (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي امتنعوا من ذلك (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) ويروى أي من عند أهلها.
(وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ) أي عند عائشة رضي الله عنها (فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ما قالته بريرة. (فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بذلك، فإن قيل ما الفائدة في إخبار عائشة رضي الله عنها حيث سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم بنفسه؟ فالجواب أنَّه سمع شيئًا مجملًا فأخبرته عائشة رضي الله عنها مفصلًا.
(فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ) وفي رواية [1] (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) أي أمَّا بعد الحمد لله والثَّناء عليه (مَا بَالُ رِجَالٍ) هذا جواب أما، والأصل فيه أن يكون بالفاء وقد يحذف.
(يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) كلمة (( ما ) )موصولة متضمنة لمعنى الشَّرط فلذلك دخلت الفاء في جوابها (وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ) مبالغة وشرط مصدر ليكون معناه مائة مرة حتَّى يوافق الرِّواية المصرَّحة بلفظ المرة (قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) فيه سجعٌ وهو من محسِّنات الكلام
ج 10 ص 278
إذا لم يكن فيه تكلُّف، وإنَّما نهى عن سجع الكهَّان لِمَا فيه من التَّكلف.
قال الكرمانيُّ فإن قيل كيف صحَّ هذا والشَّرط ثلاثة أقسام باطلٌ في نفسه مبطل للعقد، وباطلٌ غير مبطل، ولا باطل ولا مبطل وما نحن فيه من القسم الأوَّل.
قلت قال النَّووي هذا مشكلٌ من حيث إنَّ هذا الشَّرط يفسد البيع، ومن حيث إنَّها خدعت البائع وشرطت لهم ما لا يصحُّ فكيف أذن النَّبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها؟
ولهذا الإشكال أنكر بعضهم هذا الحديث بجملته، وهذا منقولٌ عن يحيى بن أَكْثم _ بفتح الهمزة وسكون الكاف وبالمثلثة _ المروزيِّ قاضي بغداد أحد أعلام الدُّنيا، واستدلَّ بسقوط هذه اللفظة في كثير من الرِّوايات والجمهور على صحته، فأولَّه العلماء بتأويلات بأنَّ معناه اشترطي عليهم كما قال تعالى {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء 7] أي فعليها، وكما قال تعالى {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} [غافر 52] أي وعليهم.
وبأنَّ المراد أظهري لهم حكم الولاء، وبأنَّ المراد التَّوبيخ لهم؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان قد بيَّن لهم أنَّ هذا الشرط باطل لا يصح فلمَّا لجُّوا في اشتراطه ومخالفة أمره قال لعائشة رضي الله عنها هذا، بمعنى لا تبالي سواءً اشترطته أم لا، فإنَّه شرطٌ باطل مردود لِمَا سبق بيانه لهم، والأصحُّ أنَّه من خصائص عائشة رضي الله عنها وهي قضية عينٍ لا عموم لها.
قالوا والحكمة في إذنه ثمَّ إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك، كما أذن لهم في الإحرام في حجَّة الوداع، ثمَّ أمرهم بفسخه وجعله عمرةً ليكون أبلغ في زجرهم عمَّا اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد تحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة.
وقال الخطَّابي وجهه أنَّ الولاء لحمة كلُحمة النَّسب والإنسان إذا أعتق عبدًا يثبت له ولاؤه كما إذا وُلِدَ له ولدٌ يثبت له نسبه، فلو نسب إلى غيره لم ينتقل نسبه عن والده كذلك إذا أراد نقل ولائه عن محلِّه لم ينتقل عنه فلم يعبأْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم ولا رآه قادحًا في العقد إذ جعله بمنزلة اللَّغو من الكلام وتركهم يقولون ما شاؤوا ليكون أبلغ في النَّكير وأوكد في التَّعبير.
وقد أُوِّلَ أيضًا بأنَّ هذا الأمر كان على معنى الوعيد والتَّهديد الذي ظاهره الأمر وباطنه النَّهي، كقوله
ج 10 ص 279
تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت 40] .
[1] قوله (( وفي رواية رسول الله ) )ليست في (خ) .