فهرس الكتاب

الصفحة 2492 من 11127

1582 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجُعْفي، المعروف بالمسندي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ)

ج 7 ص 544

النَّبيل واسمه الضَّحاك بن مخلد، وهذا أحد الأحاديث التي أخرجها البخاريُّ عن شيخه أبي عاصم النَّبيل بواسطة (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (قال سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (قَالَ لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ) وهي مشتقةٌ من الكعب وكلُّ شيءٍ علا وارتفع فهو كعب، ومنه سُمِّيَ البيت الحرام كعبة لارتفاعه وعلوِّه، وقيل لتكعيبها؛ أي تربيعها.

وقال الجوهريُّ الكعبة البيت الحرام سُمِّيَ بذلك لتربيعه، وعن مقاتل سمِّي كعبة لانفرادها من البناء، وسمِّي البيت الحرام؛ لأنَّ الله تعالى حرَّمه وعظمه.

وأمَّا مكَّة فهي اسم البلدة التي في وادٍ بين جبال غير ذي زرع، وقال السُّهيلي هو من تمكَّكْتُ العظمَ؛ أي اجتذبتُ ما فيه من المخِّ، وتمكَّك الفصيل ما في ضرع النَّاقة، فكأنَّها تجتذب ما في البلاد من الأقوات التي تأتيها في الموسم.

وقيل لما كانت في بطن وادٍ فهي تمكِّك الماء من جبالها عند نزول المطر وتنجذب إليها السِّيول، وقال الصَّغاني مكَّة البلد الحرام، واشتقاقها من مكَّ الصبيُّ ثدي أمِّه يمكُّه مكًَّا إذا استقصى مصَّه، وسمِّيت مكَّة لقلَّة الماء بها، ولأنَّهم يمتكون الماء؛ أي يستخرجونه باستقصاءٍ، ويقال سمِّيت مكة؛ لأنَّها كانت تبكُّ من ظَلَمَ بها؛ أي تهلكه.

ويقال أيضًا بكَّة بالموحدة، قال الله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} الآية [آل عمران 96] ، وقيل بكَّة اسم موضع الطَّواف.

وقيل بكَّة مكان البيت، ومكَّة سائر البلد، وسميت بكَّة؛ لأنَّ الناس يبكُّ بعضُهم بعضًا في الطَّواف؛ أي يدفع. وقيل لأنَّها تبكُّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلمٍ، وقال القتبيُّ مكَّة وبكَّة شيءٌ واحدٌ، والباء تبدل من الميم كثيرًا، ولمكة أسامٍ كثيرة، منها الناسة، بالنون والسِّين المهملة، من النسِّ سميت به لقلِّة مائها.

وفي «المنتخب» النسَّاسة، ويروى النَّاشة، بالنون والشين المعجمة؛ لأنَّها تنشُّ من ألحد فيها؛ أي تطردُه وتنفيه.

وعند الخطَّابي الباسَّة، بالموحدة والمهملة؛ لأنَّها تفتت من ألحد فيها أو تسوقه وتسيره من بس الغنم إذا ساقها،

ج 7 ص 545

ومنها الراس وصلاح وأمُّ صبح وأمُّ رحم، بضم الحاء وسكونها، وأمُّ راحم، ووجوه التَّسمية ظاهرةٌ، وأم زحم، بالزاي المعجمة، من الازدحام فيها وطيبة ونادر وأمُّ القرى والحاطمة والقادس والمقدس والمقدَّسة، وقد مرَّ الاختلاف في أوَّل من بناها في نفس الباب.

(ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبَّاسٌ) رضي الله عنهما (يَنْقُلاَنِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ) وفي «صحيح الإسماعيليِّ» من حديث عبد الرَّزاق من طريق عمرو بن دينار فقال عبَّاس للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اجعل إزارك على رقبتي ففعل» . قال الإسماعيليُّ قد جعل عبد الرَّزاق وضع الإزار على رقبة العبَّاس رضي الله عنه.

(فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ) من الخرور وهو الوقوع، وفي رواية زكريَّا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار التي مضت في باب كراهية التَّعري، في أوائل كتاب الصَّلاة (( فحلَّه فَجَعَلَهُ على منكبيهِ فسقط مغشيًّا عليه ) ) [خ¦364] .

(فَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ) بفتح المهملة والميم؛ أي شخصتا وارتفعتا، قال ابن سيده طَمَح ببصره يَطْمَح طَمَحًا، شخص، وقيل رمى به إلى الشَّيء، ورجل طمَّاح؛ أي بعيد الطَّرف، ومنه قولهم مَطْمَحُ نظر فلان كذا.

(إِلَى السَّمَاءِ) والمعنى أنَّه صار ينظر إلى فوق، وفي رواية عبد الرَّزاق، عن ابن جريج في أوائل السِّيرة النَّبوية (( ثمَّ أفاق ) ) [خ¦3829] (فَقَالَ أَرِنِي إِزَارِي) أي أعطني، قال ابن التِّين ضبط بإسكان الراء وبكسرها قال والكسر أحسن عند بعض أهل اللغة وليس معناه من الرُّؤية، ووقع في «شرح ابن بطال» إزاري إزاري مكرَّرًا، ومعناه صحيحٌ إن ساعدته الرِّواية.

(فَشَدَّهُ عَلَيْهِ) زاد زكريَّا بن إسحاق «فما رئي بعد ذلك عريانًا» ، وهذا الحديث من مرسل الصَّحابي؛ لأنَّ جابرًا رضي الله عنه لم يدرك هذه القصَّة فيحتمل أن يكون سمعها من النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو ممَّن حضرها من الصَّحابة رضي الله عنهم.

وقد روى الطَّبراني وأبو نعيم في «الدلائل» من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزُّبير قال سألت جابرًا رضي الله عنه هل يقوم الرَّجل عريانًا؟ فقال أخبرني النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه لمَّا انهدمت الكعبة نقل كلُّ بطن من قريش، وأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقل مع العبَّاس فكانوا يضعون ثيابهم

ج 7 ص 546

على العواتق يتقوُّون بها؛ أي على حمل الحجارة قال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فاعتلقتْ رجلي فَخَرَرْتُ وسقَطَ ثوبي فقلت للعبَّاس هلمَّ ثوبي فلست أتعرَّى بعدها إلَّا لغسلٍ ) ).

لكن ابن لهيعة ضعيفٌ، وقد تابعه عبد العزيز بن سليمان، عن أبي الزُّبير، ذكره أبو نعيم، فإن كان محفوظًا وإلَّا فقد حضره من الصَّحابة العبَّاس رضي الله عنه، كما في حديث الباب، فلعلَّ جابرًا رضي الله عنه حَمَلَهُ عنه.

وروى الطَّبراني أيضًا والبيهقيُّ في «الدلائل» من طريق عَمرو بن أبي قيس، والطَّبري في «التَّهذيب» من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نعيم في «المعرفة» من طريق قيس بن الربيع، وفي «الدلائل» من طريق شعيب بن خالد كلُّهم، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حدَّثني أبي العبَّاس بن عبد المطَّلب قال «لمَّا بَنَتْ قريشٌ الكعبة انفردتْ رجلين رجلين ينقلون الحجارة، فكنتُ أنا وابن أخي، فجعلنا نأخذ أُزُرَنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من النَّاس لبسنا أُزُرَنا فبينما هو أمامي إذ صرع فسَعَيْتُ وهو شاخصٌ ببصره إلى السَّماء، قال فقلت لابن أخي ما شأنك؟ قال نُهيت أن أمشيَ عريانًا قال فكتمته حتَّى أظهر الله تعالى نبوَّته» تابعه الحكم بن أبان، عن عكرمة، أخرجه أبو نعيم أيضًا.

وفي «طبقات ابن سعد» من حديث الزُّهري، عن محمد بن جبير بن مطعم دخل حديث بعضهم في حديث بعضٍ قالوا بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينقل معهم الحجارة، يعني للبيت، وهو يومئذٍ ابن خمس وثلاثين سنة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلبط؛ أي سقط من قيام ونودي عورتك فكان ذلك أوَّل ما نودي فقال له أبو طالب يا ابن أخي، اجعل إزارك على رأسك فقال (( ما أصابني ما أصابني إلَّا في تعرِّي ) ).

وروي أيضًا من طريق النَّضر بن عكرمة، عن ابن عبَّاس ليس فيه العبَّاس، وقال في آخره «فكان أوَّل شيءٍ رأى من النُّبوَّة» . والنَّضر ضعيفٌ، وقد خبط في إسناده وفي متنه فإنَّه جعل القصَّة في معالجة زمزم بأمر أبي طالب وهو غلامٌ، فكأنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما أراد بقوله أوَّل شيءٍ رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النُّبوَّة أن قيل له استتر وهو غلامٌ في هذه القصَّة.

وروى ابن إسحاق في «السِّيرة» عن أبيه عَمَّن حدَّثه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «إنِّي لمع غِلمان هم أسناني قد جعلنا أُزُرَنا على أعناقنا لحجارةٍ ننقلها إذ لكمني لاكمٌ لكمةً شديدةً، ثمَّ قال اشدد عليك إزارك» .

وعند السُّهيلي في خبرٍ آخر لما سقط ضمَّه العبَّاس إلى نفسه وسأله عن شأنه، فأخبره أنَّه نودي من السَّماء أن اشدد عليك إزارك يا محمَّد قال وإنَّه أوَّل ما نودي، ولعلَّ القصَّة متعددة، وحكى الأزرقيُّ أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما بنيت الكعبة كان غلامًا، ولعلَّ عمدته في ذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى عن عمرو، عن الزُّهري.

هذا ثمَّ لحديث جابرٍ رضي الله عنه

ج 7 ص 547

شاهد من حديث أبي الطُّفيل، أخرجه عبد الرَّزاق ومن طريقه الحاكم والطَّبراني، قال كانت الكعبة في الجاهلية مبنيَّة بالرَّضْم ليس فيها مدر وكانت قدر ما تقتحمها العناق، وكانت ثيابها تسدل عليها سدلًا، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من الرُّوم حتَّى إذا كانوا قريبًا من جدَّة انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الرُّوميَّ الذي فيها نجَّارًا فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت.

فكانوا كلَّما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيَّة فاتحة فاها فبعث الله تعالى طيرًا أعظم من النَّسر فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجيادٍ فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السَّماء عشرين ذراعًا، فبينما النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودي يا محمَّد! خمِّر عورتك، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين.

قال معمر وأمَّا الزُّهري فقال لمَّا بلغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحلم جمَّرَت امرأةٌ الكعبةَ فطارت شرارةٌ من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فتشاورت قريشٌ في هدمها وهابوه فقال الوليد إنَّ الله تعالى لا يهلك من يريد الإصلاح فارتقى على ظهرِ البيت ومعه العبَّاس فقال اللَّهمَّ لا نريد إلَّا الإصلاح، ثمَّ هدم فلمَّا رأوه سالمًا تابعوه، قال عبد الرَّزاق قال مجاهدٌ كان ذلك قبل البعث بخمس عشرة سنة.

وكذا رواه ابن عبد البرِّ من طريق محمَّد بن جبير بن مطعم بإسناده، وبه جزم موسى بن عقبة في «مغازيه» والأوَّل أشهر، وبه جزم ابن إسحاق، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدَّم وقته على الشُّروع في البناء.

وذكر ابن إسحاق أنَّ السَّيل كان يأتي فيصيب الكعبة فيتساقط من بنائها وكانت رضمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وذلك أنَّ نفرًا سرقوا كنز الكعبة. فذكر القصَّة مطولةً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتَّى رضوا بأوَّل داخلٍ فدخل النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحكموه في ذلك فوضعه بيده، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى قال وكانت الكعبة على عهد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 7 ص 548

ثمانية عشر ذراعًا.

ووقع عند الطَّبراني من طريقٍ أخرى عن ابن خُيَثْمٍ، عن أبي الطُّفيل قال إنَّ اسم النَّجار المذكور باقوم، وللفاكهيِّ من طريق ابن جريجٍ مثله قال وكان يتجر إلى مندب وراء ساحل عدن فانكسرتْ سفينته بالشَّعيبة فقال لقريشٍ إن أجريتم عِيري مع عِيركم إلى الشَّام أعطيتُكم الخشب ففعلوا.

وروى سفيان بن عيينة في «جامعه» عن عمرو بن دينار أنَّه سمع عبيد بن عمير يقول اسم الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًّا، وقال الأزرقيُّ كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر.

ثمَّ مطابقة حديث الباب للتَّرجمة من حيث إنَّ بنيان الكعبة كان سببًا لبنيان مكَّة كما تقدَّم، والحديث أخرجه المؤلِّف في بنيان الكعبة أيضًا [خ¦3829] . وأخرجه مسلم أيضًا في الطَّهارة.

ثمَّ إنَّ البخاريَّ رحمه الله أخرج حديث عائشة رضي الله عنها في هذا الباب من أربع طرقٍ، فقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت