فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 11127

126 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بصيغة التصغير (بْنُ مُوسَى) بن باذام، وقد مر في أول كتاب «الإيمان» [خ¦8] (عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي _ بفتح المهملة وكسر الموحدة _ نسبة إلى سَبيع بن سبع الهَمْداني الكوفي أبي يوسف.

قال أحمد بن حنبل كان شيخًا ثقة، وجعل يتعجب من حفظه، سمع جده أبا إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، ولد إسرائيل سنة مئة، وتوفي سنة ستين ومائة.

(عَنْ) جده (أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعي، وقد مر ذكره في باب «الصلاة من الإيمان» [خ¦40] (عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابن يزيد بن قيس النخعي خال إبراهيم أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، مات سنة خمس وسبعين بالكوفة، سافر ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما، وكذا ابنه عبد الرحمن بن الأسود سافر ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما، قال ابن قتيبة كان يقول في تلبيته لبيك أنا الحاج بن الحاج، وكان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمون آل الأسود أهلَ الجنة، مات سنة خمس وتسعين روى له الجماعة.

ورجال هذا الإسناد إلى الأسود كوفيون، وقد أخرج متنه المؤلف في «الحج» [خ¦1584] وفي «التمني» أيضًا [خ¦7243] ، وأخرجه مسلم في «الحج» ، وكذا ابن ماجه فيه.

وعند مسلم أيضًا أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت قال قاتل لله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين يقول سمعتها تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر، فإن قومك اقتصروا في البناء ) ) [خ¦1583] فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة لا تقل هذا يا أمير المؤمنين أنا سمعتها تحدث بهذا قال لو كنت سمعته قبل أن أهدمه

ج 1 ص 715

لتركته على بناء ابن الزبير رضي الله عنه.

(قَالَ) أي أنه قال (قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ) يعني عبد الله الصحابي المشهور سبط الصديق رضي الله عنهما، وقد مر ذكره في باب «إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم» [خ¦107] .

(كَانَتْ عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها (تُسِرُّ) بضم التاء، من الإسرار ضد الإعلان (إِلَيْكَ كَثِيرًا) أي أسرارًا كثيرًا أو كما في رواية، ولما كان المضارع هاهنا استحضارًا لصورة الأسرار (فَمَا) أي فأي شيء (حَدَّثَتْكَ فِي) شأن (الْكَعْبَةِ) واشتقاقها من الكعوب وهو المنشوز وهي ناشزة من الأرض، وقال الجوهري سميت بذلك لتربيعها، يقال بُرْدٌ مكعب؛ أي فيه وشي مربع).

(قُلْتُ) وفي رواية (قَالَتْ لِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ) بكسر الكاف وهو مبتدأ وقوله (حَدِيثٌ) بالتنوين خبره، وقوله (عَهْدُهُمْ) بالرفع فاعل الصفة المشبهة، ووجوب حذف خبر «لولا» إذا كان عامًا، وأما إذا كان خاصًا فلا كقول الشاعر

~ولولَا الشِّعرُ بالعلماءِ يُزْرى لكنْتُ اليومَ أشعرَ مِن لبيدِ

وفي بعض النسخ بزيادة (( أن ) )ليس بمشهور.

(قَالَ) وفي رواية (ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ) كأن الأسود نسي قولها «بكفر» ، فذكَّره ابن الزبير به، وأما ما بعده أعني قوله (لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي أحدهما «باب» أو بالنصب على البدلية (يَدْخُلُ) منه كما في بعض النسخ ، (النَّاسُ) والجملة صفة لـ «باب» .

(وَبَابٌ) بالوجهين (يَخْرُجُونَ) كما في رواية، وفي أخرى إثبات لفظة في الثاني فقط فيكون مما تنازع فيه الفعلان فيحتمل [1] أن يكون مما نُسِي أيضًا أو مما ذكر.

ويؤيد الثاني ما رواه الترمذي من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود بتمامه إلا قوله «بكفر» فقال بدلها «بجاهلية» ، وكذا عند المؤلف في «الحج» من طريق أخرى عن الأسود [خ¦1586] .

ويؤيد الأول ما رواه الإسماعيلي من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق ولفظه «قلت حدثتني حديثًا حفظت أوله ونسيت آخره» ، ورجحها الإسماعيلي على رواية إسرائيل.

ج 1 ص 716

(فَفَعَلَهُ) أي فعل المذكور من النقض، وجعل البابين كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم (ابْنُ الزُّبَيْرِ) رضي الله عنهما، قال العلماء بُنِيَ البيت خمس مرات بنته الملائكة ثم إبراهيم عليه السلام، ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين، وقيل خمس وعشرين، ثم بناه ابن الزبير ثم الحجاج بن يوسف واستمر إلى الآن على بنائه.

ويروى أن هارون الرشيد سأل مالكًا عن هدمها وردِّها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة فقال مالك نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه فتذهب هيبة من صدور الناس، وقيل بنته أولًا الملائكة، ثم إبراهيم عليه السلام، ثم العمالقة، ثم جرهم، ثم قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ رجل شات، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج.

ومطابقة الحديث للترجمة أن قريشًا كانت تعظِّم أمر الكعبة جدًا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لقرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها لينفرد بالفخر وحده دونهم.

وقد روي أن قريشًا حين بنت البيت في الجاهلية تنازعت فيمن جعل الحجر الأسود في موضعه فرضوا بأول رجل يطلع عليهم، فطلع عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن يوضع الحجر في ثوب، وأمر كل قبيلة أن يأخذوا بطرف الثوب لئلا ينفرد أحد منهم بالفخر.

ومن فوائد الحديث أنه قد يترك يسير من الأمر بالمعروف إذا خشي منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه، ومنها أن النفوس تحب أن تساسَ بما تأنس به في دين الله من غير الفرائض على ما قاله ابن بطال.

ومنها أنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن يعارضه مفسدة أعظم منها وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا لما كانوا يرون تغييرها عظيمًا فتركه النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنها نظر ولي الأمر في مصالح رعيته، واجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحد.

ومنها تآلف قلوبهم وحسن حياطتهم وأن لا ينفروا وأن لا يتعرض

ج 1 ص 717

لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه تركُ أمرٍ شرعي. ومنها ما استدل أبو محمد الأَصيلي به في مسألةٍ من النكاح في جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم وكان فيه ميل إلى الصباء، فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غني فمال إليه الوصي، وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها فأبى وصيها أن يزوجها منه ورُفِعَ ذلك إلى القاضي وشاور فقهاء بلده فكلهم أفتى أن لا تزوج ابن عمها. وأفتى الأَصيلي أنه يزوج منه؛ خشية أن يقعا في المكروه استدلالًا بهذا الحديث فتزوجت منه، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل قوله فيحتمل خبر قوله وإماما بعده. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت