1247 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَام، كما جزم به أبو علي ابن السَّكن في روايته عن الفربري، أو ابن المثنى وكلٌّ منهما روى عن أبي معاوية (قَالَ أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم _ بالخاء المعجمة والزاي _ الضَّرير.
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان بن فيروز (الشَّيْبَانِيِّ)
ج 6 ص 189
بفتح الشين المعجمة (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ورجال إسناد هذا الحديث كوفيون إلَّا الأوَّل فبيكندي.
وقد أخرج متنه مسلم في «الجنائز» أيضًا، وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه.
(قَالَ مَاتَ إِنْسَانٌ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ) أي يزورُه في مرضه. قيل هذا الإنسان هو طلحة بن البراء بن عُمير البلوي، حليف الأنصار، كما روى الطَّبراني من طريق عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه، عن حصين بن وَحْوَح الأنصاري، وهو بمهملتين على وزن جعفر، أنَّ طلحة بن البراء مرضَ فأتاه النَّبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال (( إني لا أُرى طلحة إلَّا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجِّلوا ) )فلم يبلغِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بني سالم بن عوف حتَّى توفي، وكان قال لأهله لمَّا دخل اللَّيل إذا متُّ فادفنوني ولا تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنِّي أخاف عليه يهود أن يصابَ بسببي، فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح، فجاء حتَّى وقف على قبره فصفَّ النَّاس معه، ثمَّ رفع يديه فقال (( اللَّهم القَ طلحة يضحك إليك وتَضْحَكُ إليه ) )؛ أي يرضى عنك وتَرضى عنه.
وأخرجه أبو داود مختصرًا من حديث الحُصين بن وَحْوَح أنَّ طلحة بنَ البراء مرض فلمَّا أتاه النَّبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال (( إنِّي لا أرى طلحة إلَّا قد حدَّث به الموت فآذنوني به وعجِّلوا، فإنَّه لا ينبغي لجيفة مسلمٍ أن يحبسَ بين ظهراني أهله ) ).
ووقع في «التَّوضيح شرح الصَّحيح» للشَّيخ سراج الدِّين ابن الملقن أنَّ هذا الإنسان هو الميِّت المذكور في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يقمُّ المسجد.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وهو وهمٌّ منه لتغاير القصَّتين، فإنَّ الصَّحيح أنَّها امرأة يقال لها أمُّ محجن، والله أعلم.
(فَمَاتَ بِاللَّيْلِ) قبل أن يبلغَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بني سالم بن عوف، كما تقدَّم (فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصَّباح (أَخْبَرُوهُ بِمَوْتِهِ) ودفنه ليلًا.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي) من الإعلام؛ أي بشأنه (قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ) بالرفع على أن «كان» تامَّة (فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ) بالرفع أيضًا، وجملة «كانت» اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو (أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ) أي كرهنا المشقَّة عليك.
(فَأَتَى) النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) .
وفي الحديث عيادة المريض، وقد مرَّ الكلام مستقصى [خ¦1239] . وفيه جواز دفن الميِّت باللَّيل، وروى التِّرمذي من حديث عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 6 ص 190
أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرًا ليلًا فأُسرجَ له بسراج، فأخذ من قبل القبلة وقال (( رحمك الله إن كنتَ لأوَّاهًا تلاءً للقرآن وكبَّر عليه أربعًا ) )ثمَّ قال التِّرمذي ورخَّص أكثر أهل العلم في الدَّفن باللَّيل.
وروى ابنُ أبي شيبة في «المصنف» بإسناده عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال كان رجلٌ يطوفُ باللَّيل يقول أوَّهْ أوَّهْ، قال أبو ذرٍّ فخرجت ليلة فإذا النَّبي صلى الله عليه وسلم في المقابر يدفن ذلك الرَّجل، ومعه مصباح.
وفيه الإذن بالجنازة والإعلام بها، وقد مرَّ بيانه مع الخلاف فيه. وفيه تعجيلُ الجنازة، فإنَّهم ظنُّوا أنَّ ذلك آكد من إيذانه.
وفيه جواز الصَّلاة على القبر وفيه خلاف. وقال التِّرمذي العمل على هذا؛ أي بالصَّلاة على القبر عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قولُ الشَّافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعضُ أهل العلم لا يُصلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس. وقال عبد الله بن المبارك إذا دفنَ الميِّت ولم يصلَّ عليه صلَّى على القبر. وقال أحمدُ وإسحاق يصلِّي على القبر إلى شهر.
وقال ابن التِّين جمهور أصحاب مالك على الجواز خلافًا لأشهب وسُحنون فإنَّهما قالا إن نسيَ أن يصلِّي على ميِّت فلا يصلِّي على قبره وليدعُ له.
وقال ابنُ القاسم وسائر أصحابنا يصلِّي على القبر إذا فاتت الصَّلاة على الميِّت، فإذا لم تفت وكان قد صلَّى عليه فلا يُصلَّى عليه.
وقال ابنُ وهبٍ عن مالك ذلك جائز، وبه قال الشَّافعي وابن عبد الحكم وأحمد وإسحاق وداود وسائر أصحاب الحديث، وكرهها النَّخعي والحسن، وهو قول أبي حنيفة والثَّوري والأوزاعي والحسن بن حي واللَّيث بن سعد.
وقال صاحب «الهداية» وإن دفن الميِّت ولم يُصلَّ عليه لا يُخرَج منه، ويُصلِّي عليه ما لم يُعلم أنَّه تفرَّق. وهكذا في «المبسوط» وإذا شكَّ في ذلك نصَّ الأصحاب على أنَّه لا يصلَّى عليه، وبه قال الشَّافعي وأحمد وهو قول عمر وأبي موسى وعائشة رضي الله عنهم، وكذا هو قول ابن سيرين والأوزاعي. وهل يشترطُ في جواز الصَّلاة على قبره كونه مدفونًا بعد الغسل؟ فالصَّحيح أنَّه يشترط.
وروى ابن سماعة عن محمَّد أنَّه لا يشترط. وفي «المحيط» لو صلَّى عليه من لا ولاية عليه يُصلِّى على قبره ويُصلِّى عليه قبل أن يتفسَّخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي؛ أي غالب الظَّن، فإن كان غالب الظَّن أنَّه تفسَّخ لا يُصلَّى عليه، وإن كان غالب الظَّن أنَّه لم يتفسخ يصلَّى عليه، وإذا شكَّ لا يصلَّى عليه.
وعن أبي يوسف يصلَّى عليه إلى ثلاثة أيَّام وبعدها لا يصلَّى عليه.
ج 6 ص 191
وللشافعية ستة أوجه
أوَّلها إلى ثلاثة أيَّام.
ثانيها إلى شهر كقول أحمد.
ثالثها ما لم يَبْلَ جسده.
رابعها يصلِّي عليه من كان من أهل الصَّلاة يوم موته.
خامسها يصلِّي عليه من كان من أهل فرض الصَّلاة عليه.
سادسها يصلَّى عليه أبدًا، فعلى هذا تجوز الصَّلاة على قبور الصَّحابة ومن قبلهم اليوم. واتَّفقوا على تضعيفه، وممَّن صرَّح به الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي.
فإن قيل في «صحيح البخاري» عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى على قتلى أحد بعد ثمان سنين.
فالجواب ما قاله السَّرخسي في «المبسوط» وغيره أنَّ ذلك محمول على الدُّعاء، ولكنَّه غير سديد؛ لأنَّ الطَّحاوي روى عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلَّى على قتلى أحد صلاته على الميت. والجواب السَّديد أنَّ أجسادهم لم تبلَ حينئذٍ، والله أعلم.
وأمَّا قبور الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام فلا يُصلَّى عليها لخبر «الصحيحين» (( لعن الله اليهود اتَّخذوا قبور أنبياءهم مساجد ) ).