فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 11127

101 -102 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) غير منصرف هو ابن أبي إياس، وقد مر في باب «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ) هو عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني الكوفي، وأصله من أصبهان، خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعري، قال أبو حاتم لا بأس به، وقال أبو بكر بن منجويه توفي في إمارة خالد على العراق، روى له الجماعة إلا النسائي.

وأَصبهان _ بفتح الهمزة وكسرها وبالباء وبالفاء _ وأهل المشرق يقولون أصفهان بالفاء، وأهل المغرب بالباء، وهي مدينة بعراق العجم عظيمة، خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين.

(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ) ؛ بالذال المعجمة وسكون الكاف غير منصرف، وقد مرَّ في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (يُحَدِّثُ) أي حال كونه يحدث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك رضي الله عنه، وقد مر في باب «من الدين الفرار من الفتن» [خ¦19] .

وقد أخرج المؤلف متن الحديث في «العلم» عن بندار أيضًا [خ¦102] ، وفي «الجنائز» [خ¦1249] ، و «الاعتصام» [خ¦7310] ، وأخرجه مسلم في «الأدب» ، والنسائي في «العلم» .

(قَالَ) أي إنه قال (قَالَ النِّسَاءُ) وفي رواية وكلاهما جائز، (للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَنَا) ؛ بفتح الموحدة (عَلَيْكَ الرِّجَالُ) بالرفع فاعل «غلبنا» ، معناه أن الرجال يلازمونك كل الأيام ويسمعون ويتعلمون أمور الدين، ونحن نساء ضعيفات لا نقدر على مزاحمتهم.

(فَاجْعَلْ) أي انظر فعِّينْ (لَنَا يَوْمًا) من الأيام نسمع فيه العلم، ونتعلم أمور الدين، فقوله «يومًا» مفعول الجعل، وهو يستعمل متعديًا إلى مفعول واحد بمعنى فعل، وإلى مفعولين بمعنى صيِّر، لكن المراد هنا لازمه وهو التعيين كما أشرنا إليه، (مِنْ نَفْسِكَ) كلمة «مَن» ابتدائية تتعلق بالجعل؛ أي اجعل جعلًا منشؤه اختيارك يا رسول الله لا اختيارنا، ويحتمل أن يكون صفة لـ «يومًا» بتقدير المضاف؛ أي اجعل لنا يومًا من أيام نفسك التي تتفرغ فيها.

(فَوَعَدَهُنَّ) صلى الله عليه وسلم (يَوْمًا) مفعول ثان «لوعد» (لَقِيَهُنَّ) بفتح اللام وكسر القاف من اللقي، إما بمعنى الرؤية، وإما بمعنى الوصول، وهو صفة «يومًا» ، ويحتمل أن يكون استئنافًا (فِيهِ) أي في ذلك اليوم الموعود، وجملة «وعدهن» عطف على قوله «غلبنا عليك الرجال» لا على قوله «فاجعل» ، حتى يلزم عطف الجملة الخبرية على الإنشائية كذا قالوا.

والظاهر أنها عطف على قوله «قالت النساء» ، لا على مقول القول، والأظهر أن تكون الفاء جوابًا

ج 1 ص 606

لشرط محذوف تقديره إذا سألن تعيين يوم لهن فوعدهن.

(فَوَعَظَهُنَّ) أي فوفَّى بعهدهن ولقيهن فوعظهن بمواعظ، فالفاء فصيحة، ويحتمل أن تكون عاطفة على قوله «لقيهن» ، ووقع في رواية سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه في نحو هذه القصة فقال (( موعدكن بيت فلانة، فأتاهن، فحدثهن ) ).

(وَأَمَرَهُنَّ) بالصدقة أو بأمور دينية، وقال ما قال (فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ) وفي رواية فكلمة «مَن» زائدة للتأكيد، و «امرأة» اسم «ما» ، و «منكن» حال منها تقدمت عليها وقوله (تُقَدِّمُ) على صيغة المضارع المعلوم من التقديم صفة امرأة (ثَلاَثَةً) بالنصب مفعول «تقدم» ، وفي بعض النسخ أي ثلاث نسمة ذكرًا (كان) أو أنثى، فإن الولد أعم (مِنْ وَلَدِها إلَّا كَان) أي التقديم (لَهَا حِجَابًَا) [1] وفي رواية بالرفع على أن «كان» تامة، وفي رواية أي الأنفس التي تقدِّمها، وفي رواية أي الأولاد حجابًا وسترًا.

(مِنَ النَّارِ) والجملة الاستثنائية قائمة مقام خبر «ما» ؛ لأنه استثناء مفرغ معرب على حسب العوامل (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) هي أم سُليم كما عند أحمد والطبراني، أو أم أيمن كما عند الطبراني في «الأوسط» ، أو أم مبشر كما بينه المؤلِّف، فافهم.

(وَاثْنَيْنِ) وفي رواية بتاء التأنيث وهو منصوب عطفًا على ثلاثة، ويسمى بالعطف التلقيني كأنها فهمت الحصر، وطمعت في الفضل فقالت واثنين كما يقال لك سأكرمك فتقول وزيدًا كأنك تطمع إكرام زيد أيضًا، ومنه قوله تعالى {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة 124] كأنه قال بلى، وجاعل بعض ذريتي.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَاثْنَيْنِ) وفي رواية كما تقدم، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الاثنين في ذلك حكم الثلاث، إما لكونه أوحي إليه في الوقت بأن يجيب بذلك، ولا يمتنع أن ينزل الوحي عليه طرفة عين، وإما لكونه أوحي إليه قبله كما قال النووي.

وقال أبو الحسن القابسي وغيره قد أخرج البخاري في كتاب «الرقاق» [خ¦6424] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما يدل على أن الواحد كالاثنين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( يقول الله عز وجل ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة ) )وأيُّ صفيٍّ أعظم من الولد؟

وقد جاء في غير «الصحيح» ما يدل على ذلك

ج 1 ص 607

صريحًا؛ فقد روى الترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من قدَّم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنًا حصينًا من النار ) )، فقال أبو ذر رضي الله عنه قدمتُ اثنين، قال (( واثنين ) )، قال أُبي بن كعب رضي الله عنه قدمت واحدًا، قال (( وواحدًا ) )وقال الترمذي غريب.

(حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) الملقب ببندار، وقد مر في باب «ما كان النبي يتخولهم» [خ¦69] (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم المعجمة وسكون النون وفتح المهملة على المشهور، وبالراء، وهو محمد بن جعفر البصري، وقد ذكر في باب «ظلم دون ظلم» [خ¦32] .

(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالح (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي كما في رواية الأَصيلي (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا) أي بالحديث المذكور قبلُ.

أفاد المؤلف رحمه الله بهذا الإسناد تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية السابقة [خ¦101] ، فهذه الرواية مفسرة للرواية الأولى، وإنما لم يصرح باسمه هناك محافظة على ألفاظ الشيوخ حيث وضعه كما سمعه، وهو من جملة احتياطه رحمه الله.

والفرق بين الروايتين أن الأولى أعلى درجة من الثانية، إذ فيها بين شعبة والبخاري رجل واحد هو آدم، بخلاف الثانية فإن فيها بينهما رجلين هما محمد بن بشار، وغندر، ولذا قدم الأولى.

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ) عطف على قوله «عن عبد الرحمن» ، تقديره حدثني محمد بن بشار، قال حدثنا غندر، قال حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني أنه (قَالَ سَمِعْتُ) فهو موصول، وليس بتعليق كما قال الكرماني، وهذا تعليق من البخاري عن عبد الرحمن فإنه وهم منه، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن [2] بإسنادين.

(أَبَا حَازِمٍ) بالمهملة والزاي، وهو سلمان الأشجعي، الكوفي التابعي، مولى عزة _ بالمهملة المفتوحة وبالزاي المشددة _ الأشجعية، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

قال يحيى بن معين هو كوفي ثقة، روى له الجماعة، وذكر أنه جالس أبا هريرة رضي الله عنه خمس سنين، وربما يشتبه بأبي حازم سلمة بن دينار الزاهد، فإنه تابعي أيضًا.

وقال أبو علي الجياني أبو حازم رجلان تابعيان يرويان عن الصحابة، فالأول الأشجعي اسمه سلمان يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وروى عنه الأعمش، ومنصور، وفضيل بن غزوان، والثاني

ج 1 ص 608

سلمة بن دينار الأعرج، يروي عن سهل بن سعد، روى عنه مالك، والثوري، وابن عيينة، وسليمان بن بلال، توفي سنة خمس وثلاثين ومئة، وثقه أبو حاتم، وهو لم يروِ عن الصحابة إلا عن سهل بن سعد، وأما سلمان؛ فلم يرو في «الصحيحين» إلا عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ؛ أي يروي عنه رضي الله عنه أنه (قَالَ) وفي رواية بالواو عطفًا على محذوف تقديره أنه حدث مثله؛ أي مثل حديث أبي سعيد وقال (ثَلاَثَةً لَمْ يَبْلُغوا الْحِنْثَ) بكسر المهملة وبالمثلثة؛ أي الإثم؛ يعني أنهم ماتوا قبل أن يبلغوا حد التكليف، وسن العقل، فلم يكتب عليهم الآثام، قال الجوهري (يقال بلغ الغلام الحنث؛ أي المعصية والطاعة) ، وقال الصغاني (بلغ الغلام الحنث؛ أي بلغ مبلغًا جرى عليه القلم بالطاعة والمعصية) .

والحنث الزنا أيضًا، والحنث في اليمين، وبمعنى العِدل الكبير الثقيل، وبمعنى الميل من حق إلى باطل، وبالعكس، يقال قد حنثتَ عليَّ أي ملتَ إلى هواك علي، والفرق بين هذه الرواية، وبين الروايتين الأوليين أن الراوي فيهما هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي هذه الرواية هو أبو هريرة رضي الله عنه، وقد زاد التقييد بعدم بلوغ الحنث، ووجه التقييد بذلك أن قلب الوالدين بالأطفال أعلق، وعليهم أرحم وأشفق دون الكبار؛ لأن الغالب عليهم عدم السلامة من مخالفة الوالدين وعقوقهما، بخلاف الصغار، فيكون الحزن عليهم أشد، والمصيبة بهم عند النساء أشق.

ومن فوائد هذا الحديث سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك، وفيما لهن الحاجة إليه، وقد أُخِذ العلم من نساء السلف؛ لحرصهن على حفظه وضبطه، ومنها جواز الوعد، ومنها بيان الأجر للثكلى، ومنها أن أطفال المسلمين في الجنة، فإن الله سبحانه وتعالى إذا أدخل الآباء الجنة بفضل رحمته بالأبناء، فالأبناء أولى بالرحمة.

قال المازري (أما أطفال الأنبياء عليهم السلام؛ فالإجماع منعقدٌ على أنهم في الجنة، وكذا أطفال من سواهم من المؤمنين عند الجمهور، وبعضهم يحكي الإجماع في ذلك، وبعض المتكلمين يقف فيهم، ولم يثبت الإجماع عندهم) . انتهى.

وأما أطفال المشركين فقد قيل أنهم

ج 1 ص 609

في الأعراف، وقيل إنهم خَدَمة أهل الجنة، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

تنبيه اعلم أن الحكم المذكور؛ أعني أن من مات له ولدان، بل ولد واحد، له حجاب من النار لا اختصاص له بالنساء، بل للرجل مثل ما للمرأة إذا قدَّم الولد إلى يوم القيامة، فإن حكم المكلفين على السواء، إلا إذا دل دليل على التخصيص، ولا دليل هنا، بل لنا دليل على التعميم سيأتي في «الجنائز» إن شاء الله تعالى، وقد مر حديث الترمذي رحمه الله تعالى [خ¦101] .

[1] (( من ولدها إلا كان أي التقديم لها حجابًا ) )ليس في (خ) .

[2] (( قوله فإنه وهم منه، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت