639 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى، أبو القاسم القرشي الأوسي (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم الزُّهري المدني نزيل بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف المدني (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، هو ابن عبد الرحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجالُ هذا الإسناد كلُّهم مدنيون، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في كتاب الغسل، في باب «إذا ذَكَر في المسجد أنَّه جنب يخرج كما هو ولا يتيمَّم» [خ¦275] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ) أي من الحجرة الشريفة (وَ) الحال أنه (قَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) قال الحافظ العسقلاني يحتمل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدَّمت خروجه، وهو ظاهر في الرواية الَّتي في الباب الذي بعده، لتعقيب الإقامة بالتَّسوية، وتعقيب التَّسوية بخروجه جميعًا بالفاء [خ¦640] .
وتعقَّبه محمود العيني بأن ليس فيه الاحتمالان اللَّذان ذكرهما، بل معنى الحديثين سواء؛ لأنَّ الجملتين أعني قوله «وقد أقيمت الصلاة» وما يليه وقعتا حالين، والمعنى أنَّه خرج والحال أنَّهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصُّفوف، وكذلك معنى الحديث الثاني؛ لأن «الفاء» فيه ليست للتَّعقيب كما ظنَّه هذا القائل، وإنما هذه «الفاء» تسمَّى فاء الحال، والمعنى حال إقامة الصلاة، وتعديل الصُّفوف خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
ج 4 ص 94
وهذا مُنتَحل من كلام الحافظ العسقلاني حيث قال بعدما ذكر الاحتمالين المذكورين ويحتمل أن يجمعَ بين الرِّوايتين بأن الجملتين وقعتا حالين؛ أي خرج والحال أنَّ الصلاة أقيمت، والصُّفوف عدِّلت، هذا فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
وقال الكرماني ما حاصله «أنَّ» قد تُقرِّب الماضي من الحال، فكأنَّه خرج في حال الإقامة، وفي حال التَّعديل، فلا يَرِدُ أن يقال إنَّ السنة أن تكون الإقامة بنظر الإمام فلم أقيمت قبل خروجه؟
وقد تقدَّم حديث (( لا تقوموا حتَّى تروني ) )فَلِمَ عُدِّلت الصُّفوف قبل ذلك؟ ويحتملُ أن يكون علموا بالقرائن خروجَه أو أَذِنَ له في الإقامة ولهم في القيام، وقد تقدَّم احتمال أن يكون ذلك سببًا للنَّهي، وقد تقدَّم أيضًا الجمع بينه وبين حديث النَّهي [خ¦638] .
(وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) أي سُوِّيت (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَا) جملة حالية (أَنْ يُكَبِّرَ) أي تكبيرة، (انْصَرَفَ) إلى الحجرة، وهو جواب «إذا» ، وفي رواية مسلم (( قبل أن يكبر انصرف ) )وفيه دليل على أنَّه انصرف قبل أن يدخلَ في الصلاة.
فإن قيل يعارضه ما رواه أبو داود وابن حبَّان عن أبي بكرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثمَّ أومأ إليهم.
وما رواه مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصَّلوات ثم أشار بيده أن امكثوا.
فالجواب أنه يُحمل قوله كبَّر، على أرادَ أن يُكبِّر، أو أنهما واقعتان، أَبْدَاهُ القاضي عياض والقرطبي احتمالًا. وقال النَّووي إنه الأظهر وجزم به ابن حبَّان كعادته، فإن ثبتَ وإلَّا فما في الصَّحيح أصح، ودعوى ابن بطَّال أنَّ الشافعي احتجَّ بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام فناقضَ أصله، فاحتجَّ بالمرسل، متعقَّبة بأن الشَّافعي لا يردُّ المراسيل مطلقًا، بل يحتج منها بما يعتضد والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكر.
(قَالَ) استئناف أو حال، وفي رواية (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي كونوا واثبتوا على مكانكم وتوقَّفوا والزموا موضعكم (فَمَكَثْنَا) من المكث، وهو اللَّبث (عَلَى هِيْنَتِنَا) بكسر الهاء وسكون التحتية وفتح النون من غير همز، الرِّفقُ، هذا في رواية الكُشمِيهني، وفي رواية غيره بفتح الهاء وسكون التحتية وفتح الهمزة؛ أي على الهيئة والصُّورة التي كنا عليها وهو قيامهم في الصُّفوف المعدَّلة، والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره في قوله على مكانكم، وهذه الرِّواية أوجه وأصوب من الرِّواية الأولى كما لا يخفى.
ج 4 ص 95
(حَتَّى خَرَجَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيْنَا) من الحجرة المطهَّرة حال كونه (يَنْطِفُ) بكسر الطاء المهملة وضمها؛ أي يقطر، كما صرَّح في الرواية الَّتي بعد هذه (رَأْسَهُ مَاءً) نصب على التَّمييز بمعنى الفاعل؛ أي ماء رأسه (وَ) الحال أنه (قَدِ اغْتَسَلَ) ، وزاد الدَّارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة فقال (( إني كنتُ جنبًا فنسيتُ أن أغتسل ) ).
وممَّا يُستفاد من هذا الحديث جواز النِّسيان على الأنبياء عليهم السلام في أمر العبادة للتَّشريع، وطهارة الماء المستعمل، وانتظار الجماعة لإمامهم قيامًا عند الضرورة، وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة ما دام في سعة من الوقت، وجواز الفصل بين الإقامة والصَّلاة؛ لأنَّ قوله في الرواية الآتية (( فصلى بهم ) ) [خ¦640] ظاهر في أنَّ الإقامة لم تُعَد، والظَّاهر أنه مقيَّد بالضَّرورة وبأمن خروج الوقت.
وعن مالك إذا بَعُدت الإقامة من الإحرام تُعاد، وينبغي أن يُحمل على ما إذا لم يكن عذر، ومنه أيضًا أنه لا حياء في أمر الدِّين، وسبيلُ مَن غلب عليه الحياء أن يأتي بعذر مُوهمٍ كأن يمسك بأنفه ليوهم أنَّه رعف.
ومنه أيضًا جواز الكلام بين الإقامة والصلاة، وجواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
ومنه أيضًا أنَّه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم.
تنبيه وقع في بعض النسخ هنا أي البخاري أي البخاري للإحرام حال كونهم وفي بعض النسخ وقع هذا في سياق حديث الباب الآتي.