حديث: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى
…68 - (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَتِ(1) ابْنَةُ (2) النَّبِيِّ صلعم (3) ... ) (4) الحديث. [خ¦1284]
…ظاهر الحديث يدلُّ على جواز بكاء الرحمة، وهو أيضًا دالٌّ عليها، والكلام عليه (5) من وجوه:
…منها: استحضار ذوي الفضل عند معالجة الموت، يُؤخَذُ ذلك من توجيه ابنته صلعم ليحضر (6) صلعم موت ابنها، وهو ? في وقته وفي كلِّ وقت أفضل العباد.
…وفيه دليلٌ على مراجعة صاحب المصيبة بالتصبُّر والتعزِّي. يُؤخَذُ ذلك من مراجعة النَّبي صلعم لها ? وقوله ?: «فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ»
…وفيه دليل على جواز الكناية عن الشيء بما يدلُّ عليه. يُؤخَذُ ذلك من قولها ?: (إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ) وهو في قيد الحياة بعدُ (7) ، لكن لمَّا (8) كان يعالِجُ (9) سكرات الموت كَنَتْ عنه بالموت.
…وفيه دليلٌ على أنَّ من السنَّة أن يُخبَر (10) الذي يُسْتَدعى لماذا يُراد؟ يُؤخَذُ ذلك من قولها: (إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَائْتِنا) ، لأنَّها لم تطلب منه ? الإتيان (11) إلَّا بعد ما أخبرته بموت ابنها.
…وفيه دليلٌ على جواز القسم على الأفضل (12) ، ويكون من باب الرغبة لا من باب الحلف واليمين. يُؤخَذُ ذلك من قوله: (تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا(13 ) ) .
…وهنا بحثٌ: هل كان مشيه ? في ثاني مرة من / أجل القسم، أو من أجل غيره، أو من أجله ومن أجل غيره معًا (14) ؟ وكيف امتنع ? أوّلًا من المشي مع ما طُبِع عليه (15) من حسن الشيم والرحمة (16) للأباعد؟ فكيف للأقارب (17) ؟
…فأمَّا (18) سبب امتناعه ? أوَّلًا فلوجهين:
… (أحدُهما) : ما (19) يبين أنَّ هذه الدعوة ليست ممَّا هي واجبة الإجابة (20) بخلاف دعوة النكاح.
…و (الثاني) : من أجل ممكن أن يتعلَّق قلبها لمكانته ? عند الله تعالى (21) أنَّه يدفع عن الطفل شيئًا فأخبرها ? أنَّ هذا أمرٌ ما لأحد فيه حيلة. يُؤخَذُ ذلك من قوله ?: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» ، وهذا من المؤخَّر في اللفظ، المقدَّم في المعنى، كأنَّه ? يقول: ما أعطاكِ الله من الولد فهو له، وأَخْذِه أيضًا هو (22) له، فإنَّه لم يأخذ حتَّى أعطى، فلمَّا لم يكن في المعنى إلباس جاز التقديم والتأخير، كمَا قال ? في كتابه العزيز: {الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى. فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى:4 - 5] .
…ولا يكون غُثَاء حتَّى يكون أحوى، والغثاء هو اليابس، فلمَّا عُلِمَ أنَّه لا يكون يابسًا حتَّى يكون أخضرًا (23) ، جاز التقديم لعدم الإلباس، وهذا في لسان العرب من الفصيح، ثمَّ أخبرها بحكم الله عليها في ذلك وهو الصبر والاحتساب (24) .
…ويُذْكَر (25) أنَّ بعض (26) العلماء كانت له زوجة يحبُّها فلمَّا ماتت وَجَد عليها حتَّى احتجب عن الناس، وكان الناس محتاجين (27) إليه لعلمه وفضله فتأتيه المسائل فيدخل بها الخديم، ويخرج بالجواب عليها، فلمَّا طال ذلك به بلغ إحدى (28) المتعبِّدات حالُه فأتت الباب (29) وقالت للخديم: لي (30) ضرورة (31) ولا يمكن الكلام معه إلَّا (32) مشافهةً، فأبى الخديم من الدخول بها إليه، / فذهب الناس وبقيت المرأة لم تَبْرَحْ من مكانها، فطمع الخديم أن يصرفها عن (33) الباب فلم تفعل، وزعمت (34) أنَّها لا بدَّ لها من رؤيته.
…فلمَّا طال جلوسها أخبر الخديم الشيخ بأمرها فأذن لها في الدخول، (35) فقالت: يا سيِّدي إنَّ جيرانًا لي استعرت منهم حليًّا أن أحضر به عرسًا فأعاروه لي، ثمَّ تركوه لي بعدُ زمانًا أتزيَّنُ به ثمَّ الآن قد طلبوه، ونفسي تأبى ردَّه فقال لها: لا يحلُّ لك حبسُه، فإنَّه عارِيَّة والعارِيَّة مؤدَّاة، حكمٌ من الله ? ورسوله صلعم، قالت: يا سيِّدي كان عن يوم وتركوه عندي (36) سنين، فقال: أحقُّ وأجدر أن تسارعي في ردِّه؛ لأنَّهم زادوك على المعروف معروفًا، فرامت به أن يفسح لها في ذلك في (37) شيء وهو يغلظ عليها، فقالت له (38) : يا سيِّدي أوليس زوجتك أنت من جملة ما استعاركها الله وأخذ متاعه؟ فحزنك أنتَ واحتجابكَ عن الناس ممَّاذا (39) ؟ فارتجع إلى نفسه، وشكر ذلك لها (40) وخرج من حينه.
…فكان جلوسُه (41) صلعم أوَّلًا لِيُقَعِّدَ الأحكام الشرعية مع القريب ومع البعيد (42) على حدٍّ سواء، وأمَّا مشيُه ? في ثاني مرَّة فإبرارٌ للقسم (43) وشفقة ورحمة كما جُبِل عليها وجَبْرٌ (44) لخاطرها لمَّا أمن التوقع الأول، وفي هذا دليل لأهل الطريق الذين يقولون بجبر (45) القلوب.
…وفيه دليلٌ على أنَّ الأجل لا يزيد ولا ينقص لقوله ?: «بِأَجَلٍ مُسَمًّى» / وهنا إشارة وهي أنَّ أهل الفضل لا يقطع الإياس من فضلهم وإن ردُّوا، يُؤخَذُ ذلك من ردِّها الرسول ثانية بعدما امتنع ? من المشي أوَّلًا هذا طمع في فضل مخلوق فكيف في فضل من ليس كمثله شيء؟
…ولذلك جاء عنه جلَّ جلالُه أنَّه يدعوه العبد المذنب فيعرض الله عنه، ويدعوه فيعرض الله عنه، فيدعوه (46) فيقول جلَّ جلالُه: «مَلَائِكَتِي أَمَا تَرَونَ عَبْدِي؟ يَعْلَمُ أَنَّه ليسَ لهُ مَنْ يَدْعُو غَيْرِي، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي (47) غَفَرْتُ لَهُ، وَقَبِلْتُ (48) دُعَاءَه» .
…وقوله: (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلعم وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ) فيه من الفقه جواز المشي إلى المآتم بغير إذن بخلاف الوليمة، يُؤخَذُ ذلك من مشي هؤلاء معه صلعم ولم يستدعهم ولا استأذنوا هم أيضًا (49) .
…وفيه دليلٌ على تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم (50) له صلعم، يُؤخَذُ ذلك من كونه لمَّا قام هو (51) صلعم قام معه من كان (52) هناك تعظيمًا له ?.
…ويُؤخَذُ منه أنَّه لا يسمَّى من الجمع (53) إلَّا أعيانه، وذلك من الاختصار والإبلاغ في الفصاحة، يُؤخَذُ ذلك من كونه سَمَّى الأربعة لمكانتهم وأجمل الباقي (54) بلفظ: (رِجَالٌ) .
…وقوله: (وَرُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلعم) الرفع (55) هنا احتمل معنيين:
… (أحدهما) : أن يكون (56) بمعنى كشف له عنه كقوله / ?: «وَرُفِعَ ليَ البَيْتُ الْمَعْمُورُ» أي: أُظهِرَ (57) لي. و (الثاني) : أن يكون بمعنى وُضِع في حِجْره، ومن (58) قولهم: رفعت زيدًا إلى الفراش أي: جعلته عليه، واحتملا معًا (59) .
…وقوله: (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ(60) كَأَنَّهَا شَنٌّ) الشَّنُّ هو الزِّقُّ البالي إذا بَلِيَ يتقشَّر (61) ويتشقَّق فمن يأخذه يجد له صوتًا من كل نواحيه فشبه ذلك السِّياق الذي كان يسوق (62) الصبيَّ لشدَّته وكثرته بصوت هذه (63) القِرَب البوالي التي (64) لا ينفصل عنها ذلك الحال (65) .
…وفيه دليلٌ على أنَّ شدَّة الموت وخفَّته ليس فيه علامة على السعادة ولا على الشقاوة، يُؤخَذُ ذلك من كون هذا الطفل (66) لا تكليف عليه وهو يشدَّد (67) عليه، بل هذه حكمة استأثر بها الله تعالى، وقد قال صلعم في موت الفجاة: «إنها (68) تعجيلٌ لأحد الدارين» وقد قال (69) ?: «أنَّ المؤمنَ تَبْقَى له مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، فَيُشَدَّدُ عليهِ الموتُ حَتَّى يبلغَ تلكَ المنزلةِ (70) » .
…وقوله: (وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) يريد: عينا رسول الله صلعم بدموعه (71) المباركة بغير صوت وتلك الدمعة هي دمعة الرحمة كما أخبر هو (72) صلعم.
…وقوله: (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟) هنا من الفقه وجوه:
…منها: أنَّ من أدب الدين أن يكون كبير القوم هو الذي يستفتح الكلام أوَّلًا، يُؤخَذُ ذلك من أنَّ هذا لمكانته (73) في الصحابة ? وعنهم هو الذي ابتدأ الكلام (74) ، والكلُّ رأوا ما رأى هو فالتزموا الأدب بعضهم مع بعض وهو المعلوم / منهم أن يتكلم الذي هو أولى (75) أولًا.
…ومنها: أنَّ الأدب مطلوبٌ في السؤال، يُؤخَذُ ذلك من قول سعد: (مَا هَذَا؟) سؤال إرشاد لا إنكار، ويُؤخَذُ منه أنَّ الأدب مع الأكابر أن يقدَّم (76) ذكر أسمائهم أول الكلام، يُؤخَذُ ذلك من قوله: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟) فقدَّم اسمه ? أوَّلًا، ويُؤخَذُ منه أنَّ من حسن السؤال الإيجاز فيه، يُؤخَذُ ذلك من قوله: (مَا هَذَا؟) سؤال استرشاد (77) ولم يزد على ذلك شيئًا.
…وقوله صلعم: (هَذِهِ) يعني الدمعة؛ لأنَّها خرجت بغير صوت.
…وقوله ?: (رَحْمَةٌ(78) جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ) هنا من الفقه أنَّ الذي تكلَّم الناس فيه في شأن الدموع وما يوجبُها (79) أنَّه باطلٌ؛ لأنَّهم ذكروا فيها (80) نحو الخمسة أو الستة أقاويل، أو ما (81) يقرب من ذلك، فمِمَّا (82) استحسن منها أنَّه (83) : عَرَق القلب من خجل الذنوب وبه يطرِّزون تلك الأقاويل، وقد أخبر هنا الصادق ? (أنَّها خَلْقٌ من خَلْقِ الله استودعها قلوب عباده الرحماء) (84) .
…وقوله ?: «إِنَّمَا (85) يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (86) دلَّ بهذا أنَّ هذه الدموع صادرةٌ عن الرحمة التي في قلوب (87) الذين جعلت الرحمة في قلوبهم، فكما الفهم في العلوم صادرة عن (88) النُّور الذي في قلوب العلماء، فكذلك هذه الدمعة صادرة عن المرحومين الذين جُعِلت الرحمة في قلوبهم حكمة حكيم.
…وقوله ?: (فَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) هذا اللفظ محتمِل معنيين: (أحدُهما) : أن يكون على ظاهره وهو منع / الرحمة ممَّا سوى الراحمين (89) فتكون (90) (إنَّما) على بابها لحصر الحكم في (91) المذكور ونفيه عن غيره، و (احتُمِل) أن تكون بمعنى (92) ثبوت الحكم المذكور ولا ينتفي عن غيره (93) كقولهم (94) : إنَّما الجميل يوسف أثبتوا له الجمال ولم ينفوه عن غيره، وقد تكون (95) بمعنى الاستحقاق لهم بما فيهم من الأهليَّة كمعنى قوله (96) تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ (97) اللهِ} [البقرة:218] أي: يحقُّ لهم الرجاء لما وعدوا، والآخرون يرجون لكن على غير سبب، احتمل الوجهين معًا.
…والأظهر أنَّها لتخصيص الحكم بالمذكورين ولا ينفي (98) ذلك عن غيرهم بدليل أنَّه قد جاء: «إنَّ للهِ نَفَحَاتٌ مِنَ الرَّحْمَةِ يُصِيْبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ممَّنْ فيه رحمةٌ وغيره» ، وقد جاء: «أنَّه تشفعُ الرُّسلُ والأنبياءُ والملائكةُ ‰ والعُلَمَاءُ والصَّالِحُونَ، ثمَّ يقولُ ?: شَفَعَتِ الأنبياءُ، شَفَعَتِ الملائِكةُ، شفعَتِ (99) الصالحونَ، وبقيتْ (100) شفاعةُ أرحمِ الراحمينَ، فيخرج منَ النَّارِ قبضة ممَّنْ قَدْ حَبَسَهُمُ القرآنُ» .
…اللَّهُمَّ إلَّا إنْ جعلنا هذه الرحمة بمعنى الإيمان، ويكون المراد به الإيمان الكامل فهؤلاء هم أهل الرحمة حقيقة فيكون (101) فيه دليلٌ على (102) أنَّ هذه الرحمة لا يُخَصُّ بها إلَّا أهل الإيمان المذكورين وهي (103) سبب الخشوع، وقد أثنى ? عليهم (104) في كتابه حيث قال: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2] فتكون على بابها لتعلُّق الحكم بالمذكورين / ونفيها عن غيرهم ممَّن خالف الإيمان على عمومه لا على خصوصه إلَّا (105) في إيجاب الرحمة لهم لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] .
…وهنا بحثٌ: وهو أنَّه يعارضنا في حديث غير هذا قوله ? (106) : «إذا استكملَ نفاقُ المرءِ كانَتْ عَيْنَاهُ بحكمِ يده يُرْسِلُهُمَا (107) مَتَى شَاءَ» فهل بينهما فرق أم لا؟
…فالجواب: أمَّا الظاهر فالتعارض فيه موجود؛ لأنَّ هذه دمعةٌ خارجةٌ مِن (108) عالم الحسِّ وهذه مثلها، وإذا نظرنا إلى الشروط بان الحقُّ وظهر، ولم يبقَ بينهما تعارض.
…والشرط الذي بينهما أنَّ التي هي صادرة عن استكمال النِّفاق يكون خروجها باختيار النفس بغير موجب.
…وقد يمسكها عند الموجب كما يشاهد هذا (109) الناس على مرور الزمان من هؤلاء الغرباء الذين يقعدون (110) ويطلبون الناس ويصفون عن أنفسهم أنَّهم كانوا وكانوا، وذلك (111) كلُّه كذبٌ يَعْلَمُ ذلك منهم من يعرفهم أصلًا وفرعًا، فإذا جاءوا عند مُعَظِّمِ وصفِهم ذلك (112) الكذب يبكون وتجري الدموع من أعينهم مثل القطر يظنُّ الرائي لهم أنَّ ذلك حقٌّ فتشفق النفوس لهم ويُتصَدَّق (113) عليهم، وهذا مرويٌّ (114) عنهم كثيرًا (115) ولو لم يكن في هذا إلَّا الكتاب الذي ينسب إلى بني ساسان ووصف أحوالهم لكان كافيًا فكيف (116) والناس يرون ذلك منهم معاينة؟
…وأمَّا الدمعة التي هي كما أخبر الصادق ? فتخرج كما خرجت / منه صلعم وذلك عند الموجب مثل (117) تذكار الموت أو الشفقة مثل مارأى ? من تلك النسمة وما كانت تعالج من سكرات الموت مع صغرها، أو من خشية من الله ?، أو ما يكون مثل ذلك من فكرة فيه كما روي عنه صلعم (أنَّه دخل يومًا على فاطمة ? وهي تبكي(118) بكاءً كثيرًا فسألها صلعم فقالت في معنى كلامها: أنَّه ما أبكاها شيء إلَّا فكرها في القبر وما فيه)، فهذا كلُّه نوع واحد يقتضيه حقيقة الإيمان الكامل.
…وممَّا يدلُّ على أنَّه إنَّما عنى هو (119) صلعم النوع لا الجنس بقوله: (هَذِه) وأشار إلى الدمعة كونه ? قسم الإيمان (120) في غير هذا الحديث على قسمين (121) فقال: «الإيمانُ إيمانانِ: إيمانٌ لا يَدخلُ صاحِبُهُ النَّارَ _وهو الإيمانُ معَ (122) الأمرِ والنهي وهو الإيمانُ الكامل (123) _ وإيمانٌ لا يُخَلَّدُ (124) صَاحِبُهُ في النَّارِ، وهو الإيمانُ (125) الذي معه بعض المعاصي» .
…وممَّا يقوِّي ذلك أنَّ المتكلِّم وهو سعد ومن كان حاضرًا معه (126) لم تدمع لأحد منهم عين إلَّا عينه صلعم وذلك لكمال (127) الإيمان هناك؛ لأنَّه ? بالإجماع أكمل الناس إيمانًا، ولذلك قال عند موت ابنه إبراهيم: «تدمعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القلبُ، ولا نقولُ مَا يُسْخِطُ الربَّ» لأنَّ الدمع والحزن هما عند الموجبات من الإيمان كما أنَّ ترك ما يسخط الربَّ من الإيمان أيضًا (128) .
…وفيه دليلٌ لأهل الطريق (129) في كثرة بكائهم؛ لأنَّ النَّبي صلعم / قد جعل ذلك عَلَمًا على الرَّحمة التي في القلوب، وقد روي عن بعضهم أنَّه كان كثير (130) البكاء فرمدت عيناه فأتوا له بالطبيب (131) فقال (132) له: نداويك على شرط (133) أنَّك لا تبكي مادام بعينيك رمدٌ، فقال ?: وأيُّ فائدة في عين لا يُبكَى (134) بها؟ والله لا ألتزم هذا الشرط ولا حاجة لي بدوائكم، بل أموت في البكاء، وهل راحة الشجيِّ إلَّا في أدمعه؟!
…وفائدةُ هذا الحديث (135) هي تذكار هذا (136) الأمر العظيم الحتم (137) الذي لا هربَ لأحد منه، والأخذ (138) في الاستعداد لذلك قبل هجومه إذ وهذا السيِّدُ عليه أفضل الصلاة (139) والسلام لا يقدر في دفع هذا الأمر عن أحد من أهله ولا عن نفسه المكرَّمة فما بالك بالغير؟ تصديقًا (140) لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185] . وقد قال بعض الحكماء في شعر له (141) :
ولو (142) كانتِ الدُّنيا تدومُ لأهلها…لكانَ رَسُولُ اللهِ حيًّا وباقيًا
فحسبُكَ [يا هذا] إذا كنت عاقلًا…مَقيلٌ (143) وكن فيها (144) لزادك واعيًا
واحذر هجمات الحِمام بلا زاد…ويدك (145) مِن التقوى خالية (146)
وكن عبدًا مطيعًا، فالحِمام…لا بُدَّ لك (147) مفاجيًا (148)
[1] في (ج) و (م) و (ل) : (( الموجود .. قوله أرسلت ) ).
[2] في (ج) و (م) : (( بنت ) ).
[3] زاد في (ج) و (م) و (ل) : (( تسأله ) ).
[4] لم يذكر في (ج) و (م) و (ل) راوي الحديث وابتدأ بقوله: (( قوله: أرسلت ) )، ثم زاد في النسخ المذكورة كلمة: (( تسأله ) )في هذا الموضع، وقد ذكر في حاشية (ل) تتمة الحديث: (( إنَّ ابنًا قُبض فأتنا فأرسل يقرأ السلام ويقول إنا لله ما أخذ وله ما أعطا وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع إلى رسول الله صلعم الصبي ونفسه تتقعقع قال حسبت أنه قال كأنها شنٌّ وفاضت عيناه، فقال سعد: يارسول الله ماهذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء ) ).
[5] قوله: (( عليه ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[6] قوله: (( ليحضر ) )ليس في (ج) .
[7] في (ج) : (( بقدر ) ).
[8] في (م) و (ل) : (( لما ) ).
[9] في (ج) : (( لما كان معالج ) ).
[10] في (ج) : (( نخبر ) ).
[11] في (ج) : (( الإتيان ? ) ).
[12] في (ج) و (م) : (( الفاضل ) ).
[13] في (ج) : (( ليأتيها ) ).
[14] قوله: (( أو من أجل غيره أو من أجله ومن أجل غيره معًا ) )ليس في (ط) و (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[15] زاد في (ج) : (( السلام ) ).
[16] في (ج) و (م) و (ل) : (( الرحمة ) ).
[17] في (م) : (( الأقارب ) ).
[18] في (ج) و (م) و (ل) : (( أما ) ).
[19] في (ج) (م) و (ل) : (( أن ) ).
[20] قوله: (( الإجابة ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[21] قوله: (( عند الله تعالى ) )ليس في (ج) .
[22] في (ج) : (( فهو ) ).
[23] في (ج) و (ل) : (( أخضر ) ).
[24] زاد في (ج) و (م) و (ل) : (( ويذكر ) ).
[25] في المطبوع: (( وروى مالك في موطئه ) ).
[26] زاد (ل) : (( عن بعض ) ).
[27] زاد (ل) : (( محتاجون ) ).
[28] في النسخ: (( أحد ) )ولعل المثبت هو الصواب وهو مطابق للمطبوع.
[29] في (م) : (( للباب ) ).
[30] زاد في (ج) و (م) و (ل) : (( إليه ) ).
[31] في (ج) صورتها: (( ضاجووره ) )ولعله تصحيف.
[32] في (ج) : (( إلا معه ) ).
[33] في (م) : (( من ) ).
[34] في (م) و (ل) : (( وعزمت ) ).
[35] قوله: (( الدخول ) )ليس في (ج) .
[36] قوله: (( عندي ) )ليس في (م) .
[37] قوله: (( في ) )ليس في (م) .
[38] قوله: (( له ) )ليس في (ج) .
[39] زاد (ل) : (( فماذا ) ).
[40] في (م) : (( لها ذلك ) ).
[41] في (ج) و (م) و (ل) : (( جلوس النَّبي ) ).
[42] في (ج) : (( مع القرب والبعد ) ).
[43] في (م) و (ل) : (( القسم ) ).
[44] في (م) : (( وجبل ) ).
[45] في (ج) : (( يحيي ) ).
[46] العبارة في (ج) و (م) و (ل) : (( المذنب فيعرض عنه ثمَّ يدعوه فيعرض عنه ثمَّ يدعوه ) ).
[47] زاد في (ج) و (م) و (ل) : (( قد ) ).
[48] في (م) : (( وأجبت ) ).
[49] في (ج) و (م) و (ل) : (( ولا هم أيضًا استأذنوا ) ).
[50] في (ج) : (( ? ) ).
[51] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) .
[52] زاد في (ج) : (( معه ) ).
[53] في (م) : (( الجميع ) ).
[54] في (م) : (( الباقين ) ).
[55] في (ل) : (( الرفوع ) ).
[56] قوله: (( يكون ) )ليس في (ط) ، وقوله: (( أحدهما أن يكون ) )ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[57] في (م) : (( ظهر ) ).
[58] في (ج) و (م) و (ل) : (( من ) )بلا واو.
[59] في (م) : (( معان ) ).
[60] في (ج) و (م) و (ل) : (( تقعقع ) ).
[61] في (م) : (( يتقشقر ) ).
[62] في (ج) و (م) و (ل) : (( يسوقه ) ).
[63] في (م) : (( هذا ) ).
[64] في (ط) : (( الذي ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[65] قوله: (( الحال ) )ليس في (ج) .
[66] في (ج) و (م) و (ل) : (( طفل ) ).
[67] في (ج) : (( شدة ) ).
[68] في (ل) : (( وأنها ) ).
[69] في (ج) و (م) و (ل) : (( أخبر ) ).
[70] قوله: (( حتى يبلغ تلك المنزلة ) )ليس في (م) .
[71] في (ج) : (( دموعه ) ).
[72] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) .
[73] في (ج) : (( المكاتبة ) ).
[74] في (ج) : (( بالكلام ) ).
[75] قوله: (( أولى ) )ليس في (ج) .
[76] في (ج) : (( تقدم ) ).
[77] في (ط) و (ل) : (( إرشاد ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[78] قوله: (( رحمة ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .
[79] في (ج) و (م) و (ل) : (( موجبها ) ).
[80] في (ج) : (( منها ) ).
[81] في (م) : (( وما ) ).
[82] في (ج) : (( فمنها ) )، وفي (م) : (( فمتى ) ).
[83] في (ل) : (( أنه ) )مكرر.
[84] قوله: (( الرحماء ) )ليس في (ج) و (م) .
[85] في (م) و (ل) : (( فإنَّما ) ).
[86] قوله: (( وقوله ?: إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[87] زاد في (ج) و (م) : (( المؤمنين ) ).
[88] في (ج) : (( صادر على ) )، وفي (م) و (ل) : (( صادر عن ) ).
[89] في (ط) و (ل) : (( المرحومين ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[90] في (م) : (( فيكون ) ).
[91] قوله: (( في ) )ليس في (ج) .
[92] في (م) : (( معنى ) ).
[93] قوله: (( واحتمل أن تكون بمعنى ثبوت الحكم المذكور ولا ينتفي عن غيره ) )ليس في (ط) . وقوله: (( ونفيه عن غيره، واحتمل أن تكون بمعنى ثبوت الحكم المذكور ولا ينتفي عن غيره ) )ليس في (ج) . والمثبت من النسخ الأخرى.
[94] في (ج) : (( كقوله ) ).
[95] في (ج) : (( يكون ) ).
[96] في (م) : (( الأهلية كقوله ) ).
[97] في (م) : (( رحمة ) ).
[98] في (م) و (ل) : (( ينتفي ) ).
[99] في (ج) و (ل) : (( شفع ) ).
[100] في (ج) : (( وبقي ) ).
[101] في (م) : (( فيكون حقيقة ) ).
[102] قوله: (( فيه دليل على ) )ليس في (م) .
[103] في (ج) : (( وهو ) ).
[104] في (ط) : (( عليه ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[105] قوله: (( إلا ) )ليس في (م) و (ل) .
[106] في (ج) و (م) و (ل) : (( يعارضنا قوله ? في حديث غير هذا ) ).
[107] في (ج) : (( يرسلها ) ).
[108] في (ج) و (م) : (( في ) ).
[109] قوله: (( هذا ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .
[110] زاد في (ج) : (( الخلق ) )، وفي (م) و (ل) : (( يعقدون الحلق ) ).
[111] في (ج) : (( وكذلك ) ).
[112] في (م) و (ل) : (( لذلك ) ).
[113] في (ج) و (م) و (ل) : (( فيتصدق ) ).
[114] في (م) : (( يروى ) ).
[115] في (ج) : (( كثير ) ).
[116] قوله: (( فكيف ) )ليس في (م) .
[117] قوله: (( مثل ) )ليس في (ج) .
[118] قوله: (( تبكي ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[119] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) ، وفي (ل) : (( ومما يدل عليه أنه عنى ) ).
[120] في (ج) و (ل) : (( كونه ? قسم الإيمان ) ).
[121] في (ج) : (( الحديث إيمان ) ).
[122] زاد في (ج) : (( الإيمان اتباع ) )، وزاد في (م) : (( اتباع ) ).
[123] في (ج) : (( وهو على قسمين الكامل ) ).
[124] في (ج) : (( يدخل ) ).
[125] قوله: (( الإيمان ) )ليس في (ج) و (م) .
[126] في (ل) : (( كان معه حاضرًا ) ).
[127] في (ل) : (( إكمال ) ).
[128] قوله: (( ومما يقوي ذلك أن المتكلم ... من الإيمان أيضا ) )ليس في (ج) و (م) .
[129] في (ج) و (م) و (ل) : (( الصوفة ) ).
[130] في (م) : (( يكثر ) ).
[131] في (ج) و (م) : (( بالطبيب ) ).
[132] في (م) : (( فقالوا ) ).
[133] في (م) : (( نداويك بشرط ) ).
[134] في (م) و (ل) : (( يُبكى ) ).
[135] زاد في (م) و (ل) : (( هي ) ).
[136] قوله: (( هذا ) )ليس في (م) .
[137] في (م) : (( الجسيم ) ).
[138] في (ج) : (( والأصل ) ).
[139] قوله: (( الصلاة ) )ليس في (ج) .
[140] في (ج) : (( قصد ) )، وفي (م) و (ل) : (( وهذا تصديق ) ).
[141] في (ج) : (( في شعرا ) ).
[142] في (م) و (ل) : (( لو ) )بلا واو.
[143] في (ج) و (ل) : (( مقبل ) ).
[144] قوله: (( فيها ) )ليس في (م) و (ل) .
[145] في (ج) : (( ويديك ) )، وفي (م) : (( ويداك ) ).
[146] في (ط) و (م) : (( خاليا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[147] قوله: (( لك ) )ليس في (م) .
[148] في (ج) و (ل) : (( مفاجئ ) )، وقوله: (( لك ) )ليس في (م) .
ــــــــــــــــــــــ
69 - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ [1] :كَانَ النَّبِيُّ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى [3] صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ [4] ) الحديثَ. [خ¦1386]
ظاهرُ الحديثِ يدلُّ على دوامِ سؤالِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم للصحابةِ رضي الله عنهم إثرَ الصلاةِ عَنْ مَنْ رأى منهمْ رؤيا، وعلى دوامِ تعبيرها [5] لهم، وأنَّه صلى الله عليه وسلم أخبرهم في هذا اليوم الذي لم يرَ أحدٌ منهم ما [6] رأى هو [7] عليهِ الصلاةُ
ج 2 ص 139
والسلامُ في نومِهِ، والكلامُ عليهِ مِنْ وجوهٍ:
منها قَولُهُ: (صَلاَةً) هل المراد بها العمومُ وهي الخَمسُ [8] أو واحدةٌ منها وهي الصبحُ؟ وما الحكمةُ في دوامِه عَلَيْهِ السَّلَامُ على ذلكَ؟ ولِمَ أخبرهمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بهذه الرؤيا؟.
فَالجَوابُ: أنَّ الظاهرَ [9] مِنْ قَولِهِ: (صَلاَةً) أنَّها [10] صلاةُ الصبحِ، بدليلِ قَولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ ) )فهذا ما يكونُ إلا إثرَ صلاةِ الصبحِ.
وفيهِ مِنَ الفقهِ جوازُ جلوسِ الإمامِ في مُصَلَّاهُ إذا أدارَ وجهَه إلى الجماعةِ، وأنَّ ذلكَ يقومُ [11] مقامَ القيامِ، وأنَّ ذلك [12] هو السُّنَّةُ ردًّا على مَن يقولُ: إنَّه لابدَّ أنْ يقومَ مِنْ موضعِه [13] ، حتى إنَّ بعضَ مَن يُنسَبُ إلى التشديدِ في الدينِ مِن الأئمةِ يقومُ مِن حينِ فراغِه مِن صلاتِهِ كأنَّما ضُرِبَ بشيءٍ يؤلمُه، ويجعلُ ذلكَ مِن الدِّينِ، ويفوتُه بذلكَ خيرانِ عظيمانِ:
(أحدهما) : استغفارُ الملائكةِ له مادامَ في مُصَلَّاه الذي صلَّى فيهِ لقولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: (( المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ [14] مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ ) ).
و (الثاني) : مخالفتُه لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم التي هي نصٌّ في هذا الحديثِ حيثُ قَالَ: (كَانَ [15] إِذَا صَلَّى [16] صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) ليس إلَّا، ولم يذكرْ أنَّهُ قامَ، ولو كانَ لم يُقبِلْ بوجهِه عليهم إلا بعد القيامِ لأخبرَ بذلكَ؛ لأنَّهم رضي الله عنهم بأقلَّ مِن هذا مِنْ فعلِه عليه السلام يُخْبِرُونَ به لِيُقْتَدَى به، وعلى هذا أدركتُ
ج 2 ص 140
بالأندلسِ كلَّ مَن لقيتُ [17] مِن الأئمةِ الْمُقْتَدَى بهمْ في غالبِ الأمرِ يُقبِلونَ بوجوههِم على الجماعةِ مِن غيرِ قيامٍ.
وأمَّا دوامُه عَلَيْهِ السَّلَامُ على ذلكَ فلأنَّها مِن النبوةِ فيَحضُّ الناسَ على الاعتناءِ بها؛ لأنَّه إذا كانَ هوَ [18] صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يعتني بها [19] وجبَ علينا [20] اتباعُه في ذلكَ لو لم تكنْ مِن النبوَّة، فكيف وهيَ مِنَ النبوَّةِ؟
ولوجهٍ آخرَ؛ لأنَّها كانتْ بدايةَ [21] الخيرِ لهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وللمسلمينَ؛ لأنَّهُ: (( أَوَّلُ ما بُدِئَ بهِ الرؤيا الصالحةِ في النومِ ) )كما هوَ [22] الحديثُ أولَ الكتابِ [خ¦3] ، وحُسنُ العهدِ منَ [23] الإيمانِ، ومَن أَوْلى بحسنِ العهدِ منهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لقوةِ إيمانِهِ وكمالِه [24] ؟
وأمَّا كونُه عَلَيْهِ السَّلَامُ يُفسِّرُها لهم فذلك تعليمٌ [25] وإرشادٌ لكيفيةِ التعبيرِ وهوَ لمن يعرفُه مِن جملةِ المِنَنِ [26] عليه [27] كما قَالَ يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37] وكلَّما عُلِّمَه الآدميُّ مما لم يكنْ يَعلَمه [28] فهو مِنْ جملةِ النِّعمِ عليهِ.
وأمَّا إخبارُه عَلَيْهِ السَّلَامُ لهمْ برؤيتِه [29] تلكَ الرؤيا فلأنَّها [30] وحيٌ؛ لأنَّ رؤيا الأنبياءِ عليهمُ السلامُ كلُّها وحيٌ بإجماعِ [31] العلماءِ [32] ، وما يكونُ وحيًا فلا يجوزُ لهُ كتمُه لأنَّه [33] حكمٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لعبادِهِ، ولأنَّ [34] تلكَ الأحكامَ المذكورةَ فيها _ على ما نبيِّنُ بعدُ إنْ شاءَ اللهُ _ أحكامٌ ثابتةٌ وفوائد جملة [35] لمنْ فهمَ، فأرادَ الإخبارَ بتلكَ الأحكامِ والفوائدِ [36] .
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ) زيادةُ تأكيدٍ أيضًا [37] لِمَا قدَّمناهُ [38]
ج 2 ص 141
مِن أنَّها صلاةُ الصبحِ.
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَتَيَانِي) أي: جاءاني [39] لموضعي الذي كنتُ فيهِ.
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي [40] إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) الأرضُ المقدسةُ: هي بيتُ المقدسِ.
وهنا بحثٌ في إخراجِه عَلَيْهِ السَّلَامُ في النومِ إلى الأرضِ المقدَّسةِ؛ لِمَ خُصَّتْ مِن بينِ الأرضِ بأنْ أُريَ له عَلَيْهِ السَّلَامُ فيها تلكَ الأمورَ التي في الرؤيا ولمْ يكنْ [41] في غيرِها مِنَ الأرضِ؟.
فَالجَوابُ: أنَّ الحكيم [42] كما قدَّمنا [43] أولًا لا يعملُ [44] شيئًا مِنَ الأشياءِ [45] بحكمِ الوفاقِ، وإنما يعملُه [46] لحكمةٍ عَقَلَها مَن عَقَلَها وجهِلَها مَن جهِلَها، والحكمةُ هنا تَظهرُ مِن وجهينِ [47] :
(أحدُهما) : لأنَّها هيَ موضعُ المَحشرِ كما جاءَ عنهُ صلَّى الله عليه وسلم فأُري له عَلَيْهِ السَّلَامُ الأمرُ في موضعِه الذي فيهِ يكونُ.
و (الوجهُ الآخرُ) [48] : نسبةُ إسرائِه عَلَيْهِ السَّلَامُ في اليقظةِ كنسبةِ [49] إسرائِهِ في النومِ؛ لأنهُ حَقٌّ والحقُّ لا يتبدَّلُ، فأولُ ما أُسْرِيَ به عَلَيْهِ السَّلَامُ [50] ليلةَ الإسراءِ إلى بيتِ المقدسِ، وهذه إلى بيتِ المقدسِ، فإن [51] كانتْ هذهِ أولًا فهي [52] تدريجٌ، وهو حالُه عَلَيْهِ السَّلَامُ في سلوكِه، وهو أجلُّ الأحوالِ على ما تقدَّم الكلامُ فيهِ، وإنْ كانتْ هي الآخرةُ فتكونُ إبقاءً [53] لأثرِ القُرْبِ والإيناسِ كما يأتي في موضعِه من حديثِ الإسراءِ إن شاء الله تعالى.
وقَولُهُ عليهِ السلامُ:(فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ [54] مُوسَى: إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى
ج 2 ص 142
يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ [55] الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ) . الكَلُّوبُ: حديدةٌ ذاتُ فخذينِ معوجةُ الأطرافِ.
وفيهِ دليلٌ على عِظَمِ قُدرةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ إنَّ أمورَ الآخرةِ ليستْ كأمورِ الدنيا في الغالبِ، يُؤخذُ ذلكَ مِنْ كَوْن الشِّدقِ الواحدِ يلتئمُ بينما [56] يدخلُ الكلُّوبُ في الآخَرِ، ولو خرقَ الشِّدقُ في هذهِ الدارِ ما التأمَ إلا بعدَ أيامٍ عديدةٍ.
ويترتَّبُ على هذا مِن الفقهِ أنَّ عذابَ تلكَ الدارِ أضعافٌ مضاعَفَةٌ مِن عذاب [57] هذهِ الدارِ كما قَالَ تَعَالَى [58] : {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: 17] وكونُ تلكَ الحديدةِ معوجَّةَ الطرفينِ؛ فلأنَّها أكثرُ في الإيلام [59] ، وكونُه جالسًا [60] بينَ يديهِ فلأنَّهُ [61] أمكنُ له في التمكُّنِ مِن عذابِهِ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ العذابَ يكونُ في الجارحةِ التي كانتْ بها المعصيةُ في الدنيا كما قَالَ تَعَالَى [62] : {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26] ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن إخبارِه [63] بعدُ في الحديثِ أنَّه يفعل بالكذاب [64] .
وهنا بحثٌ وهو: هل هذا الذي رآهُ صلى الله عليه وسلم مع كونِهِ حقًّا [65] هل ذلكَ مثالٌ يُعرفُ بهِ [66] الحكمُ وتُرى لهُ الكيفيةُ؟ أو ذلكَ حقيقةٌ أُريَ له بعضُ أهلِ تلكَ المعصيةِ على ما هم فيه [67] ؟ محتمَلٌ، فإنهُ [68] عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يخبِرْ أنَّهُ رأى مِن أهل هذا الحالِ إلا واحدًا [69] ، وبالقطعِ إنَّ أهلَ ذلكَ الذَّنبِ عددٌ كثيرٌ، فالقدرةُ [70] صالحةٌ للوجهينِ معًا.
وهلِ الموضعُ الذي رآهُ فيهِ
ج 2 ص 143
عليه السلام [71] أيضًا بالأرضِ المقدسةِ [72] هو موضعُه الذي كانَ دفنُه [73] فيهِ؟ أو فُسِحَ [74] لهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِن الأرضِ المقدسةِ حتى رآهُ في موضعِه على حالِهِ ذلكَ؟ فالقدرةُ [75] أيضًا صالحةٌ للوجهينِ معًا.
وفيهِ أيضًا دليلٌ على عظيمِ [76] قدرةِ القادرِ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ مِنَ [77] الفصيحِ في الكلامِ الحذفُ والاختصارُ إذا لم يَنقُصْ ذلكَ مِن المعنى شيئًا، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ: (يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ) ولم يذكرْ كونَه يشقُّه بعدُ، فحذفَ ذلكَ للدلالةِ عليهِ بِقَولِهِ: (فَيَلْتَئِمُ [78] شِدْقُهُ هَذَا) فلو كانَ ثقبًا دونَ شقٍّ ما احتاجَ [79] أنْ يُبيِّنَ أنَّه لا يرجعُ إلى الآخرِ إلا وهو قدِ التأَم؛ لأنَّه إذا ثُقبَ موضعٌ مِن الشِّدْقِ الواحدِ بقيَ منهُ مواضعُ غيرُ ذلكَ [80] فيرجِعُ فيُثقَبُ فيها فيكونُ أكثرَ في تألُّمِه لكونِه [81] يَبقى له جرحٌ ويُجرَحُ جُرحًا [82] آخرَ في جنبِ الجرحِ الأولِ، لكنْ لمَّا كانَ شَقَّ لم يبقَ له فيه لِمَا يَرجعُ إلا أنْ يلتئمَ، فكذلك [83] بيَّن بِقَولِهِ: (فَيَلْتَئِمُ) .
وقَولُهُ: (فَانْطَلَقْنَا) أي: سِرنا. وقَولُهُ: (حَتَّى أَتَيْنَا) أي: بلغنا.
وقَولُهُ صلى الله عليه وسلم [84] : (رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ) .
الفِهْرُ: الحَجَرُ المدوَّرُ [85] ، والصخرةُ حجرٌ مَبسوطٌ.
وقَولُهُ: (فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ) أي: يكسرُه ويبالغُ في كسرِه.
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ [86] الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا [87] حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ) هذه الصفةُ كنايةٌ عن شِدَّةِ الضَّربةِ بالحجَرِ؛ لأنَّهُ إذا ضُرِبَ به حتى زال عن [88]
ج 2 ص 144
يدِهِ وذهبَ إلى بُعْدٍ منه مِن حيثُ يحتاجُ أن يمشي [89] إليهِ وحينئذٍ يأخذهُ، فهذه الصفةُ عندنا في هذهِ الدارِ معلومةٌ أنَّه إذا كانَ الذي يضربُ بالحجرِ ذو قوةٍ بعدَ ضربِ الحجرِ في الشيءِ الذي يُضَربُ بهِ ويذهبُ [90] عنهُ إلى بُعْدٍ، وربما إنْ [91] أصابتْ شيئًا آخرَ كانَ تأثيرُها فيه كثيرًا [92] .
وفيه مِن الكلامِ مثلُ الذي قبلَه مِنْ [93] أمورِ الآخرةِ وعِظَمِها، وعِظَمِ [94] القدرةِ الربَّانيةِ الجليلةِ.
وفي هذا الفصلِ وفي الذي قبلَهُ دليلٌ على أن َّأمورَ الآخرةِ ليستْ كأمورِ الدنيا، ويؤخذُ [95] ذلكَ مِن كونِ هذا مضطجعًا [96] لا يقدرُ أن يتحرَّكَ بلا شيءٍ يحبسُه، والآخرُ [97] قاعدٌ أيضًا بلا شيءٍ يَحْبسُه. كلاهما مستسلمانِ لهذا الأمرِ العظيمِ، وفي هذهِ الدارِ لا يمكنُ [98] أن يحبس [99] أحدٌ لبعضِ ما هو أقلُّ مِن هذا إلا بحابسٍ [100] شديدٍ مِن وثاقٍ أو [101] غيرِه هذا مِن عجائب ِالقُدرةِ.
وفيهِ أيضًا دليلٌ يتبيَّنُ [102] بهِ معنى قَولِهُ تَعَالَى: {غِلَاظٌ شِدَادٌ} [التحريم: 6] ، لأنَّ قوةَ [103] تلكَ الضربةِ لا تكونُ إلا عن تلكَ الصفاتِ المذكورةِ، وهي مِن جملةِ التخويفاتِ.
وهنا بحثٌ وهو: لِمَ خُصَّ هذا العضوُ مِن بينِ [104] سائرِ الأعضاءِ بالعذابِ؟.
فَالجَوابُ: أنَّه هو الذي تركَ السَّهرَ بالتهجُّدِ بالقرآنِ كما يذكرُ في [105] آخرِ الحديثِ، وهناكَ يكونُ البحثُ عليهِ.
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَاَ [106] : انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاَهُ [107] ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ [108] تَحْتَهُ نَارٌ إِذَا [109] اقْتَرَبَ) اقتربَ: بمعنى قربَ كَقَولِهِ تَعَالَى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر: 1] أي: قرُبت، فإذا قرُبَت
ج 2 ص 145
منهم تلكَ بِحَرِّها [110] وهذا كنايةٌ [111] عن عظيمِ [112] تأجُّجِها.
وقَولُهُ: (ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ [113] يَخْرُجُوا مِنْهَا) هكذا تفعلُ القِدْرُ [114] هنا إذا كانتْ على النارِ واشتدَّت [115] النارُ تحتَها غَلَتْ فارتفعَ ما فيها إلى أعلاها، حتى إنَّه [116] إنْ غفلَ عنها رمَتْ [117] بعضَه خارجَ [118] القِدْرِ، فدلَّ بهذهِ الصفةِ على عظمِ حَرِّها [119] ، والحكمةُ في أَنَّه [120] مثلُ التنورِ أعلاهُ ضيقٌ؛ لأنَّه أبلغُ في حرارةِ النارِ؛ لأنَّه تنعكسُ [121] حرارتُها إلى داخلٍ.
وقَولُهُ: (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا [122] ) أي: قربوا مِنَ الخروجِ.
وقَولُهُ: (فَإِذَا خَمَدَتْ) أي: سكنَ حَرُّها.
وقَولُهُ: (رَجَعُوا [123] ) إلى الحالةِ الأولى.
وقَولُهُ: (وفيه رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ) الكلامُ عليهِ كالذي تقدَّمَ [124] مِن إظهارِ القدرةِ وعظمِها.
وهنا بحثٌ: وهوَ [125] لِمَ كانَ مَن تقدَّم مِن المُعذَّبينَ [126] منفردينَ وهؤلاءِ مُجتَمِعينَ؟.
فَالجَوابُ: هكذا أخبرَ [127] عَزَّ وَجَلَّ في كتابِه بِقَولِهِ [128] : {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26] ، لَمَّا لم تكنْ هذهِ المعصيةُ في هذهِ الدارِ إلا في جمعٍ _ والجمعُ ينطلقُ في اللغةِ على الاثنينِ [129] فصاعدًا_ وهَتَكا [130] ما أُمروا [131] بهِ مِنْ سترِ العورةِ كانوا [132] هنالكَ كذلكَ، حكمةُ حكيمٍ، وهؤلاءِ هم الزُّناةُ كما يُخبِرُ [133] بعدُ.
وفيه فائدةٌ [134] كُبرى لمن رُزِقَ التصديقَ بهِ والإيمانَ، وأعني بالتصديقِ الذي يكونُ حقيقيًا، إن تحرَّك [135] مِن النفسِ أو مِن الشيطانِ باعثٌ لمثلِ هذا يُذكِّرُها [136] هذهِ الحالةَ المُهلكةَ فترجعُ عن غيِّها [137] .
ولهذا وما أشبهَهُ أعلمَنا [138] بهِ؛ لأنَّهُ ليسَ مَن يخافُ عِقابًا على الجُملةِ
ج 2 ص 146
لا يدري قدرَهُ مثلَ مَن يخافُ عِقابًا معلومًا وهذا [139] في الخوفِ أبلغُ كما ذُكِرَ عن بعضِ المتعبِّدينَ أنَّه حسدَه ناسٌ مِن شياطينِ الإنسِ في حالهِ المباركِ [140] فأرادوا أن يُوقِعوه، فأخذوا امرأةً في غايةِ الحُسنِ والجمالِ بعدما علَّموها ما تقولُ له وكيفَ تَستدرِجُه؟
وزيَّنوها ثمَّ تلاحَوا [141] بينهم حتى أظهروا كأنَّهم يقتَتِلون مِن [142] شأنِها وكأنَّها ابنةُ أحدِهم ثمَّ جاؤُوه يرغبونَ منهُ لعلَّه [143] يُمسكُها الليلةَ في بعضِ زوايا بيتِه حتى يعودوا [144] إليه أو ما يشبه [145] هذا المعنى، فامتنعَ فما زالوا في المكرِ بهِ حتى أنعمَ لهم في ذلكَ وهو لا يعرفُ لها صورةً.
فلمَّا جنَّ الليلُ وهو مشتغلٌ بعبادتِه وإذا بها قدْ أتتهُ على تلكَ الحالةِ بصورةِ خوفٍ لحقَها تستجيرُ بهِ لتُريَه وجهَها وتجلسَ معهُ باديةَ الوجهِ بالقربِ منهُ، فلم تزلْ تكيدُ عليهِ حتى راودتْه وعزمَتْ عليهِ بالفاحشةِ، فلمَّا رأى جِدَّها [146] قَالَ لها: أمهلي [147] يسيرًا وأخذَ دُهنًا وألقاهُ في المصباحِ وزادهُ فتيلًا، فلمَّا قَوِيتْ شمعتُه جعلَ عليها أصبعَه وتركها ساعةً والنارُ تتَّقِدُ فيها حتى اشتدَّ عليهِ ألمُ النارِ، صاحَ صيحةً وغُشِيَ عليهِ وأدركَها هي الرعبُ مِن حالِه وصدقِه معَ اللهِ فكفَّتْ، فلمَّا أصبحَ وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم بما جرى فارتجعوا عنهُ، وقَالَ بعضهم:
~ نَفسِي عَلَى الحرِّ [148] ليسَ تَقْوَى ... وَلَا عَلَى أَيسَرِ الحَرَارَةِ [149]
~فَكَيْفَ تَقَْوى على جحيمٍ [150] ... وَقُودُها الناسُ وَالحِجَارَة [151] ؟
ج 2 ص 147
وقَولُهُ عليهِ السلامُ: (فَقُلْتُ [152] : مَا هَذَا؟ قَالَاَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا) الكلامُ على هذهِ [153] الألفاظ كما تقدَّم أولًا، وكذلك تلكَ البحوثُ: هل ما رآهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [154] حقيقةً أو تمثيلًا في كلِّ وجهٍ يتكررُ [155] البحثُ فيهِ [156] ؟ والجوابُ عليهِ على حدٍّ واحدٍ: فإنَّ القدرةَ لا تَعْجَزُ عن شيءٍ.
وقَولُهُ: (عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ _ قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: وفي غير هذا ابنُ جَرِيرٍ ثمَّ يزيدُ بْن حَازِمٍ [157] _ وَعَلَى شَطِّ [158] النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ [159] الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ [160] أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) .
الكلامُ على ما فيهِ مِن أمرِ عظيمِ القدرةِ كما تقدَّم.
وما فيهِ مِن حذفِ بعضِ الألفاظِ للدلالةِ عليهِ كالكلامِ على ما كانَ قبلُ، والحذفُ [161] الذي هنا قَولُهُ: (رَمَى الرَّجُلُ فِي فِيهِ) ولم يذكر الذي على حافَّةِ النهرِ.
وقَولُهُ: (كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ) وسكتَ عن ذكرِ الرَّجلِ وموضعِه [162] ،وإنما حذفَهُ لدلالةِ الكلامِ عليهِ قبلُ؛ ولأنَّ فيه الألفَ واللامَ وهي للعهدِ أي: الرَّجل المعهودُ وهوَ المذكورُ قبلُ، وفيهِ حذفٌ آخرُ وهوَ [163] لِمَا دلَّ عليهِ الكلامُ أولًا [164] ؛ لأنَّهُ [165] لم يذكرْ في القضيَّةِ إلا رجلينِ لا ثالثَ، وبيَّنَ موضعَ كلِّ واحدٍ فإذا ذكرَ ما فعلَ بالواحدِ لم يفهمْ أنَّه فعلَهُ إلا الثاني.
وهنا بحثٌ [166] : لِمَ كانَ مَن تقدَّمَ قعودًا [167] لا يتحركونَ وهذا يخوضُ في هذا النهرِ [168] ويرجعُ؟
فَالجَوابُ: أنَّهُ لَمَّا كانَ [169] الذنبُ الذي أوجبَ هذا وهو [170] أكلُ الرِّبا، والرِّبا في هذهِ الدارِ لا
ج 2 ص 148
يُكتَسَبُ بهِ في هذهِ الدارِ [171] في الغالبِ لا يكونُ إلا بالذهابِ [172] والرجوعِ، فكانَ عذابُه مِن ذلكَ الجنسِ.
وكونُه دمًا: إنما كانَ ذلكَ كذلكَ؛ لأنَّ الدمَ ثخينٌ ثقيلٌ [173] والخوضُ في الشيءِ الثخينِ الثقيلِ مِن أتعبِ الأشياءِ، ثمَّ زِيْدَ لذلكَ: التألُّمِ بريحِهِ [174] ، ثمَّ زِيْدَ لذلك: رَمْيُ الحجرِ في فِيْهِ؛ لأنَّه [175] بهِ كانَ يأكلُ الربا فكانَ [176] عذابًا على عذابٍ مضاعفٍ.
ثمَّ انظر إلى قدرةِ القادرِ كيفَ تزيدُه [177] الآلامُ إذا أرادَ الخروجَ، ثمَّ إنَّهُ معَ ذلكَ لا يقدِرُ أنْ يقفَ في ذلكَ الموضعِ حيثُ هوَ لشدةِ ما هو فيهِ فيرومُ لعلَّ راحةً فيزيده [178] بلاءً على بلاءٍ كما قَالَ:
~بالبُعدِ أَشْقَى وَبِالقُرْبِ لَا أَستَرِيح ... فمَا هيَ إِلَّا الآلَامُ تَتَأَكَّدُ وَتَفِيحُ
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَاَ: انْطَلِقْ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ ورَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) .
الروضةُ الخضراءُ: هي أحسنُ الروضاتِ، وهنا تحقَّقْنا أنَّ هذا تمثيل لا حقيقةَ الموضعِ؛ لأنَّه [179] ذكرَ بعد: [180] أنَّ الشيخَ إبراهيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، والصِّبيانَ أولادُ الناسِ، وذكرَ عن الرَّجلِ الذي يُوقِدُ النارَ مالكٌ. والكلامُ على توجيهِ البقعةِ والشجرةِ ما معناهما عندَ ذكرِه [181] صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذلكَ في آخرِ الحديثِ.
وقَولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَصَعِدَا بِي [182] الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلاَنِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا) هذا مِنْ أكبرِ الدلائلِ [183] على أنَّ أمورَ الآخرةِ لا تطيقُ العقولُ فهمَها إلا بعدَ علمِ [184] أشياء عديدةٍ وتوفيقٍ، ونظر في مثل [185] هذا المثالِ الذي جعلَ [186] فيه الشجرةَ طريقًا إلى الدارِ لا يقبلُه العقلُ بديهةً،
ج 2 ص 149
فإذا بُيِّنَ له على ما [187] أذكرُه بعد إن شاءَ اللهِ زادَ إيمانُه وقويتْ عظمةُ اللهِ تَعَالَى في قلبِه.
وقَولُهُ عليه السلام: (فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا [188] بِي الشَّجَرَةَ) فيه دليل أنَّ هذه الدار الأولى كانت في بعض الشجرة يؤحذ ذلك من كونهم [189] حينَ خرجوا مِن الدارِ صعدوا في الشجرةِ.
وقَولُهُ: (فَأَدْخَلاَنِي دَارًا [190] هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَاَ: نَعَمْ، أَمَّا [191] الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ) قد تقدَّمَ الكلامُ عليهِ [192] أوَّلًا غيرَ أنَّه ماذكرناهُ هناكَ مِن الشقِّ وكانَ مُضمرًا عادَ هنا ظاهرًا، وعادَ الإدخالُ [193] الذي كانَ هناكَ ظاهرًا هُنا [194] مُضمرًا.
وقَولُهُ: (فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ [195] بِالكذْبَةِ) تتحمَّل عنه حتى تبلغَ الآفاقَ فَيُصْنَع بهِ إلى يومِ القيامةِ، يعني: يُصنع بهِ هكذا لا يَفتُرُ، زائد [196] على ما لهُ يومَ القيامةِ مِنَ العذابِ الأليمِ.
ونحتاجُ هنا أن [197] نعرفَ الكذبَ [198] الذي هوَ هذا عذابُه فنقولُ واللهُ المستعانُ: إنَّ الكذبَ يُقسَمُ [199] على خمسةِ أقسامٍ: فمنهُ واجبٌ وصاحبُه مأجور [200] ، ومنهُ مندوبٌ وصاحبُه مأجورٌ أيضًا على ما أبيِّنُه بعدُ، ومنهُ مباحٌ ولا أجرَ فيهِ ولا إثمَ على قائلِه، ومِنهُ حرامٌ وهوَ الذي عليه [201] هذا الوعيدِ العظيمِ، ومِنهُ مكروهٌ.
فأمَّا الواجبُ منهُ: فهو أن تعرِفَ شخصًا في موضعٍ ويسألكَ [202] عنهُ مَن تعلمُ قطعًا [203] أنَّهُ يَسفكُ دمَه ظلمًا وعدوانًا، فتعيَّنَ عليك [204] بأنْ تقولَ _ أعني تقولَ: لا أعلمُ _ وإن حلَّفكَ تحلِفُ وتواري في قلبِكَ [205]
ج 2 ص 150
في هذا الموضعِ الكذبُ، أنْ تقولَ [206] : لا أعلمُ [207] موضعَ قعودِه، أو هل [208] هو واقفٌ أو مضجعٌ [209] ؟ فإنَّكَ بالقطعِ لا تعرِفُ [210] أيَّ موضعٍ هو الآنَ مِن البيتِ الذي هوَ فيهِ، هل في الزاويةِ اليُمنى أو اليُسرى أو وسطَ البيتِ أو في موضعِ الحاجةِ؟ لأنَّه مَن يحلفُ على غيِر حقٍّ عليهِ اختلفَ العلماءُ فيه [211] : هل اليمينُ على نيَّةِ الحالفِ أو على نيَّةِ المَحلوفِ له [212] ؟.
على ثلاثةِ أقوالٍ: على نيَّةِ الحالفِ، على نية المحلوف [213] ، على نيَّةِ الذي أرادَها أولًا، ولم يختلفْ أحدٌ منهمْ على أنَّها إذا كانتْ على حقٍّ عليهِ أنَّها على نيَّة المحلوفِ له لِقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: (( اليمينُ عَلَى نِيَّةِ المحلوفِ له ) )، فإنْ صدقَ هنا ودلَّه عليهِ كان قد شاركَ في قتلِ مسلمٍ بغيرِ حقٍّ، وقَالَ [214] صلى الله عليه وسلم: (( منْ شَارَكَ في قَتْلِ مُسْلِمٍ ولو بِشَطْرِ [215] كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وبَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) ). وما أشبهَ هذا النوعَ فالكذبُ فيهِ واجبٌ، ومَن فعلَ واجبًا كانَ مأجورًا.
وأمَّا المستحبُّ فالكذبُ في الحربِ مع نزيلِه؛ لِقَولِهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ) ). فيكونُ مأجورًا لاتِّباعِه السُّنَّةَ، ونحتاجُ أنْ نُبيِّنَ [216] هذا الكذبَ بالمثالِ مِنْ أجلِ أنْ [217] تعطيهُ العهدَ ثمَّ تقتلُه، وتظنُّ أن ذلكَ هو الكذبُ الجائزُ في الحربِ، وهو أنَّ فِعلتَه [218] نقضُ عهدٍ، ونقضُ العهدِ حرامٌ لا يجوزُ.
وقد كانَ عمرُ رضي الله عنه يكتبُ إلى جيوشِه بالأمصارِ: مَنْ بلغني عنه أنَّه قَالَ لِلْعِلْج: (مُطَّرَسْ) ، ثم قَتَلَهُ قَتَلْتُه بهِ، و (مُطَّرَسْ) : بلغتهم: الأمان [219] .
فمثالُ الكذبِ الذي يجوزُ في الحربِ أن يقولَ لنزيلِه: مَنْ ذلكَ [220] الشخص ُالذي خلفكَ؟ وليسَ
ج 2 ص 151
وراءَهُ أحدٌ مِن أجلِ أن يلتفت فيتمكَّنَ منهُ، أو يقولَ لهُ [221] : ما بالُ حِزام سَرجِكَ محلولًا؟ تريدُ أنْ تريَني حُسنَ رُكوبِكَ؟ فإمَّا أنْ [222] يلتفتَ إلى حِزامِ سَرجِهِ فيتمكَّنَ منهُ، وإمَّا أنْ [223] يَدخلَهُ الشكُّ فيبقَى يشتغلُ [224] بحبسِ نفسِه في سَرجِه فتَقِلَّ شطارتُه لذلكَ فيكونَ أمكنَ منهُ، وما يشبهُ هذا النوعَ.
وأمَّا الكذبُ المباحُ مثلَ [225] أنْ يكونَ الشخصُ قد فعلَ شيئًا ونسي [226] أنَّهُ فعلَه فيُسألُ عنهُ، فيقولُ: لم أفعلْه، فهذا مِن قبيلِ المُباحِ؛ لأنَّه قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [227] : (( إِنَّ اللهَ تَجَاوزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسْيانَ ) ) [228] . فإذا تجاوزَ عنهُ فلا إثمَ عليهِ، ولا هو أيضًا فيهِ مأجور، فهذهِ صفةُ المباحِ، أعني في عدمِ الإثمِ وعدمِ الأجرِ فما [229] كان هذا سبيله من جميع الأشياءِ فهو مباحٌ [230] .
وأمَّا المكروهُ فهوَ ما يعدُ [231] بهِ الرجلُ امرأتَه مِنَ الإحسانِ ولا يفِي [232] لها بهِ لقولِ سيدنا صلى الله عليه وسلم للسائلِ الذي سألَه: أأكذِبُ [233] لامرأتِي؟ فكرِهَ ذلكَ، فقَالَ لهُ: أعدُها؟ [234] ، قَالَ [235] : افعلْ.
وقدْ ذكرَ بعضُ الناسِ أنَّهُ إن اشترى حاجةً لامرأتِهِ ليستْ بواجبةٍ عليهِ إلا مِن