3 - (وَعَن [1] عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ [2] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ [3] : بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ تعالى، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ [4] ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثمَّ سَتَرَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) [5] . [خ¦18]
ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ مَنْ وقع في شيء ممَّا نُهي عنه فاقتُصَّ منه أنَّ القصاص يُسقِط عنه في الآخرة وِزْرَه ويُكفِّر ذنبَه، وقد اختلف العلماء في ذلك هل يسقط أم [6] لا؟ على قولين، والحديث دليل لمن قال منهم بالإسقاط؛ لأنَّه نصٌّ في موضع الخلاف والكلام عليه مِن وجوه:
الوجه
ج 1 ص 39
الأوَّل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (بَايِعُونِي) هذه البيعة يُحتاج [7] فيها إلى بيان: ما هي [8] في الاصطلاح العُرْفي؟ وكم أنواعها؟ وما حقيقة معناها؟ وما المقصود بها في هذا الموضع؟ وما الفائدة فيها؟ وما الحكمة في وضعها على هذا الأسلوب؟ ولمن تجب؟ وبماذا تجب؟ وعلى مَن تجب؟ [9] وشروط الإجزاء فيها، وبماذا تصح؟ وبماذا تَفسد؟
فأمَّا أنواعها فهي على ضربين: عامَّة وخاصَّة، والعامة منها على وجوه وهي أيضًا على ضربَينِ: منها ما يصِحُّ [10] دون شرط [11] ، ومنها ما لا يصِحُّ إلَّا بشروط، فالذي [12] يصِحُّ منها بغير شروط هي [13] مثل ولاية [14] الأب على ابنه [15] ، والرَّجل على أهلِه وعبيده، لأنَّ هذه قد صَحَّتْ بأمر مِن الله تعالى [16] فلا تحتاج إلى شروط وسيأتي بيان [17] ذلك في الكلام على الحديث [18] الذي قال فيه صلَّى الله عليه وسلَّم: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) ).
والتي لا تصِحُّ إلَّا بشروط فمنها: ما هي ثابتة والشُّروط تأكيد لها ولوجه ما مع ذلك اقتضته [19] الحكمة الرَّبانيَّة، ومنها: ما هي ثابتة والشُّروط تأكيدٌ للحقِّ وزيادةُ حقٍّ ثانٍ.
فأمَّا التي هي ثابتة والشُّروط تأكيد له [20] ولوجه ما مع ذلك بمقتضى الحكمة الرَّبانيَّة [21] فهي [22] مثل بيعة {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] . لأنَّ كلَّ بيعة عَهْدٌ، فَبِذَات الرُّبوبيَّة ثبت الحق على العبودية، وهذه البيعة هنا تأكيد للحقِّ ولوجهٍ ما اقتضته الحكمة وهو تعليق التَّكليف بهذه البيعة ليُثَاب على الامتثال ويعاقب على الضد [23] علَّة شرعية لا عقلية ولا عِلمية [24] ، ولهذا المعنى أشار صاحب «الأنوار» بقوله: «فرض في فرض لفرض لازم» ، يريد: أنَّ [25] الفرض وجب على العبودية بنفس إيجاد الإلهيَّة لهم، ثمَّ تأكَّد بالعهد المأخوذ عليهم في هذا الموطن المذكور. والفرض اللازم هو: ما حكم عزَّ وجلَّ
ج 1 ص 40
مِن الحكم المحتوم أن لا يستقر في دار كرامتِه إلَّا مَن امتثل أمرَه وَوَفَى بعهدِه أو ببعضِه، ويسامحه [26] عزَّ وجلَّ مِن طريق الفضل والْمَنِّ [27] لقوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النِّساء: 48] .
هذا ما هو مِن طريق المنِّ والفضل، وأمَّا العَدل فهو ما تضمَّنَه قوله عزَّ وجلَّ في كتابه جوابًا لعيسى عليه السَّلام: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] .
وأمَّا التي هي ثابتة والشروط تأكيد للحقِّ وزيادة حقٍّ [28] ثانٍ فهي مثل البيعة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. لأنَّه لمَّا أنْ [29] أرسله عزَّ وجلَّ ثبتت البيعة له لقوله عز وجل في كتابه: {النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] . فقد قدَّمه عز وجل عليهم، فالبيعة [30] له عليه السَّلام تصديق منهم لرسالتِه وإذعان لحكمه [31] وتصديقهم له تأكيد [32] لِمَا مَنَّ الله به عليهم [33] .
وأمَّا التي لا تصحُّ إلَّا بشروط، والشُّروط هي الموجبة لها فهي على نوعين: إمَّا بتقديم الخليفة لشخص يرتضيه للمسلمين بَعْدَه كما فعل [34] أبو بكر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ في توليتِه عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بعده، وإمَّا بإجماع [35] المسلمين عليه بعد موت الخليفة، كما فعل الصحابة رضوان [36] الله تعالى عنهم في اجتماعهم على عثمان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بعد موت عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فهذا حُكْمٌ ثابتٌ إلى يوم القيامة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ بَعْدِي ) ).
وأمَّا الخاصة منها فهي [37] ما بَيَّنَ الشَّارع عليه السَّلام في الجماعة إذا سافروا أن يُقدِّموا رجلًا منهم عليهم وكذلك ما في معناه، لأنَّ ذلك كان لوجهٍ خاص ويتبيَّن ما فيه مِن المنفعة ببيان منفعةِ العامة إذا ذكرناها إن شاء الله تعالى، لأن فيها شَبَهًا منها.
وأمَّا [38] حقيقة معناها على التَّقسيم المتقدِّم فهي بيع مِن البيوع، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم
ج 1 ص 41
قال: (بَايِعُوْنِي) ولم يقل: (عاهِدوني) ، وهذا النَّصُّ يتضمَّن بمعناه شيئًا مِن أوصاف الرِّقِّ على ما أبيِّنُه [39] إن شاء الله تعالى.
فإذا كانت بيعًا مِن البيوع فيحتاج إذًا [40] إلى بيان المبيع ما هو؟ والثمن ما هو؟
فأمَّا المبيع في هذا الموضع فهو ترك ما للنفس مِن الاختيار وتفويض الأمر لصاحب [41] البيعة ليتصرَّف صاحبُ البيعة فيمَن بايعَه بحسب ما أمره الله عز وجل، وهذا ضرب مِن الرِّقِّ؛ لأنَّ السيد قد يملكَ [42] رقَبَةَ العبدِ فلم يبقَ للعبدِ اختيارٌ ولا تصرُّفٌ، لأنَّ مَن مَلَكَ الرقبة فقد مَلَكَ جميع المنافع، فأشبه ذلك العبد في انقياده دون استرقاق الرقبة وبقي المال لمالكه لا لصاحب البيعة ليس [43] كما هو مال العبد لسيِّده [44] ، لأنَّه لم يشبه العبودية إلَّا في الذي ذكرناه لا غير.
وأمَّا الثمن على هذا البيع على أيِّ [45] وجه كان مِن الوجوه المتقدِّم ذكرها فهو (الجَنَّة) بشرط التَّوفية فيها لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في بيعة العقبة إذ سأله الصَّحابة رضي الله عنهم على ما لَهُم مِن العِوَض على بيعتهم فقال: (( الجَنَّةَ ) )فقالوا: رَضِينا لا ننقُضُ البيع، فقد سمَّى الشَّارع عليه السَّلام البيع والثمن والقبول [46] ، وكذلك كلُّ مَن بايع بيعة [47] بعد ذلك على مقتضى لسان العلم على التَّقسيم الذي ذكرناه فهذا ثمنه إذا [48] لم يقع نقضُها، لأنَّ [49] كل بيعة مِن البيوع التي ذكرنا [50] إنَّما هي تجديد [51] لبيعة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتأكيد لها، وبيعة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيعةُ الله تعالى [52] لقوله عز وجل في كتابه العزيز [53] : {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّما يُبَايِعُونَ اللهَ} [الفتح: 10] . وبيعتهم لله تعالى وفاء وتأكيد لبيعةِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] .
وأمَّا [54] المقصود بها في هذا الموضع على التَّقسيم المتقدِّم فهو [55] تقبيل
ج 1 ص 42
اليد على الأوصاف المذكورة في الحديث بعد. ويتعلَّق بهذا النوع مِن الفقه أنَّ للخليفة أن يُجدِّد بيعة أخرى على وجه ما مِن المصالح الدِّينية إذا ظهر له ذلك مصلحة لمن ظهر له كان [56] بالخصوص أو بالعموم، لأن [57] معنى البيعة في هذا الموضع تأكيد على الوفاء بما تقتضيه الألفاظ المذكورة بعدُ، وسأبيِّن ما [58] الحكمة في ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمَّا [59] الفائدة فيها على التقسيم المتقدِّم _أعني في أنواع البيعة مطلقًا لا في هذه الخاصَّة_ لأنَّ الكلام على الفائدة [60] الخاصة يأتي [61] في بيان ألفاظ الحديث إنْ شاء الله تعالى فهي جَمْع [62] كلمة المسلمين، لأنَّه إذا دار الأمر على واحد كان أجمعَ للأمر وأعظمَ للفائدة، لأنَّ في ذلك نكايةً للعدوِّ وعونًا على إقامة أحكام الله تعالى وحدودِه، ولهذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( يَنْتَزِعُ [63] اللهُ بالسُّلطانِ ما لا يَنْتَزِعُ بالقرآنِ ) ).
وأمر بقتال العدو مع كلِّ برٍّ وفاجرٍ مِن الولاة، وأمر بحفظ البيعة وقال: (( وإنْ كَانَ أَسْودَ ذا [64] زَبِيْبَتَيْنِ، مفتوحَ [65] الخَيْشُوْمِ، فاسْمَعْ وأَطِعْ وإنْ ضربَ الظَّهْرَ وأخذَ المالَ ) )فقيل: يا رسول الله: أرأيتَ إنْ ولِّي علينا أمراءُ يطلبونَ مِنَّا حقوقهم ولا يُعْطُونا حُقُوقَنا؟ فقال عليه السَّلام: (( أَعْطُوْهُمْ حُقُوقَهَمْ، واطْلُبُوا حُقُوقَكُمْ مِنَ اللهِ، فإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ) ). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وذلك لِمَا يترتَّب عليه مِنْ عزِّ الإسلام وإظهار الأحكام وقمعِ الأعداء، والتَّشتيتُ يوجب ضدَّ ذلك. وأمَّا الحكمة في وضعها على هذا الأسلوب: على التَّقسيم المتقدِّم وهو تقبيل اليد فلفوائد:
الفائدة الأولى: إنَّ في ذلك تحصيل المقصود بالأمر اليسير [66]
ج 1 ص 43
أولى مِن تحصيلِهِ بالأمر الكثير سيَّما [67] إذا كان مقتضى الأمر مِن عالَمٍ كثير [68] .
الثَّانية: إنَّ بعض الأقوال قد يَصْطَلح [69] صاحبُها في اعتقادِه لأمر ما مخالفًا لِمَا قُصِد منه، وقد اختلف العلماء في المبتدئ للكلام إذا نوى [70] شيئًا ووارى عليه هل يَلزمُه ما نوى أو صيغةُ اللفظ؟ على قولين: فقرَّر الشَّارع عليه السَّلام هذه البيعة بفعل، لأنَّ الفعل إذا ثبت له حكمٌ خاصٌّ مِن الشَّارع عليه السَّلام لم ينفع فيه التَّأويل، ولو جعل صلَّى الله عليه وسلَّم هذه البيعة بأيمان لكان كلُّ واحد [71] مِن النَّاس باختيار نفسِه متى أراد خَرج عن البيعة، لأنَّ الأيمان قد جُعِلت لها كفَّارات، فإذا أراد المبايعُ [72] النقضَ في البيعة كَفَّرَ عن يمينِه وارتفع الإثمُ عنه، فجعل صلَّى الله عليه وسلَّم هذه عهدًا وشبَّهها [73] بالبيع كما ذكرناه، لأنَّ المتَبايعَين ليس لأحدهما خيار دون صاحبه، والعهد ليس فيه ثُنْيا ولا كفَّارة فجعلت هذه البيعة بهذين الوجهَين الشَّديدَيْن تحضيضًا على حفظ فائدة الخاصَّة والعامَّة للمؤمنين.
الفائدة [74] الثَّالثة: إنَّ في ذلك رفع الذِّلة عن [75] المؤمنين، لأنَّه لو كُلِّفُوا أن يقولوا معنى هذه البيعة كما قدَّمناه، وهو أن يقول البائع [76] :قد ملَّكتك قيادي وأنا لك مثل العبد وأنت المتصرِّف فيَّ كيف شئتَ، لكان يعزُّ على بعض النَّاس النطق بذلك، وقد يعجِز بعضهم عنه فرُفِعت تلك الكُلفة بأدنى إشارة وهذا مِن بديع الحكمة: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
وأمَّا قولنا: ولمن تجب؟ على التَّقسيم المتقدِّم فتجب لله ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولمن ولَّاه [77] الله ذلك بمقتضى لسان العلم على ما ذكرناه قبلُ بتوليةٍ أو باجتماع المسلمين عليه.
ج 1 ص 44
وأمَّا قولنا: بماذا تجب؟ على التَّقسيم المتقدِّم فتجِب بالإسلام والذُّكوريَّة [78] والعقل وبلوغ [79] حدِّ التَّكليف، والأهلية للمعرفة بمصالح النَّاس وذبِّ العدوِّ، وخشية الله تعالى.
وأحد الشَّرطين المتقدِّمين: وهي [80] إمَّا بتولية مِن الخليفة أو باجتماع [81] المسلمين عليه، يشهد لذلك قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للصحابة رضي الله عنهم حين ولَّى أسامة وتكلَّم بعضهم فيه فقال: (( إِنَّكُم طَعَنْتُمْ فيه وفي ولايةِ أبيهِ قبلُ، وإنَّه لَجَديرٌ [82] بها لِمَا كانَ فيه مِن الدِّينِ والخشيةِ لله عز وجل والشَّجاعةِ ) )، وأسامة بحيث لا يُجهَل حالُه، كفى له مِن الفضيلة خدمتُه لخير البشر فلم يلحَظ عليه السَّلام كونَه مِن الموالي لمَّا كانت فيه مِن [83] الشروط المتقدِّم ذكرها.
وإنَّما قلنا إنَّها تَجِب بالإسلام لقوله عز وجل: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النِّساء: 141] . ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( الإسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى عَلَيْهِ ) ).
ويترتَّب على هذا النوع مِن الفقه أنَّ مَنْ ولَّاه الله تعالى شيئًا مِن أمور المسلمين كانت التَّولية خاصَّة أو عامَّة أن لا يولِّي عليهم مَن ليس بمسلم، إذ إنَّه لا يجوز بدليل ما ذكرناه مِن الكتاب والسنَّة، وإنَّما اشترطنا (الذُّكورية) فيها [84] لقوله عليه السَّلام: (( مَا أَفْلَحَ قومٌ ولَّوا أَمْرَهم امرأةً ) ).
وأمَّا ما ذكرناه مِن بقيَّة الشروط؛ فلأنَّه خليفةٌ عن [85] الله تعالى ولا يكون خليفةٌ عن الله تعالى حتى تكون فيه أوصاف ينال بها الخوف مِن الله تعالى والمعرفة بأحكامه والقدرة على توفية ذلك.
وأمَّا قولنا: على مَن تجب؟ على التَّقسيم المتقدِّم فتجب على كلِّ ذكَرٍ حُرٍّ [86] بالغٍ عاقلٍ إذا لم يكن في عُنُقه بيعةٌ للغير، وحقُّ البيعة باقٍ عليه؛ لأنَّ النِّساء والصبيان والعبيد تحت حُكم الرجال، لأنَّهم [87] تحت إيالتهم، فبيعة الرِّجال بيعة عنهم وعن [88] كل
ج 1 ص 45
مَن تحت إيالتهم مِن النِّساء والعبيد والصبيان.
فإنْ قال قائل: قد بايع النِّساءُ النَّبيَّ [89] صلَّى الله عليه وسلَّم فيجب اطِّراد ذلك الحكم، قيل له: ذلك خاصٌّ للنَّبيِّ [90] صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّه إنَّما فعل ذلك جبرًا لقلوبهنَّ، لأنَّهنَّ طلبنَ منه البيعة تبرُّكًا، ففعل ذلك جبرًا لهنَّ. ومع أنَّ بيعتَه صلى الله عليه وسلم لهنَّ [91] لم تكن على صفة بيعة الرِّجال بدليل قول عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث مسلم: (( إنَّما [92] كانَتْ بَيْعَتُهُ لَهُنَّ بالقولِ لا باليدِ ) ). ويدلُّ [93] على خصوصيتِه عليه السَّلام بذلك أنَّ الخلفاء رضوان الله تعالى عليهم قد وقعت لهم البَيْعات مرارًا بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يُنْقَل عن أحد [94] أنَّه بايع النِّساء.
وأمَّا شروط الإجزاء فيها على التَّقسيم المتقدِّم فهي ثلاث شروط: قولٌ، وعملٌ، واعتقادٌ.
أمَّا القول: فتسميتها (بيعةً) قَبْلَ تقبيل [95] اليد، ويُجزئ في ذلك لفظُ واحدٍ مِن الجماعة عن الكلِّ مرَّةً واحدةً في ابتداء الأمر إذا كان فعلهم في فَوْرٍ [96] واحد متَّصل.
وأمَّا العمل: فهو تقبيل اليد إِثْرَ القول مِن الكلِّ كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه في _سقيفة الأنصار_حين قال له: مُدَّ يدَك نبايعك، فمدَّ أبو بكر يده فبايعَه عُمَرُ ومَن حضر هناك في ذلك الموطن مِن حينهم، فأغنى لفظ عمر رضي الله عنه مرَّة واحدة عنه وعن كلِّ مَن حضر ذلك الموطن.
وأمَّا الاعتقاد: فهو أن يكون [97] امتثالًا لأمر الله عز وجل ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّها مِن جملة المأمور به [98] شرعًا لا يُراد بها غير ذلك لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ). وعدَّ فيهم: (( رَجُلًا بايعَ رَجُلًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لدُّنْيَا [99] ، فإنْ وَفَى لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ ) ).
وأمَّا قولنا: بماذا تصحُّ؟ على التَّقسيم [100]
ج 1 ص 46
_أعني: بماذا يصحُّ لصاحبها ما أُعِدَّ له مِن الخير ويكون خليفةً حقًا بمقتضى لسان العلم؟ _فهو أنْ يتَّقي الله عز وجل فيما كَلَّفَه وأن يُوفي لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه على مقتضى ما أمره [101] الله تعالى به، ويبذل جهده في نصحِه لمن استرعاه الله تعالى إيَّاه، ويحفظهم ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، لا أنْ يكون [102] له حَظوة عليهم ولا يتكبَّر ولا يتجبَّر ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ) )، وعدَّ منهم [103] الملك العادل.
وكذلك كانت سنَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان [104] يقعد مع الصَّحابة [105] ويحدِّثهم، ويقعد مع الخادم، ويطحَنُ معها، وكذلك كان الخلفاء رضوان الله تعالى عليهم بعده، مِثْلَ ما حُكِيَ عن عمر رضي الله تعالى عنه أنَّه كان يحرس المدينة [106] بنفسِه فخرج [107] في بعض الليالي بعض أصحابه [108] يُعِينه على ذلك، فمرَّ معه ما شاء الله ثمَّ أشار إليه عمر أن اقعُدْ هنا فقعد ينتظره فدخل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه [109] في خَرِبة فعلَّم صاحبه على تلك [110] الخَرِبة، فلمَّا كان مِن الغد أتى تلك الخَرِبة فوجد فيها [111] عجوزًا مُقعدة عَمْياء، فسألها: مَنِ [112] الشخص الذي يأتيك ليلًا وما يَصْنعُ عندك؟ فقالت: لا أعرف إلَّا أنَّ [113] شخصًا يسوق لي [114] غذائي ويُخرِج عنِّي أذاي، فقال في نفسه: أَعَثَراتِ عمرَ تَتَّبِعُ؟.
ومثل هذا عنه [115] وعن غيره مِن الخلفاء كثير، وإنَّما ذكرنا هذه الحكاية إشارةً وتنبيهًا على طريقهم المبارك [116] الذي هو طريق الحق والصراط المستقيم.
وأمَّا قولنا: بماذا تفسد [117] ؟ على التَّقسيم المتقدِّم وهو آخر التَّقسيم فالكلام فيه على نوعين: خاصٌّ وعامٌّ [118] :
فالخاصُّ: هو ما يخصُّه هو [119] في نفسِه مِن أفعالٍ يفعلها فتذهب [120] عنه تلك الخيرات المذكورة قبلُ مع إبقاء الخلافة عليه، وهي [121] أن يفعل شيئًا مِن الظلم أو يُغَيِّرَ حُكْمًا مِن أحكام الله عز وجل أو يجور في الحكم، أمَّا الظُّلم
ج 1 ص 47
فلقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ الظالمَ يُحْشَرُ مغلولَ اليَدَيْنِ إِلَى عُنُقِهِ لا يَفُكُّهُمَا [122] إلَّا عَدْلُه ) ). وأمَّا تغيير الحكم: فلقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِواءٌ عند اسْتِه [123] بِقَدرِ غَدْرَتِهِ، يُنادَى عليهِ هذهِ غَدْرَةُ فلانِ بنِ فلانٍ وكذلك كلُّ مَنْ غدرَ في صغيرة أو كبيرة لواؤه [124] بقدر غَدرتِه ) ). وأمَّا الجَور [125] في الحكم فلأنَّه إذا كان الملِكُ العادلُ أعلى النَّاس منزلة يوم القيامة بمقتضى الحديث، فكذلك أبخس النَّاس منزلة يوم القيامة ضِدُّه وهو الجائر بمقتضى السُّنَّة.
وأمَّا العام الذي يجب على جميع مَن بايعَه به [126] خَلعُهُ مِن تلك البيعة وقَتلُه [127] فهو ترك الصَّلاة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم حين قيل له: (أَرَأَيْتَ إنْ ولِّي علينا أمراءُ فُسَّاق أنقتلهم؟ [128] ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم:(( لا، ما صَلُّوا [129] ) )فكان ذلك [130] دليلًا على أنَّهم مهما صلَّوْا لم يُقتَلوا، ومتى تَرَكوا الصَّلاة قُتِلوا، ولأنَّه قد تقرَّر في الشَّريعة أنَّ مَن ترك الصَّلاة قُتِل، ولا فرق في ذلك بين الآمر [131] والمأمور؛ لأنَّ [132] حكم الله عز وجل يتناول الكُّلَّ، وتارك الصَّلاة مرتدٌّ [133] ، والمرتد كافرٌ، والكافر لا تجوز ولايته على المسلمين كما تقدَّم.
الوجه الثَّاني: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا ) )هذا لفظ [134] عام، لأنَّ (الشيء) يتناول القليل والكثير، وبتخصيص هذا اللفظ افترقت الشِّيع كلها، وبتحقيقِه والعمل على عمومِه بانت [135] الفِرقة المحمَّديَّة النَّاجية مِن تلك الشِّيع كلِّها، يدل على ذلك [136] قوله عليه السَّلام: (( افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ [137] أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُا فِي النَّارِ إلا وَاحِدَةً، مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) ).
فأراد عليه السَّلام هذه [138] البيعة هنا بشروطها لكي تتبيَّن [139] بها طريقُه وطريقُ [140] أصحابه، لأنَّهم المخاطبون بهذه البيعة،
ج 1 ص 48
فتتبيَّن [141] بذلك الفرقة النَّاجية، فمَن تَبِعهم في حقيقة هذا العموم المذكور [142] كان منهم، وإلَّا كان مِن [143] المخالفين [144] لهم بحسب تخصيصه لذلك العموم كان قليلًا أو كثيرًا، فعلى هذا فتحتاج [145] إذًا إلى بيان بعض هذه الطرق الفاسدة، وكيف تخصيصُهم لذلك العموم ليتبيَّن بذلك ما عَدَاهم مِن أهل الطرق الفاسدة.
ولولا التَّطويل لذكرناهم قِسمًا قِسمًا، ولكن بالمثال لمن له نظر يتبيَّن له الباقي مع أنَّه لا بدَّ لنا مِن بيان الطريق المحمَّدي، وتبيين الفرقة النَّاجية، وبتبيينِ ذلك يتبيَّن [146] ما عداه مِن أنواع المخالفات، ولكن نذكر منها شيئًا زيادة بيان وإيضاح لفساد مذاهبهم وكيفية سوء اعتقادهم.
فمِن جملة الشِّيع المخصِّصَة لهذا [147] العموم الذي [148] به مَرقوا مِن الدِّين: هم (القَدَرِيَّة) ، لأنَّهم يقولون بخَلْق أفعالهم وهذا منهم خطأ واضح بدليل النَّقل والعقل.
أمَّا العقل: فقد أجمع العقلاء على أنَّ خالق الوجود واحدٌ ليس له ثان.
وأمَّا النَّقل: فقوله عز وجل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] . وهم قد جعلوا لله تعالى شركاءَ عددًا لا يحصره إلَّا هو عز وجل، فلم يحصل منهم الإيمان بمقتضى هذا العموم، ولأجل ذلك بكى عليه السَّلام حين ذكرهم وقال: (( يَحْقِرُونَ [149] صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لاَ [150] يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ) )وسمَّاهم: (( مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ) ).
ومنهم (الجبريَّة) : لأنَّهم يقولون بأنْ لا أفعالَ لهم، وأنَّهم مُجْبَرون على الأفعال كلها دِقِّها وجلِّها، ولا تأثير لفعلهم في شيء منها، ويقولون بأنَّ الله تعالى إذا عذَّبهم على المعاصي فهو ظالمٌ لهم، لأنَّهم في زعمهم لم يفعلوا شيئًا، وهذا منهم جحد للضرورة وتكذيب للتنزيل [151] .
فأمَّا جَحْد الضَّرورة فهو ما
ج 1 ص 49
يتصرَّفون فيه بحواسهم واختياراتهم ونحن نشاهد ذلك منهم عَيانًا، وأمَّا التَّنزيل فقوله عز وجل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: 17] . وقوله عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63 - 64] . فأثبت عز وجل الفعل للعبد، وأثبت الفعل لنفسِه معًا.
فأمَّا ما هو مِن فعل العبد فهو أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذ غَرْفة مِن ترابٍ بيده ثمَّ رماها وهذا حقيقة فعلٍ مِن البشر مَرئيٍ محسوس [152] .
وأمَّا ما هو مِن فعل الربِّ عزَّ وجلَّ فهو أنَّ تلك الغَرْفة ليس للبشر قوَّة على إيصالها [153] إلى جميع أعين الأعداء، وقد وصلت لجميع أعينهم حتى أوقعت [154] الهزيمة فيهم.
يُبيِّن هذا المعنى ويزيده إيضاحًا قوله عز وجل: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: 30] . فأثبت عز وجل لنفسِه المشيئة [155] ولخَلقِه مشيئةً، لكنَّ مشيئة خَلقِه لا تتمُّ إلَّا بمشيئتِه عز وجل، هذا ما هو مِن طريق النقل والمشاهدة.
وأمَّا مِن طريق العقل والنَّظر فما يجد الإنسان في نفسِه مِن الفرح [156] إذا شاء [157] شيئًا فساعَدَتْهُ القدرة على بلوغه ففرح [158] بذلك لنفوذ مشيئتِه وبلوغ أملِه، فإذا شاء شيئًا ولم تساعده [159] القدرة على نفوذه حزِنَ لعدم نفوذ مشيئته، فهذا أدلُّ [160] دليل على أنَّ للعبد مشيئة [161] ، وما جعل الله عز وجل لعبيده [162] مِن المشيئة، وربط الأسباب بالمسبَّبات، وربط العوائد في بعض الأشياء بما جرت فهو أثرُ حكمتِه، وحكمتُه عزَّ وجلَّ وصفٌ قائم بذاتِه فإنكارُهم لهذه الصفة تخصيص لذلك العموم.
ومنهم (الْمُجَسِّمَةُ) : لأنَّهم يقولون بالجِسم والحلول، ومُعْتَقِدُ هذا لا يصحُّ منه الإيمان [163] بعموم اللَّفظ المذكور في الحديث، لأنَّه لا يصحُّ الإيمان بمقتضى لفظ الحديث حتَّى يصحَّ الإيمان به عز وجل بمقتضى
ج 1 ص 50
ما أخبر به عزَّ وجلَّ عن نفسِه حيث يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . و (شيء) ينطلق على القليل والكثير وعلى كلِّ الأشياء [164] ، فمَن خَصَّصَ هذا العموم وهو قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . لم يصحَّ منه الإيمان بعموم لفظ الحديث وإن ادَّعاه، لأنَّ مَن لا يعرف معبودَه كيف يصحُّ له الإيمان به؟ وذلك [165] محال.
ثمَّ نرجع الآن إلى البحث معهم في بيان اعتقاداتهم الفاسدة بإشارة النَّاظر [166] فيها بالتناصف تكفيه فنقول: [167] ادِّعاؤهم الجسمانيَّة والحلول _تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوَّا كبيرًا_ لا يخلو أن يدَّعوا [168] ذلك مِن طريق المشاهدة، أو مِن طريق الأخبار، أو مِن طريق القياس بالنَّظر العقليِّ ولا رابع.
فإن ادَّعوا المشاهدة فذلك باطلٌ بالإجماع ولا مخالف [169] فيه، لا بَرٌّ ولا فاجرٌ، وإن ادَّعوا الأخبار وتعلَّقوا بقولِه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . فباطلٌ أيضًا، لأنَّ هذا اللفظ مُحْتَمِلٌ لأربعة مَعانٍ وتأويلهم الفاسد خامس لها فكيف تقوم لهم حجة بلفظ محتَمِل لخمسة مَعانٍ، والحجَّة لا تكون إلَّا بدليل قطعي، ومع ذلك الأربعة [170] معان لها دلائل تقوِّيها وتوضِّحها مِن طريق [171] النقل والعقل؟ وتأويلهم الفاسد عليه [172] دلائل تُضعِفُه مِن طريق العقل والنقل [173] ، وكيف يكون المرجوح دليلًا يُعمل به ويُترك الرَّاجح؟ هذا مِن أكبر الغلط، ثمَّ نذكر الآن تلك الوجوه وما يشهد لها مِن طريق العقل والنقل [174] .
فأوَّلها: أنَّه قيل في معناه عَمَدَ إلى خَلْق العرش كما قال عز وجل: {ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] . أي عَمَدَ إلى خَلْقها، والحروف في لسان العرب سائغ إبدال بعضها مِن بعض، يدلُّ على ذلك قوله عليه السَّلام في حديث الإسراء: (( فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادسةِ ) )_يريد: (إلى السَّماء السَّادسة) _وسنذكر ذلك في موضعِه إنْ شاء الله تعالى، ونشير هناك إلى شيءٍ مِن فساد مذاهب الشِّيع كلِّها، ونشير
ج 1 ص 51
إلى بيان طريقة [175] الفرقة النَّاجية في سلامة اعتقاداتهم.
الثَّاني: [176] قيل في معناه السُّمُوُّ والرِّفعة كما يقال: علا القومَ زيدٌ، أي: ارتفع، ومعلوم أنَّه لم يستقرَّ عليهم قاعدًا، وكما [177] يقال عَلَتِ الشَّمس في كبد السَّماء أي: ارتفعت وهي لم تستقرَّ، يشهد لذلك قول جبريل [178] عليه السَّلام للنَّبيِّ [179] صلَّى الله عليه وسلَّم حين سأله: (( هَلْ زَالَتِ الشَّمْسُ؟، فقال جبريل [180] عليه السَّلام: لا، نعم. فقال له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لم قلتَ: لا، ثمَّ قلتَ: نعم؟ فقال: بينما قلتُ لكَ لا، جَرَتِ الشَّمسُ مسيرةَ خمسمائةَ سنةً [181] ) )، وقد نصَّ الله تعالى على ذلك في كتابه العزيز [182] حيث قال: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لها» . على قراءة مَن قرأها بالنفي.
الثَّالث: قيل في معناه: الحكم والقهر، كمَا يقال: استوى زيد على أرض كذا، أي: مَلَكَهُم وقَهَرَهُم.
الرَّابع: قيل: إنَّه اسم مِن أسماء الله تعالى، ولم يصحَّ اسمه بذلك حتى تمَّ خَلْق العرش فسُمِّيَ بهذه الجملة، كما سمَّوا الرجل بِبَعْلَبَكَّ، وكربِّ [183] العالمين، فلم يصحَّ هذا الاسم إلَّا بعد تمام الخلق. ومعنى (لم يصح) : أي لم يصحَّ فَهمُه عندنا كما هو مِن أسمائه تعالى مغايرٌ [184] لِمَا غايَرَه ولم يصح اسمه به [185] إلَّا بعد ظهور الخلق. وقد قال بعض الصُّوفية في معنى هذا اللفظ شيئًا وهو حسنٌ لولا ما فيه مِن تكليف [186] مِن جهة العربية، فقال: (الرَّحمنُ عَلَا) ، ووقف [187] هنا، ثمَّ قال: (العَرْش استوى) .
الخامس: ما ذهبوا إليه بتأويلهم الفاسد مِن أنَّ الموضع يقتضي الحلول والاستقرار، فانظر إلى هذا النظر الفاسد كيف يصحُّ مع هذه الوجوه الظاهرة؟! وكيف يصحُّ مع مقتضى لسان العربية التي تقتضي [188] الحقيقة والمجاز؟ فجعلوا هذا حقيقة لا تقتضي [189] المجاز، ولم ينظروا إلى دليل يخصِّص [190] أحدَ الوجهين الحقيقة أو المجاز، فَضَعْفٌ مركَّبٌ
ج 1 ص 52
على ضعف، وكيف يسوغ اعتقاد هذا الوجه المرجوح مع عموم قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ؟ [الشورى: 11] . كفى بعموم هذه الآية دليلًا على أنَّ [191] ما تأوَّلوه ليس بحقيقي، فأبطلوا نصًا لا يحتمل التَّأويل، وعمومًا لا يحتمل التَّخصيص وهو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . بأحدِ خمسٍ محتَمَلات على ما تقدَّم وهو مرجوحها [192] .
وأمَّا ما احتجَّ به بعضهم لمذهبهم الفاسد بما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى لمَّا أن سُئِلَ عن حقيقة (الاستواء) ما هو؟ وكان مِن بعض جوابه [193] هذا مُشْكِل، وليس [194] لهم في ذلك حجَّة؛ لأنَّه سُئل عن تحقيق شيءٍ محتمِل لأربعة أوجه صحيحة وهي ما ذكرناه أولًا، فأجاب: بأن قال: هذا مشكلٌ؛ لأنَّ تخصيص أحد تلك المحتَمَلات الأربعة وكل واحد منها صحيح فترجيح أحدها على الثلاثة بغير دليل هو المُشْكِل، وكان [195] تأويلهم على الإمام فاسدًا بغير ما ذهب إليه الإمام كما تأوَّلوا ذلك في الكتاب فاسدًا.
وأمَّا ما احتجُّوا به لمذهبهم الفاسد بقول ابن أبي زيد _رحمه الله تعالى_ في العقيدة التي ابتدأ «الرِّسالة» بها بقوله: (وأنَّه فوقَ عرشِه، المجيدُ بذاتِه) ، فلا حجَّة لهم فيه أيضًا [196] ، لأنَّهم خفضوا [197] (المجيد) وجعلوه صفة (للعرش) وافتَروا على الإمام بذلك، والوجه فيه رفعُ (المجيد) ؛ لأنَّه قد تمَّ الكلام بقولِه: فوق عرشِه، (والمجيدُ بذاتِه) كلام مستأنَف وهو مِن غاية التَّنزيه؛ لأنَّ مجدَ الله تعالى بذاتِه لا مكتَسَبًا، ومجدُ عباده مكتَسَب، فافتروا على الإمام هنا كما افترَوا على الآخر هناك، وكيف يجوز مِن طريق الدِّين والعقل [198] لمن له عقل أن يقول [199] في لفظ محتمِل لوجهين [200] مِن طريق العربية أن يقول عن أحدهما وهو الفاسد: هذا [201] أراد القائل، وهذا ممنوع شرعًا، لأنَّ المؤمن لا يُحْمَلُ [202] عليه السُّوء
ج 1 ص 53
بالاحتمال، وإنَّما يُحْمَلُ الأمر على أصلحه وهو الأليق [203] ، أو يُحْمَل على ظاهره وهو [204] الاحتمال للوجهين معًا وهو أقلُّ المراتب.
وأمَّا البحث معهم مِن طريق العقل والنظر فلا يخلو أن يدَّعوا أنَّ لهم على ذلك دليلًا مِن طريق العقل والنظر أم لا، فإن ادَّعوا ذلك فهو منهم افتراء، لأنَّ أهل العقل قد أجمعوا على أنَّ موجد الوجود [205] غيرُ محتاج لِما أوجدَه، لأنَّه لو كان محتاجًا لَمَا أَوْجَدَه كاحتياج مَن أوجده إليه لاستويا، ولم يكن للموجِد تفرُّد بالكمال دون مَن أَوْجَدَه وذلك محال.
ثمَّ لا يخلو على زعمهم في [206] الانتقال والاستقرار أن يدَّعوا أنَّه عزَّ وجلَّ كان قبل خلق العرش على شيء آخر غيرِهِ [207] ، أو كان [208] غير شيء، فإن ادَّعوا أنَّه كان على شيء لَزِمهم أن يكون قبل ذلك الشيء شيء، وقبل ذلك الشيء شيءٌ إلى ما لا نهاية له [209] ، وهذا باطل بالإجماع والعقل، ثمَّ لا يخلو أن يدَّعوا أنَّه لم يزل على شيء، أو أنَّه كان على غير شيء، وبعد ذلك انتقل على [210] تلك الأشياء مِن بعضها إلى بعض، فإن ادَّعوا أنَّه لم يزل على شيء لزمهم مِن ذلك سَبْقُ المخلوق للخالق وذلك مستحيل إجماعًا وعقلًا ونقلًا وشرعًا.
وإن ادَّعوا أنَّه سبحانه كان أولًا على غير شيء، ثمَّ انتقل إلى تلك الأشياء بعضها بعد بعض فلا يخلو أن يدَّعوا أن يكون انتقاله إليها احتياجًا أو غير [211] احتياج.
فإن ادَّعوا أنَّ ذلك كان للاحتياج [212] فقد سقط البحث معهم؛ لأنَّهم نَفَوا [213] ما يليق بصفة الرُّبوبيَّة من الجلال والكمال، ورجع محتاجًا كسائر المخلوقات وذلك مُحَالٌ بالإجماع مِن كل الطَّوائف مِن [214] المتكلِّمين وأهل العقل والنظر في حقِّ الباري جلَّ جلاله.
وإن ادَّعوا أنَّ ذلك كان لغير احتياج لزمهم ِمن ذلك أنَّهم وصفوه عز
ج 1 ص 54
وجل بصفة النقص، لأنَّ ما يُفْعل لِغَيْرِ احتياج كان عَبَثًا وهذه صفة النقص _وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا_.
فإن ادَّعوا أنَّ ذلك كان لغير احتياج ولا عبث، وإنَّما كان ذلك [215] لوجه ما مِن الحكمة كما خلق الخَلْق وهو غير محتاج لهم وليس خَلْقُهم عبثًا، قيل لهم [216] : الحكمة في الخَلْق قد بانت، وهي [217] ما أراد الله عز وجل مِن تبيين أهل الشَّقاء وضدِّهم، وإظهار أوصاف القدرة التي ليس للعبيد [218] اتصالٌ إليها ولا معرفة بها إلَّا بالاستدلال بما ظهر من آثارها، وما يدَّعونَه ليس [219] للحكمة هناك دليل على ما ادَّعوه، بل الحكمة تقتضي ضدَّ ذلك لأنَّ مَن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ينبغي بدليل الحكمة أنَّ مَن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] أن لا يَحُلُّ في [220] شيء، ولا يَحُلُّ فيه شيءٌ [221] ، ولا يخالِطُه شيءٌ لعدم [222] التَّناسب، فقد بان بُطلان ما ذهبوا إليه في هذه الثَّلاثة وجوه ولا رابع.
وممَّا يزيد ذلك بيانًا قول سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لمَّا قَضَى اللهُ الخلقَ كتبَ في كتابٍ [223] فهو عِنْدَهُ فوقَ العرشِ: إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ [224] غَضَبِي ) )فيؤخذ مِن قولِه أنَّ الكتاب الذي كُتِب فيه هو [225] فوق العرش: أنَّ حكمتَه جلَّ جلاله اقتضت أنْ يكون العرشُ حامِلًا ومستودَعًا لِمَا شاء مِن أثر حكمتِه [226] وقدرتِه وغامض غَيبِه ليستأثر هو [227] جلَّ جلاله بذلك مِن طريق العلم والإحاطة عن جميع العالم كلِّه، فيكون ذلك مِن أكبر الأدلة على انفرادِه بعلم الغيوب الذي لا يعلم مفاتحها [228] إلَّا هو.
وقد يكون هذا الحديث تفسيرًا لقوله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . أي: أنَّ ما شاء [229] مِن أثر قدرتِه [230] وكتابِه هو الذي استقرَّ على العرش، لا ذاته الجليلة، ولو أراد ذلك لنعته [231] بالمصدر كما فعل في كلامه عزَّ وجلَّ حيث قال: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: 164] . فأكدَّه ونعته [232] بالمصدر، لأنَّ العرب تقول: جاء
ج 1 ص 55
زيد، ويعنون [233] خبَرَه أو [234] كتابَه، فإذا أرادوه بذاتِه قالوا: جاء زيد نفسُه، فأثبتوا بذلك الحقيقةَ حقًا، فذهب ما زعموه بنظرهم [235] الفاسد والحمد لله.
وأمَّا [236] ما ادَّعوه مِن (التَّجسيم) وتعلَّقوا [237] فيه بظواهر آيٍ وأحاديث، فليس [238] فيه حجَّة بدليل ما يتفصَّل به إن شاء الله تعالى. فمن جملة ما تعلَّقوا بظاهره بحسب نظرهم الفاسد قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( حتى يَضَعَ الجبَّارُ فِيْهَا قَدَمَهُ ) )وفي رواية: (( سَاقَهُ ) )، قال علماء أهل السنَّة: في معنى هذا اللفظ عشرة أوجه، ونحن نذكر بعضها لكي يتبيَّن فساد ما ذهبوا إليه بها، وقد ذكرها _أبو البقاء_ في كتابه وغيره من الفقهاء.
فمِن جملة [239] ما قالوا فيه: وهو أظهرها وأرجحها أنَّهم نقلوا عن أهل اللغة [240] أنَّ (الكافر) عندهم يسمَّى (قَدَمًا) ، فإذا كانت هذه اللغة فكيف يعرجون عنها إلى غيرها؟! كفى بهذا الوجه الواحد ردًا عليهم.
ومنهم مَن قال: كما أنَّه [241] سُمِّي الحجر الأسود (يمين الله) ، وهو حجر مَرْئيٌّ مشاهَد لا خفاء فيه، لكن لمَّا أنْ كان مَن لَمَسَ [242] الحجر رُحِمَ وشهد [243] يوم القيامة لِلامسِهِ على ما جاء الخبر به سُمِّيَ (يمين الله) لكونِه رحمة، فكذلك لمَّا [244] كان ذلك موضع الغضب سمِّي [245] (قَدَمًا) ، فلو لم يكن نقل اللغة وكان الموضع يحتمل عشرة أوجه مثل هذا الذي ذكرناه [246] ، وما أشبهه وتأويلهم الفاسد أحدها على زعمهم كيف يسوغ أن يجزم بواحد دون التسعة [247] مع أنَّه هو أضعفُها؟ لأنَّه [248] ينافي التَّنزيه ويخصِّص عموم قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، وكيف يخصَّص نصٌّ بمحتمل [249] كفى بهذا دليلًا [250] في الردِّ عليهم، فكيف واللغة لا تحوج إلى [251] ذلك؟
ثمَّ مع ذلك يَرِدُ عليهم قوله تعالى عن المؤمنين: {أَنَّ [252] لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] ،
ج 1 ص 56
وقد وقع الإجماع مِن أهل العقل والنقل [253] أنَّ ذلك بالمعنى لا على ظاهره، فإنْ هم [254] تأوَّلوه كما تأوَّل [255] الكافَّة لزمهم أن يتأوَّلوا الآخر ويعتقدوه كما فعل الكافَّة، وإنْ هم حملوه على ظاهره وقالوا: بأنَّ (الصدق) جسد مجَسَّد وقدمه عند الحق سبحانه وباقيه عند المؤمنين، فقائل هذا لا خفاء في حمقِه، فالبحثُ معه [256] قد سقط.
والكلام معهم على رواية (السَّاق) مثله أيضًا، لأنَّ السَّاق ينطلق [257] في اللغة على أشياء غير واحدة، لأنَّهم يقولون: ساقٌ مِن جَراد، وساق مِن قوم [258] ، ويقولون: (السَّاق) ويريدون [259] الجَّارحة، والأظهر في هذا الموضع واللائق [260] به أن يكون المراد بالسَّاق (عددًا مِن الكُفَّار) ، فإذا كمُلوا فيها يقولون [261] : قَطْ قَطْ، فبان فساد ما ذهبوا له [262] بما ذكرناه وفيه كفاية هذا البحث معهم مِن طريق النقل.
وأمَّا البحث معهم مِن طريق العقل، ولو [263] كان ما زعموا حقًَّا لَمَا صحَّ تعذيب أهل النَّار، ولا حُجبوا عن الله تعالى، وقد حصل لهم العذاب والحجاب، لأنَّه لو كان ذلك حقًا على زعمهم لكان أهل النَّار في النَّعيم حين وضع القدم، ولشاهدوا [264] الذَّات الجليلة كما شاهدها [265] أهل الجنَّة، لأنَّ مشاهدة الحق لا يكون معها عذاب، وقد أخبر تعالى أنَّهم محجوبون، لأنَّ الرُّؤية [266] مع العذاب لا تُمكن فبان بطلان ما زعموا بدليل النقل والعقل [267] .
وأمَّا ما زعموا مِن (اليد) وتعلَّقوا [268] في ذلك بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [269] } [يس: 71] . إلى غير ذلك مِن الآي والأحاديث التي جاءت بالنَّصِّ في هذا المعنى فليس لهم فيه حجَّة أيضًا، لأنَّ (اليد) عند العرب تنطلق على أشياء غير واحدة، فمنها [270] الجارحة، ومنها النعمة،
ج 1 ص 57
لأنَّهم يقولون: لفلانٍ على فلانٍ يدٌ، يريدون به [271] النعمة، ومنها القوة، لقولهم: لفلان [272] في هذا الأمر يدٌ، يريدون به [273] : معرفة به وقوَّة عليه، وكذلك ما أشبه هذه الأوجه وهي عديدة فكيف يحقِّقون أحد محتَمَلات في اللغة ويجزِمون به مع أنَّه مُنَافٍ لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ؟ [الشورى: 11] . فبان بطلان ما ذهبوا إليه بدليل ما ذكرناه مِن [274] النقل.
وأمَّا البحث معهم من طريق العقل: فلأنَّ الملوك في الدنيا لا يفعلون بأيدهم شيئًا، والذين يفعلون بأيدهم إنَّما هم رعاع [275] النَّاس، وهذا مُنَافٍ للعظمة والجَّلال فبان بُطلان ما ذهبوا إليه مِن طريق العقل أيضًا.
وأمَّا ما زعموا مِن (الوجه) وتعلَّقوا في ذلك بغير ما آية وغير ما حديث فليس لهم [276] فيه حُجَّة أيضًا، لأنَّه يَحْتَمِل في اللغة معانيَ عديدة فمنها: الجَارحة، ومنها: الذَّات لقولهم: وَجْه الطريق يريدون ذاته، ومنها الحقيقة لقولهم: وَجْهُ الأمر أي: حقيقتُه وما أشبه هذا المعنى وهي عديدةٌ، فكيف يأتون بشيء [277] محتَمِل لأوجه عديدة في اللغة فيأخذون [278] بأحد المحتَمَلات ويجزمون به؟ ذلك باطل لا خفاء فيه.
وبعدَ [279] بُطلان ما ذهبوا إليه بما ذكرناه يَرِدُ عليهم قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 115] .
فإن حَملوه على ظاهره وهي الجَارحة فيكون الوجه قد أحاط بجميع الجهات فلم يبقَ للذَّات محلٌّ [280] وهذا باطل بإجماع أهل النقل والعقل، وإنْ هم تأوَّلوه لزمهم التَّأويل في الآخَر وكذلك أيضًا يَرِد عليهم [281] قوله عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ،فإن هم وقفوا أيضًا في [282] هذه الآية مع [283] ظاهرها فقط سقط بحثهم مرَّة واحدة؛ لأن الذَّات الجليلة بالإجماع لا تفنَى [284] ولا تتجَدَّد،
ج 1 ص 58
وإن هم خرجوا عن الظَّاهر وحادوا [285] إلى التأويل لزمهم نقض ما ذهبوا إليه في الوجه الآخر، ولزمهم الرُّجوع إلى التأويل فيه [286] الحقيقي الذي يليق به تعالى، وهو أنَّه يعود على [287] الذَّات الجليلة لا على الجارحة، والاعتراضات واردة عليهم كثيرة وفيما أبديناه كفاية مع أنَّ قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . ينفي ذلك كلَّه ويبقى مذهب أهل السنَّة لا غير.
وأمَّا ما زعموا من (الجسمانيَّة) وتعلَّقوا [288] في ذلك بظاهر قوله عليه السَّلام: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ) )إلى غير ذلك مِن الآي والأحاديث التي جاءت في هذا المعنى فليس لهم فيها [289] حجَّة أيضًا، لأنَّ ذلك في اللغة مُحْتَمِل [290] لأوجُهٍ عديدة كقولهم: جاء زيد يريدونك ذاتَه، ويريدون: غلامَه، ويريدون: كتابَه، ويريدون: خبره، (والنُّزول) مثله كقولهم [291] : (نزل المَلِك) يريدون: ذاته، ويريدون: أمره، ويريدون: كتابه، ويريدون: نائبه، فإذا أرادوا أن يخصِّصوا الذَّات قالوا: نفسه، فينعتونَه بالمصدر [292] ، فيؤكِّدونه، وحينئذ ترتفع تلك الاحتمالات، ولذلك قال جلَّ جلاله في كتابه العزيز [293] : {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: 164] . فأكَّده [294] بالمصدر رفعًا للمجاز، فلو قال الشَّارع عليه السَّلام هنا: [295] ينزل ربُّنا نفسُه [296] أو ذاتُه، أو أكَّده [297] بالمصدر لكانَ الأمر [298] ما ذهبوا إليه، ولكن لمَّا أنْ ترك [299] اللفظ على عمومِه ولم يؤكِّده [300] بالمصدر دلَّ على أنَّه لم يُرِد الذَّات، وإنَّما أراد نزول رحمةٍ [301] ومَنٍّ وفضْلٍ وطَوْلٍ على عباده، وشِبهُ هذا معروف عند النَّاس، لأنَّهم يقولون: تنازل الملِكُ لفلان [302] وهم يريدون: كثرة إحسانِه إليه وإفضاله عليه، لا أنَّه نزل [303] إليه بذاتِه وتقرَّب إليه بجسده، فهذا مُشَاهَدٌ في البشر فكيف بمن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . لقد أعظموا على الله [304] الفِرْية.
وأمَّا ما زعموا ِمن (الأصابع) وتعلَّقوا في ذلك [305] بما روي في الحديث: (( أنَّ السَّمَاءَ تَكُوْنُ يومَ القيامةِ [306]
ج 1 ص 59
عَلَى أُصْبُعٍ واحدٍ، والأرض عَلَى أُصْبُعٍ واحدٍ )) _الحديثَ بكماله_ فليس لهم فيه حُجَّة أيضًا، لأنَّه محتَمِل في اللغة لأوجه عديدة، لأنَّ العظمة تُسْتَعَارُ [307] لها: اليد كما قال: بيد عَظَمَته، وبيد قدرته فكَنَى هنا [308] عن بعض أجزاء العَظَمة وعن بعض أجزاء القدرة بالأصبع، لأنَّ أضعف [309] ما في اليد: الأصبع فَصَرَّح هنا بأنَّ بعض أجزاء القدرة وبعض أجزاء العظمة هي الفاعلة لِمَا ذكر [310] وإنْ كانت العظمة والقدرة لا يتجزَّآن [311] .
لكن هذا تمثيل لمن له [312] عقل، لأنَّ الْمُتَحَيِّز لا يُعرَف إلَّا متحيزًا [313] فضُرِب له مَثَل بما يتوصَّل الفهم إليه حتى تحصل له معرفة بعظيم [314] القدرة، ولا يلزم مِن المثال أن يكون كالممثَّل [315] مِن كلِّ الجهات، فبطل ما ذهبوا إليه بدليل ما ذكرناه.
ثمَّ بعد ذلك يَرِد عليهم قوله عليه السَّلام: (( ما مِنْ قلبٍ إِلَّا وهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ) )ومعناه عند أهل السنَّة: بين أَمْرَين مِن أمرِ الرَّحمن، فإنْ هُم تأوَّلوه كما تأوَّله [316] أهل السنَّة لزمهم التَّأويل في الآخر، وإن هُم [317] حملوه على ظاهره لزمهم أن [318] يقولوا: بأنَّ أصابع الرَّحمن عددُ الخَلْق مرَّتَين، لأنَّ ما مِن عبد إلَّا [319] بين إصبعين، وأن الذَّات الجليلة تخالط ذوات العبيد بأجمعهم، ومعتقِد هذا لا خفاء في حمقِه ولا شكَّ فيه والبحث [320] معه قد سقط.
فانظر إلى هذا العمى الكلِّيِّ الذي مَرَقوا به مِن الدِّين كيف منعوا به فائدة ما احتوى عليه قوله عزَّ وجلَّ: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
ج 1 ص 60
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ* ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: 9 - 12] .
وقد أخبر الشَّارع عليه السَّلام أنَّ في هذه الأرض الواحدة [321] ألف عَالَمٍ، فإذا كان هذا العالَمُ كلُّه في هذه [322] الأرض الواحدة فكم في الأَرَضين الأُخَرِ، وفي السَّموات [323] السَّبع وما بينهما؟ وقال عزَّ وجلَّ في خلق هذا كله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] . أي: مِن تعب.
وفائدة مدلول هذا [324] والإخبار به: إنَّما هو [325] أن يُعلَم أنَّ هذا الخلق كلَّه بعِظَمِه وكثرة ما فيه مِن [326] المخلوقات في هذا القدر مِن الزَّمان لا يمكن أن [327] يكون بجارحة ولا آلة، هذا [328] ما هو مِن طريق النقل.
وأمَّا مِن طريق العقل والنَّظَر فهو أنَّ العمل إذا كان بجارحة لا يكون إلَّا بعضُه يتلو بعضًا، ولو [329] كان ذلك كذلك لاستحال أن يكون ذلك الخَلْق العظيم المذكور في هذا الزَّمن القليل وهو ستَّة أيَّام.
ووجهٌ آخر أيضًا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌ ومُدْرَكٌ [330] وهو أنَّ الجَّارحة التي تعمل الكثيف لا تستطيع أن تعمل [331] الرَّفيع.
ومثالُه الذي يعمل في الحلفا [332] أو في الفاعل [333] وما أشبههما [334] إن مدَّ يده للخَزِّ أو الحرير أو الرَّفيع مِن [335] الكَتَّان أتلفه أو أهلكه [336] مرَّة واحدة، فكيف يفعل فيه شيئًا يكون فيه فائدة؟ وكذلك الآلة التي تُعْمَلُ بها [337] الأشياء، لأنَّ الآلة التي يُعمَل بها الرَّفيع لا يُعمَل بها [338] الكثيف، ومثال [339] منشار المِشط لا يتأتَّى أن يُنْشَر به الخشبة، وكذلك جميع الآلات لا يجزئ بعضها عن [340] بعض، لا يجزئ الكثيف عن الرَّفيع، ولا الرَّفيع عن الكثيف [341] ،وقد
ج 1 ص 61
شاهدنا في المخلوقات مثل البعوضة والفيل إلى غير ذلك مِن اللطيف والكثيف مع كثرتها، فكثرتها [342] مع اختلاف أنواعها في قِصر الزَّمن المذكور أدلُّ دليل على ما ذكرن