فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 363

حديث: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه

280 -قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْه ... ) الحديثَ [1] . [خ¦7006]

ظاهر الحديث يدلُّ على فَضْل [2] عُمَر رضي الله عنه، وما خصَّه الله به مِن العلم. والكلام عليه مِن وجوه:

منها أن يُقال: مَا معنى هذا العلم الذي خُصَّ به عمر رضي الله عنه، وقد جاء أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال [3] : (( أنا مَدِينةُ الشَّجاعةِ وعُمَرُ بابُهَا، وأنا مَدِينةُ العِلْم وعليٌّ بابُهَا ) )فهل بين هذين الحديثين تعارض؟ وهل لهما وجه يجتمعان به؟

فاعلم _ وفَّقنا الله وإيِّاك _ أنَّ هذين الحدِيْثَين ليس بينهما تعارض، وأنَّ أحدهما يقوِّي الآخر، وذلك أنَّ العلم في الشَّريعة علمان:

أحدهما: العلم بقواعد الشريعة وفروعها وأحكامها

ج 4 ص 290

واستنباط ذلك مِن الكتاب والسنَّة، وفهم ذلك بالنُّور الذي يهبُه [4] الله مَن يشاء مِن خلقه، وهؤلاء هم ورثة الأنبياء عليهم السَّلام، وهذا هو العلم الذي خُصَّ [5] عليٌّ رضي الله عنه بالزيادة فيه عَلى غيره مِن الخلفاء، بحسب مَا شهد لَه به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: (( أَعُوذُ باللهِ مِن مُعْضِلةٍ لا يَحْضُرُها عليٌّ ) )، وإن كان الكلُّ رضي الله عنهم بذلك علماء، لكن خُصَّ عليٌّ رضي الله عنه بالزِّيادة فيه.

والعلم الثاني: هُو العلم بالله وَعظيمِ قدرته وَجلاله، والعلم بأنَّه هو الغالب عَلى أمره، وهذا العلم لا تُعْلَم حقيقته حتَّى يكون للعالم [6] به العلمُ به حالًا، وهم القليل مِن الناس، كما أخبر الله عزَّ وجلَّ في كتابه حيث يقول: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] وإنْ كان الصَّحابة والخلفاء رَضي الله عنهم أجمعين يعلمون ذلك حقيقة، لكنْ أعطى [7] الله عزَّ وجلَّ لعمرَ رضي الله عنه في ذلك زيادةً، وَتلك الزِّيادة هي الَّتي أوجبت له الشَّجاعةَ في الدِّين حتَّى شهد له بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: (( أنا مدينة الشَّجاعة وعُمَرُ بابُهَا ) ). ولم [8] يَعنِ صلَّى الله عليه وسلَّم الشَّجاعة الَّتي هي في القتال في مقارعة الأبطال؛ فإنَّ مَا خَصَّ الله عزَّ وجلَّ به سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم في هَذا لا يَقدِر أحدٌ أن يكون لها بابًا كما رُوي عنه عليه السَّلام في ذلك أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون [9] إذا اشتدَّ

ج 4 ص 291

القتال: (( الشُّجَاعُ منَّا الذي يتَّقي به ) )وتلك الزِّيادة التي أوجبت له الشَّجاعة هي التي أوجبت له أن يُسمَّى فاروقًا، لأنَّ يوم إسلامه فَرَّق الله عزَّ وجلَّ فيه [10] بين الحقِّ والباطل، وعُبِدَ الله جهرًا، وَأعلى الله تعالى بِه كلمةَ الحقِّ وَمنارَهُ، كَما هو الحديث المأثور في ذلك، فظهر بما [11] أبديناه كيفية اجتماع الحدِيْثَين [12] ، وَتقوية أحدهما الآخر.

وهنا بحث وَهو أن يُقال: مَا هي الحكمة بأنْ تأوَّل سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم اللَّبنَ بالعلم الذي أشرنا إليه قبلُ [13] ؟ والجواب: أنَّه إنَّما فعل ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم اعتبارًا بالَّذي تبيَّن [14] له أوَّل الأمر، فأخذ اللَّبن حين أُتيَ بِقدحَين، قَدَحِ خمر وقَدَحِ لبن، فخُيِّر أن يأخذ أيَّهما شاء عند مولده عليه السلام، فقال له جبريل عليه السَّلام: قبضتَ عَلى الفطرة، لو أخذتَ الخمر غَوَتْ [15] أَمَّتُك _ يعني بالفطرة: فطرةَ الإسلام [16] _ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا} [الروم: 30] .

وحقيقةُ الفِطرة تقتضي المعرفة بحقيقة الرُّبوبية وَجلالِها وَكمالِها، وأنَّها [17] الغالبة على أمرها، وَما نقص مَن نَقَص مِن ذلك إلَّا بالمجاورة للغير، كما قال الصَّادق صلَّى الله عليه وسلَّم: (( كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفِطْرةِ، فَأَبَواهُ يُهوِّدَانِه أو يُنْصِّرَانِهِ [18] أو يُمَجِّسَانِهِ ) ).

وفيه دليل على جواز بثِّ الرؤيا لمن هو أقلُّ عِلمًا مِن الرائي. يُؤخذ ذلك مِن ذِكْر سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم رؤياه للصَّحابة رضي الله عنهم.

ويترتَّب على ذلك مِن الفقه إلقاءُ العالِم المسائلَ وسؤالُه فيها لمن هو دونه في المرتبة.

وفيه

ج 4 ص 292

دليل على أنَّ مِن الأدب في علم العبارة إذا قصَّ الرُّؤيا مَن هَو أعلم بها عَلى مَن دونَهُ أن يردَّ الأمر في ذلك إليه ويسأل [19] عَن معناها، فإنَّه يغلب عَلى الظنِّ أنما [20] كان ذِكره ذلك لمن هو [21] دونه إلَّا أن يسألوه فيُعَلِّمُهُم [22] . يُؤخذ ذلك مِن قول الصَّحابة رضي الله عنهم لَمَّا قصَّ سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم الرؤيا، لأنَّه عليه السَّلام ما [23] أراد منهم أن يُعْلِمُوه تأويلَها [24] ، وإنَّما كان قصده أن يسألوه فيُعْلِمَهُم، فلحسنِ [25] أدبهم فهموا عنه [26] فعملوا عَلى ما يقتضيه الأدب، فاستفادوا وَأفادوا. وَكذلك ينبغي الأدب في جميع العلوم، فإنَّ مِن سنَّة [27] العلم الأدبَ فيه وَمع أهله إذا كان لله.

وفيه دليل عَلى أنَّ عِلْم سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم بالله عزَّ وجلَّ وَجلاله لا يَبْلُغُه فيه غيرُه. يُؤخذ ذلك مِن أنَّه عَليه السَّلام شرب كما أخبر حتَّى رأى الرِّي يخرج مِن أظافره [28] ، ثمَّ أعطى فضلَهُ عمر. فانظر بنظرك إلى الَّذي شَرِب [29] فَضْلَه عليه السلام كيف كان قوَّة علمه الذي لم يقدر أحد مِن الخلفاء [30] يماثله فيه؟ فكيف بغيرهم مِن الصَّحابة رضي الله عنهم؟! وكيف مَن بعد الصَّحابة؟! ثمَّ انظر كيف يكون مَن شرب حتَّى رأى الريَّ يخرج مِن أظفاره؟! لا يمكن أن يبلغ أحد ذلك المقام.

فجاء شربه صلَّى الله عليه وسلَّم وَشُرب عمر كما مثَّل [31] صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: (( أنا مَدِينةُ

ج 4 ص 293

الشَّجاعة وعُمَر بابُهَا )) . فإنَّ نسبة مَا شرب عليه السَّلام مِن ذلك اللَّبن والذي شربه عمر [32] كنسبة المدينة وسعتِهَا مِن الباب، وقَدْرِ مساحته وقَدْر سعته، فما أحسنَ عباراته صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم! وما أحلى إشاراته!.

وفي تمثيله عليه السَّلام في اليقظة بالمدينة وبابها، وما مثَّل له في النوم بالشرب عَلى ما هو مذكور في الحديث، وكيف ظهرت النِّسبة بينهما عَلى حدٍّ سواء.

وفيه دليل على أنَّ كلامه عليه السَّلام كلَّه [33] بالله وعن الله، ولو كان مِن عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.

وفيه دليل عَلى مَا قدَّمناه في الحديث قبل [34] : أنَّ مِن الرؤيا ما يكون يدلُّ عَلى الحال وَعلى الماضي، فإنَّ هذا الَّذي رأى سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم هو تمثيلٌ بأمرٍ قد وقع، فإنَّ الَّذي أُعطي عليه السَّلام مِن العلم بالله قد كان، وَكذلك عمر، فكانت فائدةُ الرؤيا أنْ عرَّف بقدر النِّسبة التي بين مَا أُعطي عليه السَّلام مِن العلم ومَا أُعطي منه عمر، وإنْ [35] كان عليه السَّلام السببَ فيه لعمر رضي الله عنه، وعلى يديه الكريمتين كان [36] ذلك الخير، ولأنْ يُعرِّف به الغير حتَّى يَقْدِرَ لكلِّ أحدٍ قَدْرَه بحسب ما فتح الله عليه مِن الخير، ولذلك [37] قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُم، _ أيْ: بِقَدْر ما جَعَلَ اللهُ لَهُم _ ولا تَبْخَسُوا، ولا تَتَعالوا [38] ، وأَقِيْمُوا الوزنَ بالقِسْط، وكُونُوا عَبِيدًا ولا تَكُونُوا مَوالي [39] ) )أو كما قال عليه السَّلام.

ج 4 ص 294

[1] في (ب) : (( عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقول: بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من بين أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر. قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم ) ).

[2] زاد في (م) : (( ابن ) )، والمثبت من النسخ الأخرى.

[3] قوله: (( قال ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[4] في (ب) : (( يهديه ) ).

[5] زاد في (ج) : (( به ) ).

[6] في (ت) و (ب) : (( لا يعلم حقيقته [في(ب) : (( حقيقة ) )] حتَّى يكون العالم )) .

[7] في (ج) : (( أعطاه ) ).

[8] في (ج) : (( لم ) ).

[9] قوله: (( يقولون ) )ليس في (ب) .

[10] قوله: (( فيه ) )ليس في (ج) . وفي (ب) : (( به ) ).

[11] في (م) : (( مما ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[12] في (ج) : (( الحديثان ) ). كذا هي في (ت) .

[13] قوله: (( إليه قبل ) )ليس في (ج) .

[14] في (ج) و (ب) : (( بين ) ).

[15] في (ج) و (ب) : (( غويت ) ).

[16] زاد في (ب) : (( و ) ).

[17] في (ج) : (( وإنما ) ).

[18] في (ج) : (( وينصرانه ) ).

[19] في (ب) : (( ويسأله ) ).

[20] في (م) : (( أن ) )، والمثبت من النسخ الأخرى.

[21] قوله: (( هو ) )زيادة من (م) على النسخ الأخرى.

[22] في (م) (ت) : (( يعلمهم ) )، والمثبت من (ج) و (ب) .

[23] في (ج) : (( لما ) ).

[24] قوله: (( تأويلها ) )ليس في (ب) .

[25] في (م) و (ت) : (( فبحسن ) )، والمثبت من (ج) و (ب) .

[26] قوله: (( عنه ) )ليس في (ب) .

[27] في (ج) : (( جملة ) ).

[28] في (ب) : (( أظفاره ) ).

[29] في (ب) : (( يشرب ) ).

[30] في (ب) : (( من الخلق أن ) ).

[31] زاد في (ت) : (( بقوله ) ).

[32] في (ب) : (( فأن نسبة ما شرب عمر ) ).

[33] قوله: (( كله ) )ليس في (ج) .

[34] في (ب) : (( قبله ) ).

[35] في (ج) : (( أعطيي منه فإنه ) ).

[36] زاد في (ج) و (ت) : (( له ) ).

[37] في (ج) : (( وكذلك ) ).

[38] كذا في (ب) ، وفي باقي النسخ: (( تتغايوا ) )، وفي (المطبوع) : (( تتغالوا ) ).

[39] في (ج) : (( بالقسط في كل الأمور وكونوا موالي ) )، في (ت) و (ب) : (( بالقسط في كل الأمور وكونوا عبيدًا ولا تكونوا موالي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت