فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 680

وسلم: (اكتبْ باسمِكَ اللَّهمَّ) ثمَّ قالَ: (هذا ما قاضى عليهِ محمَّدٌ رسولُ اللهِ) فقالَ سهيلٌ: واللهِ لو كنَّا نعلمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاكَ عن البيتِ ولا قاتلناكَ، ولكن اكتبْ: محمَّدُ بن عبدِ اللهِ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (واللهِ إني لرسولُ اللهِ وإن كذَّبتُموني، اكتبْ محمَّدَ بن عبدِ اللهِ) .

قالَ الزُّهريُّ: وذلكَ لقولِهِ: (لا يسألونني خُطَّةً يعظِّمونَ فيها حرماتِ اللهِ إلا أعطيتُهُم إيَّاهَا) .

قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (على أن تخلُّوا بيننا وبينَ البيتِ فنطوفَ بهِ) .

فقالَ سهيلٌ: واللهِ لا تتحدَّثُ العربُ أنا أخذنَا ضُغْطَةً، ولكن ذلكَ من العامِ المُقبلِ فكتبَ، وقالَ سهيلٌ: وعلى أنه لا يأتيكَ مِنَّا رجلٌ، وإن كانَ على دينِكَ إلا رددتَهُ إلينا، قالَ المسلمونَ: سبحانَ اللهِ، كيفَ يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاءَ مسلمًا.

فبينا هم كذلك إذ جاءَ أبو جندلِ بنُ سهيلِ بن عمرِو يرسُفُ في قيودِهِ، وقد خرجَ من أسفلِ مكَّةَ حتى رمى بنفسِهِ بين أظهُرِ المسلمينَ، فقالَ سُهيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ ما أقاضيكَ عليهِ أن تردَّهُ إليَّ، قالَ: فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعدُ) فقالَ: والله إذًا لم أصالحُكَ على شيءٍ أبدًا، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (فأجزِهِ لي) قالَ: ما أنا بمجيزُهُ لكَ، قالَ: (بلى) قالَ: ما أنَا بفاعلٍ، قالَ مِكرَزُ بنُ حفصٍ: بل قد أجزناهُ لكَ، قالَ أبو جندلٍ: أي معشرَ المسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جئتُ مُسلمًا، ألا ترونُ ما قد لقيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ.

قالَ: فقالَ عمرُ بن الخطَّابِ: فأتيتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقلتُ: ألستَ نبيَّ اللهِ حقًَّا؟ قالَ: (بلى) قلتُ: أَلَسْنَا على الحقِّ وعدُّونَا على الباطلِ؟ قالَ: (بلى) قلتُ: فَلِمَ نعطي الدَّنِيَّةَ في دِيننا إذًا؟ قالَ: (إنِّي رسولُ اللهِ ولستُ أَعصيهِ، وهو ناصري) قلتُ: أوليسَ كنتَ تُحدِّثُنَا إنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ بهِ، قالَ: (بلى، فأخبرتُكَ أنَّكَ تأتيه العامَ) قُلتُ: لا، قالَ: (فإنَّكَ آتيهِ وتطوفُ بهِ) فأتيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: يا أبا بكرٍ أليسَ هذا نبيُّ اللهِ حقًَّا، قالَ: بلى، قلتُ: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنَا على الباطلِ؟ قالَ: بلى، قلتُ: فلم نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيْنِنَا إذًا؟ قالَ: أيُّها الرَّجُلُ إنَّهُ رسولُ اللهِ ولن يعصي ربَّهُ، وهو ناصرُهُ فاستمسكْ بغرزِهِ، فواللهِ إنَّهُ على الحقِّ، قلتُ: أليسَ كانَ يُحدِّثنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ بهِ؟ قالَ: بلى، قال: فأخبركَ أنَّكَ تأتيهِ العامَ؟ قلتُ: لا، قالَ: فإنَّكَ آتيهِ وتطوِّفُ بهِ.

قالَ عمرُ: فَعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا.

قالَ: فلمَّا فرغَ من قضيَّةِ الكتابِ، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ: (قومُوا فانحرُوا ثم احلقُوا) قالَ: فواللهِ ما قامَ منهم رجلٌ حتَّى قالَ ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمَّا لم يَقُمْ منهُم أحدٌ دخلَ على أمِّ سلمَةَ فذكرَ

ص 272

لها ما لَقِيَ من النَّاسِ، فقالتْ أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللهِ أتُحبُّ ذلكَ، اخرجْ لا تُكَلِّمْ منهم أحدًا كلمةً حتَّى تنحرَ بُدْنَكَ وتدعو حالِقَكَ فيحلقَكَ، قالَ: فخرجَ فلم يكلِّمْ أحدًا منهم حتى فعلَ ذلكَ، نحرَ بُدْنَهُ ودعا حالقَهُ فحلقَهُ، فلمَّا رأوا ذلكَ قاموا فنحرُوا وجعلَ بعضُهم يحلِقُ بعضًا، حتى كادَ بعضُهم يقتلُ بعضًا غمًَّا.

ثمَّ جاءَهُ نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا جَآءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ _حتى بلغَ _ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10] فطلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتينِ، كانتا لهُ في الشِّركِ فتزوَّجَ إحداهُما معاويةُ بن أبي سفيانَ والأُخرى صفوانُ بن أميَّةَ.

ثم رجعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ فجاءَهُ أبو بصيرٍ رجلٌ من قريشٍ وهو مسلمٌ، فأرسلُوا في طلبِهِ رجلينَ، فقالُوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا فدَفَعَهُ إلى الرَّجلينِ فخرجا بهِ حتى بلغا ذاتَ الحُليفةِ، فنزلُوا يأكلونَ من تمرٍ لهم فقالَ أبو بصيرٍ لأحدِ الرَّجلينِ: واللهِ إني لأرى سيفَكَ هذا جيدًا، فاستلَّهُ الآخرُ فقالَ: أجلْ، واللهِ إنَّهُ لجيِّدٌ لقد جرَّبْتُ فيهِ ثم جرَّبْتُ، فقالَ أبو بصيرٍ: أرني أنظرُ إليهِ، فأمكنَهُ منه فضرَبَهُ حتى بَرَدَ وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ، فدخلَ المسجدَ يعدوْ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حينَ رآهُ: (لقدْ رأى هذا ذُعرًا) فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: قتلَ واللهِ صاحبي وإني لمقتولٌ، فجاءَ أبو بصيرٍ: وقالَ: يا نبيُّ اللهِ قدْ أوفى اللهُ ذِمَّتَكَ، قد رَدَدْتَنِي إليهم ثم أنجاني اللهُ منهم، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (وَيْلُ أُمَّهِ، مِسْعَرَ حربٍ، لو كانَ له أحدٌ) فلما سمعَ ذلكَ عرفَ أنه سيرُدُّهُ إليهم، فخرجَ حتى أتى سيفَ البحرِ.

قالَ: ونفلتَ منهم أبو جندلِ بن سهيلٍ فلحقَ بأبي بصيرٍ، [فجعلَ لا يخرجُ من قريشٍ رجلٌ قد أسلمَ إلا لحقَ] بأبي بصيرٍ حتى اجتمعتْ منهم عصابةٌ، فواللهِ ما يسمعونَ بعيرٍ خرجَتْ لقريشٍ إلى الشَّامِ إلا اعترضُوا لها فقتلُوهم وأخذُوا أموالَهم، فأرسلَتْ قريشٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تناشدُهُ اللهَ والرَّحِمَ: لما أرسلَ إليهم: فمن أتاهُ فهو آمنٌ فأرسلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهِم، وأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم _حتى بلغَ _ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ} [الفتح:24 - 26] وكانتْ حميَّتُهُم أنَّهم لم يقرُّوا أنُّهُ نبيُ اللهِ، ولم يقرُّوا ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ وحالُوا بينهم وبينَ البيتِ. [خ¦2731] [خ¦2732]

ولما أنزلَ اللهُ أنْ يردَّ إلى المشركينَ ما أنفقُوا على من هاجرَ من أزواجهِنَّ، وحكمَ على المسلمينَ أن لا يُمسكُوا بعصمِ الكوافِرِ، طلَّقَ عمرُ امرأتينِ: قريبةُ بنتُ أُميَّةَ وابنةُ جرولٍ الخُزاعيُّ، فلمَّا أبى الكفَّارُ أن يُقِرُّوا بأداءِ ما أنفقَ المسلمونَ على أزواجِهم، أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِن فَاتَكُم شَيْءٌ مِّن أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} [الممتحنة:11] والعقابُ ما يؤدي المسلمونَ إلى من هاجرتْ امرأتُهُ من الكفَّارِ، فأمرَ أن يُعطى من ذهبَ له زوجٌ من المسلمينَ ما أنفقَ من صداقِ نساءِ الكُفَّارِ اللاتي هاجرنَ، وما نعلمُ أحدًا من المهاجراتِ ارتدَّتْ بعدَ إيمانِهَا. [خ¦ت 2733]

قالَ: وكانتْ أمُّ كلثومِ بنتُ عقبةَ بن أبي مُعيطٍ ممن خرجَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ وهي عاتقٌ، فجاءَ أهلُهَا يسألونَ

ص 273

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت