فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 680

غزوةُ الحُديبيةِ

1746 - (خ) عن المِسْوَرِ بن مخرمةَ ومروانَ، يُصَدِّقُ كلُّ واحدٍ منهما حديثَ صاحبِهِ، قالا: خرجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُديبيةِ حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّريقِ، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ خالدَ بن الوليدِ بالغَميمِ في خَيْلٍ لقريشٍ طليعةً فخذُوا ذاتَ اليمينِ) فواللهِ ما شعرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجَّيشِ فانطلقَ يركُضُ نذيرًا لقريشٍ، وسارَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتَّى إذا كان بالثنيَّةَ التي يهبطُ عليهم منها بركَتْ بهِ راحلتُهُ، فقالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالُوا: خلأتِ القصواءُ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ما خلأتُ القصواءَ وما ذاكَ لها بخلقٍ، ولكن حبسها حابسُ الفيلِ) ثمَّ قالَ: (والذي نفسي بيدِهِ، لا يسألونَني خُطَّةَ يعظِّمونَ فيها حرماتِ اللهِ إلا أعطيتَهم إيَّاها) ثم زجرَهَا فوثَبَتْ.

قالَ: فعدلَ عنهم حتى نزلَ بأقصى الحُديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يتبرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًَا فلم يلبثِ النَّاسُ حتَّى نزحوهُ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ فانتزعَ سهمًا من كنَانَتِهِ ثم أمرَهُم أن يجعلوهُ فيهِ، فواللهِ مازالَ يجيشُ لهم بالريِّ حتى صدرُوْا عنهُ.

فبينَا هُمْ كذلكَ إذ جاءَ بُديلُ بن ورقاءَ الخُزاعيُّ في نفرٍ من قومِهِ من خُزاعَةَ، وكانت عيبةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أهلِ تِهَامَةَ، فقالَ: أنَّي تركتُ كعبَ بن لؤيٍّ وعامرَ بن لؤيٍّ نزلُوا أعدادَ ماءِِ الحديبيةِ، معهم العوذُ المطافيلُ وهم مقاتلوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إنَّا لم نجئُ لقتالِ أحدٍ ولكنَّا جئنا معتمرينَ، وإنَّ قُريشًا قد نهكتهُم الحربُ، وأضرَّتْهم فإن شاؤوا مادَدْتُهُم مدَّةً ويخلوا بيني وبينَ النَّاسِ، فإن أظهرُ عليهم: فإنْ شاؤوا أن يدخلُوا فيما دخلَ فيهِ النَّاسُ فعلوا وإلا فقد جمُّوا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيدِهِ لأقاتلَنَّهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالِفَتي، ولينفذنَّ اللهُ أمرَهُ) فقالَ بديلٌ: سأبلغُهم ما تقولُ.

قالَ: فانطلقَ حتى أتى قريشًا، فقالَ: أنَّا قد جئنَاكُم من هذا الرَّجلِ وسمعناهُ يقولُ قولًا، فإن شئتم أن نعرضَهُ عليكم فعلْنَا، فقالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لا حاجةَ لنا لا تُخبرنا عنُه بشيءٍ، وقالَ ذَوو الرَّأيِّ منهم: هاتِ ما سمعتَهُ يقولُ، قالَ: سمعتُهُ يقولُ كذا وكذا، فحدَّثَهُم بما قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.

فقامَ عروةُ بنُ مسعودٍ فقالَ: أي قومِ، ألستُم بالوالدِ؟ قالُوا: بلى، قال: أولستُ بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمُونني؟ قالُوا: لا، قال: ألستُم تعلمونَ أني استنفرتُ أهلَ عُكَاظٍ، فلما بَلَّحوا عليَّ جئتُكم بأهلي وولدِي ومن أطاعَني؟ قاُلوا: بلى، قالَ: فإنَّ هذا

ص 270

قد عرضَ لكم خُطَّةَ رُشْدٍ اقبلُوها ودعوني آتيهِ، قالُوا: ائتِهِ، فأتاهُ، فجعلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم نحوًا من قولِهِ لبُديلٍ، فقالَ عروةُ عندَ ذلكَ: أي محمَّدُ، أرأيتَ إن استأصلتَ أمرَ قومِكَ، هل سمعتَ بأحدٍ من العربِ اجتاحَ أهلَهُ قبلكَ وإن تكنِ الأُخرى فإنِّي واللهِ لأرى وُجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من النَّاسِ لخليقًا أن يفرُّوا ويدعوكَ، فقالَ له أبو بكرٍ: امْصُصْ ببظرِ الَّلاتِ، أنحنُ نفرُّ عنهُ وندعُهُ؟ فقالَ: من ذا؟ قالُوا: أبو بكرٍ، قالَ: أما والذي نفسي بيدِهِ، لولا يدٌ كانتْ لكَ عندِي لم أجزِكَ بها لأجبتُكَ، وجعلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فكلَّما كَلَّمَهُ أخذَ بلحيتِهِ والمغيرةُ بن شعبةَ قائمٌ على رأسِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومعه السيفُ وعليه المغفرُ، فكلَّما أهوى عروةُ بيدِهِ إلى لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ضربَ يدَهُ بنعلِ السَّيفِ، وقالَ: أَخِّرْ يدَكَ عن لحيةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرفعَ عروةُ رأسَهُ، فقالَ: من هذا؟ قالُوا: المغيرةُ بن شعبةَ، فقالَ: أي غُدَرُ، ألستُ أسعى في غَدْرَتِكَ.

وكانَ المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجَّاهليةِ فقتلَهُم وأخذَ أموالَهم ثم جاءَ فأسلمَ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (أمَّا الإسلامُ فأقبلُ، وأما المالُ فلستُ منهُ في شيءٍ) .

ثم إنَّ عروةَ جعلَ يرمُقُ أصحابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينيهِ، قالَ: فواللهِ ما تنخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نخامةً إلا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَكَ بها وجهَهُ وجِلْدَهُ وإذا أمرَهُم ابتدرُوا أمرَهُ وإذا توضَّأَ كادوا يقتتلونَ على وضوئِهِ، وإذا تكلَّمَ خفضُوا أصواتَهم عندَهُ، وما يحدُّونَ إليه النَّظرَ تعظيمًا له.

فرجعَ إلى أصحابِهِ فقالَ: أي قومِ، واللهِ لقد وفدتُ على الملوكِ، ووفدتُ على كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ، واللهِ إن رأيتُ ملكًا قطُّ يُعَظِّمُهُ أصحابُهُ ما يعظِّمُونَ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا، واللهِ إن تنخَّمَ نخامةً إلا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَكَ بها وجَهُه وجلدَهُ وإذا أمرهم ابتدرُوا أمرَهُ، وإذا توضَّأ كادُوا يقتتلونَ على وُضوئِهِ، وإذا تكلَّمَ خفضُوا أصواتَهم عنده، وما يحدُّونَ النَّظرَ إليهِ تعظيمًا لهُ، وإنَّهُ قد عرضَ عليكم خُطَّةَ رشدٍ فاقبلُوها.

فقالَ رجلٌ من بني كنَّانةَ: دعوني آتيهِ، فقالوا: اتيهِ فلما أشرفَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (هذا فلانٌ، وهو من قومٍ يُعظِّمونَ البُدنَ فابعثُوها لهُ) فبعثتْ لهُ واستقبلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فلمَّا رأى ذلكَ قالَ: سبحانَ اللهِ، ما ينبغي لهؤلاءِ أن يُصَدُّوْا عن البيتِ، فلما رجعَ إلى أصحابِهِ قالَ: رأيتُ البُدنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدُّوْا عن البيتِ.

فقامَ رجلٌ منهم، يُقالُ لهُ مِكرزُ بن حفصٍ، فقالَ: دعُوني آتيهِ، فلمَّا أشرفَ عليهِم، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (هذا مكرزٌ، وهو رجلٌ فاجرٌ) فجعلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فبينا هو يكلمُهُ جاءَ سهيلُ بن عمرٍو، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (قد سُهِّلَ لكم من أمرِكُم) فقالَ سهيلٌ: هاتِ اكتبْ بينَنَا وبينكَ

ص 271

كتابًا، فدعا النَّبيُّ الكاتبَ، فقالَ لهُ: اكتبْ (بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ) فقالَ سُهيلٌ: أما الرَّحمنُ فواللهِ ما أدري ما هُوَ، ولكن اكتبْ باسمكِ اللَّهُمَّ كما كنتَ تكتبُ، فقالَ المسلمونَ: واللهِ لا نكتبها إلا بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت