الصفحة 8 من 17

المبحث الأول

حكم عقد المناقصة

بعد الحديث عن حقيقة المناقصة وخطوات إجرائها لابد من بيان حكمها الشرعي، وهذا يستلزم تكييف المناقصة فقهيًا بإلحاقها بمعاملة من المعاملات التي تطابقها، ثم النظر إلى كون هذه المعاملة مشروعة أم لا، مع ذكر الحكمة من المناقصة وأهم خصائصها.

كل ما سبق تناول هذا المبحث الحديث عنه وفق المطالب التالية:

المطلب الأول

التكييف الفقهي للمناقصة

تمت الإشارة سابقًا إلى أن المناقصات من المعاملات المستحدثة التي لم ينص عليها الشارع بنص خاص، ومن المعلوم أن الأصل في المعاملات والعقود الإباحة ما لم يكن فيها ما يخالف الشرع أو ينافي مقتضاها (1) ؛ ولذلك مَنْ تناول البحث في المناقصات من علماء الفقه المعاصرين اجتهد في تكييفها الفقهي بإلحاقها بإحدى المعاملات المعروفة التي تنطبق عليها طبيعة المناقصة.

وقد اختلف هؤلاء المعاصرون في تكييفها على عدة أقوال هي:

القول الأول:

إن المناقصة هي كالمزايدة ينطبق عليها ما ينطبق على المزايدة، وأحكام المناقصة هي أحكام المزايدة إلا أنها تختلف في الشكل، وبه قال الدكتور المصري حيث ذكر أن المناقصة لم تعرف سابقًا في الفقه، إنما عُرفت أختها المزايدة، وهما متشابهتان في كثير من الإجراءات (2) ، وقال:"فالمزايدة تكون في البيع والإيجار، والمناقصة في الشراء والاستئجار، وترتيباتهما الحديثة متشابهة، وقد يجمعهما نظام واحد، ويمكن أن يقال أن كلًا منهما جائز من حيث المبدأ؛ لأن حقيقتهما واحدة" (3) ، كما نقل بعض العلماء الذين تناولوا البحث في المناقصة ذلك عن الموسوعة

الكويتية، إذ جاء فيها:"ولم نطلع على ذكر له ـ شراء المناقصة ـ في كتب الفقه بعد التتبع، ولكن"

يسري عليه ما يسري على المزايدة مع مراعاة التقابل" (1) ."

وممن قال بذلك أيضًا الدكتور علي السالوس إذ أشار إلى أن المناقصة والمزايدة بينهما شبه لا يخلو من اختلاف حيث إن المناقصة يعرضها المشتري، وقد تكون تعهدًا بتوريد سلع معينة لفترة زمنية محددة، أما المزايدة فيعرضها البائع (2) .

وكذلك أكد الدكتور سعود الثبيتي أن مسائل المناقصة أغلبها موجودة في المزايدة (3) ، وأيضًا الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان علل امتناعه عن الكتابة عن المناقصة بأن ما سيكتبه سيكون تكرارًا، إذ إن أحكام المناقصة هي أحكام المزايدة، إلا أنها تختلف في الشكل (4) ، ووافقهم في ذلك الشيخ محمد المختار السلامي حيث قال:"فكما يجوز بيع الشيء مزايدة يجوز بيعه مناقصة، ولعل الثاني أولى بالجواز لانتفاء السوم على السوم انتفاءً تامًا" (5) .

وخلاصة القول الأول أن المناقصة أخت المزايدة وأحكامها متشابهة مع الاختلاف في الشكل، والحكم على المناقصة بهذا الاعتبار لا يختلف عن حكم المزايدة (6) .

القول الثاني:

إن المناقصة فيها شبه بعقد المسابقة من حيث الاسم والمضمون، وبه قال الدكتور المصري، حيث ذكر أن المناقصة مسابقة بين المناقصين على الفوز بالعقد، كما ويشترط فيها ما يشترط في المسابقة من حيث المساواة بين المشتركين في كل شيء، في المعلومات، وفي الفرص، وفي سائر الشروط والمواصفات، ويمكن تجزئة العقد فيها كالمسابقة إذا ما تساوت الأسعار، بشرط

عدم الإضرار بمصلحة المناقَص له (1) .

ويُذكر هنا أن الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان لا يرى داعيًا من تشبيه المناقصة بالمسابقة طالما أن المناقصة أكثر التصاقًا بالمزايدة (2) .

القول الثالث:

إن المناقصة من مصاديق البيع والتجارة، وبه قال الجواهري الذي استدل على صحة المناقصات ومشروعيتها بعمومات قوله تعالى:] وأحل الله البيع [ (3) ، وقوله تعالى:] أوفوا بالعقود [ (4) ، وقوله تعالى:] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[ (5) ، وعلل ذلك بأن كلًا من طرفي العقد أراد الوصول إلى مقصوده، سواء كان مشتريًا أو بائعًا، مستأجرًا أو مؤجرًا، فالمعاملة الناتجة عن المناقصة إما أن تكون بيعًا أو إجارة أو مزارعة أو غير ذلك، ومن ثم فالدليل على صحة هذه العقود يعتبر دليلًا على صحة المناقصة، بشرط سلامة أصول العقد وتحقيق مقتضاه (6) .

ويرى الباحث أن هذا التكييف لا يستقيم؛ لأن المراد هو تكييف المناقصة من حيث هي هي أي ذات المناقصة، وليس تكييف ما تؤول إليه، إذ إنها قد تؤول إلى بيع أو استصناع أو إجارة، فالمهم إذن هو تكييف ذات المناقصة التي تقوم على اختيار المناقِص صاحب العطاء الأقل للتعاقد معه وفق إجراءات معينة.

القول الرابع:

إن المناقصة ليست عقدًا، وإنما هي إجراءات للدخول في العقد، وبه قال الشيخ خليفة حيث أشار إلى أن المناقصة عبارة عن مقدمة للمعاملة، وهي قضية إجرائية أكثر منها مسألة فقهية (1) ويرى ذلك أيضًا الدكتور القره داغي حيث قال:"وبخصوص تكييف عقد المناقصة على أساس أنه عقد، أنا أرى أن المناقصة نفسها ليست عقدًا، وإنما هي إجراءات للدخول في العقد" (2) ، وممن قال بهذا التكييف أيضًا الشيخ عبدالله بن منيع، إذ اعتبر أن عقود المناقصات سُمِيَت عقودًا على سبيل التجاوز، وإنما هي إجراءات لعقود (3) .

والذي يراه الباحث أن المناقصة ليست مجرد إجراءات فقط للدخول في العقد، وإنما هي عقد، تقديم العطاء فيها من قِبَل المناقِص يُعتبر إيجابًا، وإبرام العقد بعد إرساء المناقصة يُعتبر قبولًا، فالمناقصة لا تنتهي بعد الإعلان عنها أو بعد تقديم العطاءات، بل تبدأ إجراءاتها منذ الإعلان عنها، والإيجاب يكون صادرًا من المناقِص بتقديم عطائه، وهذا الإيجاب يُعتبر ملزمًا له (4) ، لا يرجع عنه حتى ترسو المناقصة على غيره، وتنتهي المناقصة بإبرام العقد بين المناقَص له وبين المناقِص صاحب العطاء الأقل سعرًا والذي رست عليه المناقصة (5) ، وهذا هو القبول الذي وافق الإيجاب السابق، فهناك إذن إيجاب وقبول مرتبطان فيما بينهما تسبقهما وتتوسطهما إجراءات عديدة، وهذا ما يعبر عن العقد حقيقة.

بالإضافة إلى ما سبق هناك التزامات متقابلة بين المناقِصين وبين المناقَص له من حيث اشتراط تقديم الضمان الابتدائي من قِبَل المناقِصين، والذي يؤكد جدية المشاركة في المناقصة، ويلتزم المناقَص له بالتعاقد مع المناقِص صاحب العطاء الأقل سعرًا، إلا في الحالات التي يشترط فيها المناقَص له الحق الكامل في إلغاء المناقصة فيما إذا لم تعجبه العطاءات المقدمة، وهذا ما أشار إليه الدكتور عبد السلام العبادي حيث قال:"نحن حقيقة لسنا أمام إجراءات فقط إنما أمام التزامات متقابلة، والعقود الأساس فيها الالتزامات المتقابلة (6) ."

القول الخامس:

إن المناقصة منظومة من العقود وليست عقدًا واحدًا، وبه قال الدكتور المصري مشيرًا إلى أن المناقصة عقد واحد مركب، يتم بين المناقَص له وبين المناقِص الذي رست عليه المناقصة، ويدخل في هذا العقد عدة عقود كعقد بيع دفتر الشروط، وعقد الضمان سواء كان ضمان ابتدائي أو نهائي أو غيره، ثم تنتهي هذه المناقصة إلى إبرام عقد يؤول إما إلى عقد توريد سلع ومواد، أو عقد مقاولة للقيام بخدمات أو أشغال (1) ، وهي ما تعرف بمناقصات التوريد أو مناقصات المقاولة، سيتم التوسع في دراستها في الفصل الأخير من هذا البحث.

ويُعتبر هذا العقد المركب عقدًا واحدًا، الإيجاب فيه يصدر من المناقِص عند اشتراكه في المناقصة وتقديمه العطاء، سواء كان موردًا أو مقاولًا، ويُعتبر هذا الإيجاب ملزمًا له (2) ، لا يرجع عنه حتى ترسو المناقصة على غيره، وفي المناقصة العلنية العطاء اللاحق الذي يقدمه المناقِص ينسخ العطاء السابق (3) ، وأما القبول فيصدر من المناقَص له عند إبرامه العقد مع المناقِص صاحب العطاء الأقل سعرًا حيث رست عليه المناقصة (4) .

القول المختار:

من خلال استعراض الأقوال السابقة يرى الباحث أن المناقصة ـ وإن كانت حقيقتها تتفق

مع المزايدة من حيث المبدأ القائم على اختيار الأفضل للتعاقد مع مراعاة التقابل بينهما (5) ، وإن كان فيها أيضًا معنى المسابقة والمنافسة ـ إلا أن المناقصة وإجراءاتها المتبعة اليوم غدت تشكل عملية مركبة من منظومة عقود تدخل في تكوينها؛ ولذلك يختار الباحث القول الخامس الذي قال به الدكتور المصري باعتباره القول الراجح في تكييف المناقصة، والذي يعتبر المناقصة منظومة من العقود وليست عقدًا واحدًا، والعقود التي تدخل في تكوين عقد المناقصة هي:

1 ـ عقد بيع دفتر الشروط (وثائق ومستندات المناقصة) .

2 ـ عقد الضمان.

3 ـ العقد المتعلق بموضوع المناقصة (بيع سلع كالتوريد، أو بيع منفعة كالإجارة أو الاستصناع) .

4 ـ اجتماع العقود السابقة في عقد واحد يبرمه المناقَص له مع مَنْ رست عليه المناقصة.

المطلب الثاني

حكم المناقصة

تم تكييف المناقصة على أنها عقد مركب، يدخل في تكوينه العقود التالية:

1 ـ عقد بيع دفتر الشروط (وثائق ومستندات المناقصة) .

2 ـ عقد الضمان.

3 ـ العقد المتعلق بموضوع المناقصة (بيع سلع كالتوريد، أو بيع منفعة كالإجارة أو الاستصناع) .

4 ـ اجتماع العقود السابقة في عقد واحد يبرمه المناقَص له مع المناقِص الذي رست عليه المناقصة.

ولبيان حكم عقد المناقصة ينبغي بيان حكم كل مكون من مكوناته كما يلي:

أولًا: حكم عقد بيع دفتر الشروط:

إن الإعلان عن المناقصة تعبير عن حاجة المناقَص له لتوريد سلع يرغب فيها، أو لتنفيذ أعمال ومشاريع وفق شروط ومواصفات معينة، وهذا يتطلب توظيف بعض الخبرات والكفاءات، مما يكلف المناقَص له نفقات عديدة، تختلف ارتفاعًا وانخفاضًا بحسب الغرض المطلوب في المناقصة (1) .

والعناصر التي تؤثر في تكاليف إجراءات المناقصة هي:

1 ـ المجهود الذهني المبذول في دراسة المشروع وإعداده.

2 ـ تكاليف التصاميم والمخططات اللازمة للمشروع.

3 ـ تكاليف الخدمات الاستشارية الهندسية.

4 ـ قيمة الأوراق المتعلقة بالمشروع.

5 ـ مصاريف إدارية (2) .

ويقوم المناقَص له بحساب مقدار كل هذه النفقات والمصاريف؛ ليستعيدها من خلال بيع دفتر الشروط، أو من خلال ما يسمى برسوم الاشتراك في المناقصة (3) .

فما هو حكم بيع دفتر الشروط؟

اختلف العلماء المعاصرون في ذلك على ثلاثة أقوال هي:

القول الأول: إن دفتر الشروط يجب أن يُبذل بالمجان لمن يطلبه من المناقِصين موردين كانوا أو مقاولين، ولا مانع أن يُؤخذ من طالب الدفتر تأمينًا نقديًا، يُرد إليه إذا أُلغيت المناقصة أو لم ترسُ عليه أو لم يشارك بها إذا رد الدفتر، وبه قال الدكتور رفيق المصري (1) .

القول الثاني: إن مسؤولية دفع تكاليف دفتر الشروط تقع على المناقِص الذي رست عليه المناقصة، وبه قال الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان (2) .

القول الثالث: إن بيع دفتر الشروط لمن يطلبه أمر لا مانع منه، وبه قال الشيخ محمد السلامي (3) .

سبب الخلاف:

يعود اختلافهم في بيع دفتر الشروط إلى اختلافهم في النفع الحاصل من دفتر الشروط، هل يعود هذا النفع على المناقَص له؟ أو يعود على المناقِص الذي رست عليه المناقصة؟ وهل يُعتبر بيع دفتر الشروط من الشروط السائغة التي لا تؤثر في العقد أم لا؟

فمن ذهب إلى أن النفع يعود على المناقَص له قال بوجوب بذله بالمجان، ومن ذهب إلى أن النفع يعود على المناقِص الذي رست عليه المناقصة قال بتكليفه دفع نفقات ذلك، ومن اعتبر أن اشتراط بيع دفتر الشروط لمن يطلبه شرط سائغ لا يؤثر في العقد قال بأنه لا مانع منه.

أدلة أصحاب القول الأول:

استدل الدكتور المصري لصحة قوله بما يلي:

1 ـ إن المناقَص له هو المستفيد من اختيار طريقة الشراء بالمناقصة، على اعتبار أن هذه الطريقة ستحقق له مصلحته بأدنى ثمن، ومن ثم فالمصاريف والتكاليف يجب أن يختص بها وحده دون غيره مما يلزمه أن يبذله بالمجان.

2 ـ إن المناقِصين لو حُمّلوا بالتكلفة أو الثمن فإن واحدًا منهم فقط هو الذي سيفوز بالعقد برسو المناقصة عليه، وليس هناك من وجه لتحميل سائر المناقِصين تكلفة دفتر الشروط.

3 ـ إن أخذ المناقَص له مقابلًا لدفتر الشروط أشبه بالضريبة؛ لذلك يجب بذله بالمجان لمن يطلبه،

أما بالنسبة لأخذ التأمين النقدي فهو لحماية دفتر الشروط ممن يأخذه وهو غير جاد ليرميه بعد ذلك دون أن ينتفع به أو ينفع غيره (1) .

أدلة أصحاب القول الثاني:

استدل الشيخ أبو سليمان لصحة قوله بما يلي:

1 ـ إن دفتر الشروط المتضمن المواصفات والدراسات المتعلقة بالمشروع ستوفر على المناقِص الكثير من الجهد والمال، حيث لا يحتاج إلا للتنفيذ عندما ترسو عليه المناقصة؛ ولذلك فهو الأولى بتحمل تكاليف دفتر الشروط، وسيحتسبها ضمن تكاليف المشروع.

2 ـ قد تكون دراسة المشروع ومواصفاته من مسؤولية المناقِص الفائز بالعقد، وبالتالي ينبغي أن يتحمل تكاليف ذلك دون غيره؛ لأنه لو لم يقم المناقَص له بتقديمها لقام المناقِص الذي رست عليه المناقصة بتكاليف إعدادها.

3 ـ إن المناقِص الذي رست عليه المناقصة هو المستفيد الوحيد دون غيره؛ ولذلك فليس من سبب شرعي أن يُكلف من لم ترسُ عليهم المناقصة وخرجوا منها بدفع هذه التكاليف؛ فيجب أن يتحمل هذه التكاليف المناقِص الفائز بعقد المناقصة، حتى تكون المعاملة خالصة من شبهة أكل أموال الناس بالباطل (2) ، وقد قال تعالى:] ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل[ (3) .

أدلة أصحاب القول الثالث:

استدل السلامي على أنه لا مانع من بيع دفتر الشروط لمن يطلبه بما يلي:

1 ـ إن اشتراط الحصول على دفتر الشروط بثمن ليس القصد منه بيع دفتر الشروط؛ لأن تفاهة قيمته بالنسبة لقيمة المشروع لا تجعله مقصودًا بالثمن.

2 ـ إن دفتر الشروط يعتبر وثيقة مادية مسعرة بسعر محدد، ولم يُلزم بها أي مشترٍ إلزامًا ظالمًا، بل له أن يطلع على ذلك، ثم هو بالخيار في المشاركة أو عدمها.

3 ـ إن اشتراط الحصول على دفتر الشروط بثمن يُعتبر شرطًا سائغًا ليس له تأثير في العقد؛ ولذلك فلا مانع منه.

4 ـ إن ما يتضمنه دفتر الشروط يجعل المناقِص المشارك في المناقصة على بينة من أمره في شروط العقد وضوابطه مما يحقق له المصلحة والفائدة (1) .

مناقشة الأدلة:

مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:

إن أدلة أصحاب القول الأول تستند في مجموعها على أن المناقَص له هو المستفيد، وبالتالي ينبغي عليه أن يبذله بالمجان، هذه الأدلة يرد عليها ما يلي:

صحيح أن المناقَص له هو مستفيد من المناقصة، ولكن استفادته ليست في الأصل من دفتر الشروط، إنما في رسو المناقصة على المناقِص صاحب أقل سعر، مما يحقق مصلحته بأدنى ثمن، كما أن المناقِصين يتوقع كل واحد منهم الاستفادة من المناقصة برسوها عليه، ولا يمكن أن يدخل في منافسة الآخرين إلا إذا كان على علم مسبق بما هو مُلزم بالوفاء به، وإذا كان ذلك ضمن إمكاناته وقدراته أم لا، وهذا لا يتحقق إلا من خلال دفتر الشروط الذي يوفر له ذلك؛ وعليه فالفائدة من دفتر الشروط تعود بالقسط الأكبر على المناقِصين، فليس من العدالة إلزام المناقَص له ببذله بالمجان، بل الأصل أن يتحمل تكلفته المناقِصون.

يُضاف إلى ما سبق أن أغلب المشاريع التي تُطرح المناقصة لأجلها تحتاج إلى دراسة وإلى بيان شروطها ومواصفاتها، فلو لم يكن دفتر الشروط المتضمن لكل ذلك معدًا مسبقًا لكُلف المناقِص الذي رست عليه المناقصة جهدًا ووقتًا كثيرًا يحتاجه للسؤال عن سير المشروع ومواصفاته في كل مرحلة من مراحله، فوجود دفتر الشروط المتضمن لكل ذلك يوفر عليه هذا الجهد والعناء والوقت؛ ولذلك ينبغي أن يُكلف المناقِص بدفع قيمته، لا أن يبذله المناقَص له بالمجان.

مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:

إن أدلة أصحاب القول الثاني تستند في مجموعها على أن المناقِص الذي رست عليه المناقصة هو المستفيد، فيجب عليه دفع ثمن تكلفة دفتر الشروط، وهذه الأدلة يرد عليها ما ورد على أدلة أصحاب القول الأول، بالإضافة إلى أن علم المناقِص مسبقًا بأنه سيُحمّل تكاليف دراسة المشروع وثمن دفتر الشروط إذا رست عليه المناقصة، فسيدفعه ذلك إلى احتسابه ضمن قيمة المناقَص فيه ـ موضوع المناقصة ـ وبطبيعة الحال كل مناقِص يتوقع أن ترسو عليه المناقصة، وهذا يؤدي إلى حصول معنى القول الأول، وهو أنه سيؤول تحميل تكاليف دفتر الشروط على المناقَص له، فكأنه بذله بالمجان للمناقِصين، وقد تم الاعتراض على ذلك سابقًا.

الترجيح:

بناءً على ما سبق يترجح لدى الباحث القول الثالث والذي يفيد أن بيع دفتر الشروط لمن يطلبه أمر لا مانع منه.

أسباب الترجيح:

تتلخص أسباب الترجيح فيما يلي:

1 ـ قوة ما استدل به صاحب القول الثالث، مع إمكان الاعتراض على الأقوال الأخرى.

2 ـ لأنه شرط سائغ ليس له تأثير في العقد، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم" (1) .

3 ـ ما يتضمنه دفتر الشروط من ضبط لحقوق كل طرف وواجباته وبيان كل جزئية يدفع كل لبس أو غموض، ويحسم باب الخلاف والنزاع (2) ، وهذا ينسجم مع مقصد الشارع في نظام المعاملات القائم على عدم أكل أموال الناس بالباطل وعلى الرضا؛ لقوله تعالى:] ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ (3) ، والقائم على الوفاء بالعقود؛ لقوله تعالى:] أوفوا بالعقود (4) [.

وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي استيفاء رسم الاشتراك في المزايدة، أو بمعنى آخر أجاز بيع دفتر الشروط ولكن بما لا يزيد عن التكلفة الفعلية (5) ، وكذلك المناقصة يجوز فيها ذلك بالقياس على المزايدة.

وينبغي أن يُذكر هنا أن المناقصة إذا أُلغيت قبل فتح المظاريف لأي سبب من الأسباب فيجب إعادة ثمن دفتر الشروط للمناقِصين الذين تقدموا للاشتراك في المناقصة بعد رد هذه الدفاتر، أو بإعفائهم من ثمنها عند إعادة طرح المناقصة.

ثانيًا: حكم عقد الضمان:

يشترط في المناقصات عدة أنواع من الضمان، منها الضمان الابتدائي، والضمان النهائي، وضمان حسن أداء المعقود عليه فترة زمنية معينة بعد التسليم، والضمان عن دفعات مقدمة.

وقبل بيان ذلك لابد من تعريف الضمان وبيان أصل مشروعيته كما يلي:

تعريف الضمان في اللغة:

يطلق الضمان في اللغة على عدة معان أهمها:

1 ـ الكفيل: ضمن الشيء ضمنًا وضمانًا أي كفل به، والضمين: الكفيل (1) .

2 ـ الغرم: ضمن الشيء تضمينًا فتضمنه عنه إذا غرّمه (2) .

3 ـ الإلزام: ضمنته المال أي ألزمته إياه (3) .

تعريف الضمان في الاصطلاح:

يشير الدكتور محمد فوزي فيض الله إلى أنه قد وضعت تعريفات كثيرة للضمان، ولكنها لا تخلو من نظر أو قصور؛ ولذلك وضع تعريفًا للضمان اختاره الباحث وهو:"شغل الذمة بحق، أو بتعويض عن ضرر" (4) .

دليل مشروعية الضمان:

الضمان مشروع بالكتاب والسنة والآثار والإجماع.

أولًا: من الكتاب:

1 ـ قوله تعالى:] ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم[ (5) .

وجه الدلالة: الآية دليل على جواز الضمان؛ لأن معنى (وأنا به زعيم) أي وأنا به كفيل (6) ، والكفيل هو الضامن.

2 ـ قوله تعالى:] قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين[ (7) .

وجه الدلالة: الآية دليل على جواز الحمالة وهي الضمان، فمعنى الآية: فخذ أحدنا مكانه كضمانة حتى ينصرف إليك صاحبك، أي يصل بنيامين إلى أبيه يعقوب ويعرف جلية الأمر (8) .

ثانيًا: من السنة:

1 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته" (1) .

وجه الدلالة: هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يتكفل بديون المدينين إذا ماتوا دون أن يتركوا وفاءً ولم يؤدوا ما عليهم من حقوق للدائنين (2) .

2 ـ عن أبي أُمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي والزعيم غارم" (3) .

وجه الدلالة: الحديث دليل على مشروعية الضمان، فالزعيم هو الكفيل والضامن، وهو غارم، والغارم هو الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به (4) .

3 ـ عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة ليصلي عليها فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة رضي الله عنه عليّ دينه يا رسول الله فصلى عليه" (5) ."

وجه الدلالة: الحديث أفاد بشكل جلي كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل كفالة أبي قتادة رضي الله عنه بسداد ديون على ميت، فصلى عليه، وهذا يدل على مشروعية الضمان.

ثالثًا: من الآثار:

1 ـ روي أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه كفل عشائر المرتدين بعد استتابتهم، بناءً على اقتراح جرير، والأشعث في المرتدين: استتبهم وكفلهم، فتابوا وكفلهم عشائرهم (6) .

2 ـ روي أن شريحًا كفل في دم، وحبس الكفيل في السجن، وأن عمر بن عبد العزيز كفل في حد (1) .

وجه الدلالة: الآثار واضحة وصريحة في الدلالة على مشروعية الضمان، حيث فعله الصحابة والتابعون، فلو لم يكن مشروعًا ما فعلوه.

رابعًا: الإجماع:

أجمع العلماء على أن الرجل إذا ضمن عن الرجل لرجلٍ مالًا معلومًا بأمره فإن الضمان لازم له، وله أن يأخذه ممن ضمن عنه (2) .

مما سبق يتبيّن أن الضمان مشروع، ولا حرج شرعًا في التعامل به.

أنواع الضمان المشترط في المناقصات:

الضمان في المناقصات يتنوع بحسب الغرض الذي يُشتُرط لأجله، وأنواعه عديدة وهي:

1 ـ الضمان الابتدائي:

ويمثل 1 ـ 2% من قيمة العطاء ويُقدم معه، والغرض من هذا الضمان المالي هو التأكد من جدية المناقِصين، وضمان صدق رغبتهم، وأي عطاءات لا يُقدم معها هذا الضمان تُهمل، وإذا قُدِم الضمان معها ثم سُحِب العطاء قبل البت فيها فإن هذا الضمان تتم مصادرته (3) .

والضمان الابتدائي يُرد إلى المناقِصين الذين لم ترسُ عليهم المناقصة، أما المناقِص الذي رست عليه المناقصة فيلزمه تقديم ضمان آخر يُعرف بالنهائي، فيستعيد الضمان الابتدائي، أو يستكمله ليصل إلى قيمة الضمان النهائي (4) .

ويقال هنا أن المناقصة إذا أُلغيت قبل فتح المظاريف والبت في العطاءات لأي سبب من الأسباب فإن الضمان الابتدائي يُرد إلى جميع المناقِصين.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الضمان الابتدائي لا يُرد إلى المناقِصين الذين لم ترسُ

عليهم المناقصة قبل توقيع العقد مع المناقِص الفائز؛ لكي يستطيع المناقَص له من اختيار المناقِص التالي في الترتيب للتعاقد معه في حالة انسحاب من رست عليه المناقصة، وبذلك يتم حفظ الجهد والوقت والمال باجتناب طرح المناقصة ثانية (1) .

2 ـ الضمان النهائي:

ويمثل هذا الضمان 5% من قيمة العطاء، ويقدمه المناقِص الذي رست عليه المناقصة خلال مدة محددة من تأريخ إخطاره برسو المناقصة عليه (2) .

وهذا الضمان يُرد إلى المناقِص الذي أُبرم معه العقد بعد الوفاء بالتزاماته بصورة نهائية، وإذا تخلف عن تنفيذ التزاماته أو الوفاء بها فإن ضمانه النهائي يُصادر كله، ويُنفّذ العقد على حسابه مع تحمله فوارق الأسعار، والتعويض عن الأضرار (3) .

3 ـ الضمان عن دفعات مقدمة:

وهذا النوع من الضمان يقدمه المناقِص الذي أُبرم معه العقد في حالة حصوله على دفعات مقدمة من قيمة العقد (4) .

4 ـ ضمان حسن أداء المعقود عليه بعد التسليم خلال مدة معينة:

وهذا النوع من الضمان يطلبه المناقَص له من المناقِص الذي أُبرم معه العقد، ويشمل هذا الضمان حسن أداء المعقود عليه للغرض منه بعد التسليم مدة معينة، كما ويشمل ضمان تلف المعقود عليه أو تلف بعض أجزائه من غير تعدٍ من المناقَص له، أو سوء استخدام له (5) .

صورة الضمان المُقَدم في المناقصة:

غالبًا ما يكون الضمان المقدم في المناقصة على صورة خطاب ضمان، سواء كان ابتدائي أو نهائي أو عن دفعات مقدمة، وبيان حقيقة خطاب الضمان تأتي على النحو التالي:

تعريف خطاب الضمان:

"هو تعهد من البنك، يقدمه بناءً على طلب أحد عملائه إلى شخص أو جهة يحددها تسمى المستفيد، يتعهد فيه ـ أي البنك ـ بدفع مبلغ معين إلى ذلك المستفيد نيابة عن طالب الضمان عند عدم قيامه بالتزاماته تجاه المستفيد" (1) .

ولخطاب الضمان أهمية كبرى، حيث تتوقف المناقصات التي يطرحها المناقَص له سواء كان جهة إدارية حكومية عامة أو مدنية خاصة أو مؤسسات وشركات اقتصادية على هذه الضمانات مما يساعد على التنمية الاقتصادية (2) .

والغالب أن تكون نسبة الضمان كبيرة، مما يترتب على الضمان النقدي ضرر بالغ على المتعاقد؛ لما فيه من تجميد أموال ضخمة دون استثمار مدة طويلة، مع أنه بحاجة ماسة إليها للوفاء بالتزاماته، ومع العلم بطول وتعقيد إجراءات الاسترداد بعد الانتهاء، فوجود خطابات الضمان يؤدي إلى توفر السيولة النقدية للمتعاقد، بالإضافة إلى حصول المناقَص له على الضمان المطلوب (3) .

كما أن لخطابات الضمان أهمية كبرى في المناقصات الدولية، إذ توفر على المناقِصين القيام بإجراءات تحويل العملة واستردادها، مما يحميه من خسارة محتملة نتيجة لتغير الأسعار (4) .

ويترتب على إصدار خطاب الضمان علاقتان هما:

1 ـ علاقة بين البنك والجهة المستفيدة ـ وهي هنا المناقَص له ـ من خطاب الضمان، وهذه العلاقة تتضمن تعهد البنك بدفع مبلغ الضمان في حالة عدم التزام المناقِص بالوفاء بتعهداته والتزاماته، دون أن يتحمل المناقَص له أي تبعات لصالح البنك.

2 ـ علاقة بين البنك وبين طالب خطاب الضمان ـ وهو هنا المناقِص ـ يلتزم فيها البنك بدفع قيمة الضمان المحددة في الخطاب للمناقَص له في حالة تحقق شروط ذلك، مقابل حصول البنك على عمولة أو أجرة نظير هذه الخدمة (5) .

وخطاب الضمان قد يكون مغطى تغطية كاملة من قِبَل المناقِص، وقد يكون مغطى تغطية

جزئية بحيث يُودع المناقِص قيمة خطاب الكلية أو الجزئية في حساب خاص يسمى احتياطي خطاب الضمان، ولا يجوز له التصرف فيه حتى ينتهي التزام البنك الناشئ عن خطاب الضمان (1) .

وقد يصدر البنك أحيانًا خطابات ضمان بدون غطاء، خاصة لذوي المركز المالي المتين من الشركات الكبرى أو الأفراد، والذين يتمتعون بثقة البنك (2) .

حكم خطابات الضمان:

بالنظر إلى العلاقتين الناشئتين عن خطاب الضمان يمكن بيان الحكم كما يلي:

علاقة البنك مع المناقَص له تعتبر علاقة ضمان وكفالة دين، وقد تمت الإشارة سابقًا إلى جواز عقد الضمان ومشروعيته.

أما علاقة البنك مع المناقِص فيختلف حكم خطاب الضمان باختلاف التكييف الفقهي المبني على مقدار وحجم تغطية هذا الخطاب، وللعلماء المعاصرين في تكييف خطابات الضمان عدة أقوال (3) ، ولكن التكييف الذي رجحه كثير من العلماء هو أن خطاب الضمان إذا كان مغطى تغطية كاملة فهو وكالة، فما يأخذه البنك من أجرة مقابل هذه الخدمة لا مانع منه شرعًا؛ لأن الوكالة تصح بأجر كما وتصح من غير أجر، وإذا كان خطاب الضمان بدون غطاء فهو عبارة عن ضمان وكفالة لا يجوز شرعًا أخذ أجر أو عوض عليها (4) ؛ لأن الكفالة عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان (5) ، ولما فيه

من شبهة القرض الذي يجر نفعًا، وهذا ممنوع شرعًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" (1) ، ولكن لا مانع من تحصيل البنك للنفقات والمصاريف الإدارية التي رافقت إصدار خطاب الضمان، وإذا كان خطاب الضمان مغطى تغطية جزئية فهو وكالة في الجزء المغطى، وكفالة في الجزء غير المغطى وتجري عليه الأحكام السابقة (2) .

ومجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة في جدة في 22/ 12/1985 رجح التكييف السابق، وقرر مجموعة من الضوابط منها:

1 ـ خطاب الضمان مغطى أو غير مغطى لا يجوز أخذ الأجر عليه نظير عملية الضمان.

2 ـ المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان جائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء (3) .

ويذكر هنا أن الزحيلي مع علمه أن الضمان أو الكفالة عقد تبرع يتم بلا مقابل إلا أنه يرى أن الكفيل ـ وهو البنك هنا ـ إذا اشترط تقديم أجر نظير كفالته وتعذر على طالب الكفالة ـ وهو المناقِص هنا ـ تحقيق مصلحته من طريق المحسنين المتبرعين جاز له أن يدفع الأجر للضرورة أو الحاجة العامة، وحجته أن الفقهاء أجازوا دفع الأجر للحاجة لأداء القربات والطاعات كتعليم القرآن والإمامة وغيرها، كما يمكن اعتبار الأجر مقابل الأتعاب في إنجاز معاملة الكفالة، وينبغي عدم الاستغلال أو المغالاة في اشتراط المقابل مراعاةً لأصل مشروعية الكفالة وهو التبرع (4) .

ويرى الباحث ترجيح ما ذكره الزحيلي؛ لأنه يتمشى مع قواعد الشريعة وأصولها القائمة على تحقيق المصالح، ودفع المفاسد، ولإمكان تنزيل الحاجة منزلة الضرورة، بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه من أهمية خطابات الضمان في التنمية الاقتصادية، وتوفر السيولة النقدية.

حكم مصادرة الضمان:

تمت الإشارة سابقًا إلى أن المناقِص إذا سحب اشتراكه من المناقصة قبل فتح المظاريف، وقبل البت فيها فإن ضمانه الابتدائي يُصادر، وكذلك الضمان النهائي في حالة تخلفه عن الوفاء بالتزاماته بعد إبرام العقد، فما حكم مصادرة هذا الضمان؟

يرى الدكتور المصري أن مصادرة الضمان تشبه العربون إذا نكل دافعه (1) .

والعربون هو:"أن يشتري السلعة ويدفع إليه درهمًا ليكون من الثمن إن رضي السلعة، وإلا فهو هبة" (2) .

ولاشك أن الضمان ومصادرته في عقد المزايدة هو بيع العربون معنىً وجوهرًا، كما أشار الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، والشيخ محمد السلامي؛ لأن المزايد هو المشتري (3) ، أما في المناقصة فالمناقِص ليس مشتريًا وإنما هو بائع للسلعة إن كان موردًا أو بائع للعمل إن كان مقاولًا، وربما قياس مصادرة الضمان على مصادرة العربون الذي استند إليه الدكتور المصري يرتكز على اشتراكهما في علة النكول والتخلف عن الوفاء بالالتزامات والتعهدات، وتعويضًا عن الأضرار التي تلحق بالمناقَص له نتيجة لعدم وفاء المناقِص بالتزاماته.

أما حكم العربون فقد اختلف فيه الفقهاء قديمًا وحديثًا على قولين:

القول الأول: إن بيع العربون باطل، وبه قال الحنفية (4) ، والمالكية (5) ، والشافعية (6) ، والزيدية (7) ، ومن المعاصرين الصدّيق الضرير (8) .

القول الثاني: إن بيع العربون جائز، وبه قال الحنابلة (9) ، وكثير من المعاصرين (10) .

أدلة أصحاب القول الأول:

استدلوا لصحة قولهم بالكتاب والسنة.

أولًا: من الكتاب:

قوله تعالى:] ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل[ (1) .

وجه الدلالة: بيع العربون هو من أكل أموال الناس بالباطل (2) ؛ فيكون منهيًا عنه.

ثانيًا: من السنة:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان" (3) .

وجه الدلالة: الحديث صريح في النهي عن بيع العربان.

أدلة أصحاب القول الثاني:

استدلوا لصحة قولهم بالسنة والآثار.

أولًا من السنة:

عن زيد بن أسلم رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أحل العربان في البيع" (4) .

وجه الدلالة: الحديث صريح في جواز بيع العربان.

ثانيًا: من الآثار:

1 ـ إن مجاهدًا لا يرى بالعربون بأسًا (5) ، وكذلك ابن سيرين لا يرى بأسًا أن يُعطي العربون (6) .

2 ـ أن نافع بن عبد الحارث اشترى من صفوان بن أمية دار السجن بثلاثة آلاف، فإنْ عمر رضي الله عنه رضي فالبيع بيعه، وإنْ عمر رضي الله عنه لم يرض بالبيع فلصفوان أربعمائة درهم فأخذها عمر (1) .

وجه الدلالة: الآثار واضحة الدلالة على جواز بيع العربان؛ إذ فعله عمر رضي الله عنه وغيره من التابعين، فلو كان غير جائز ما فعلوه.

الترجيح:

لقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي بيع العربون، ولكن بشرط تقييده بمدة محددة (2) ، وهذا ما يرجحه الباحث؛ لأن طريقة البيع بالعربون غدت تشكل أساسًا لكثير من التعاملات التجارية المتضمنة للتعهد بتعويض ضرر الغير (3) ، والضرر مرفوع في الشريعة لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" (4) ، وتحديد مدة للعربون يقلل من الغرر والمخاطرة التي قد تطرأ على هذا البيع.

حكم ضمان حسن أداء موضوع المناقصة خلال مدة معينة:

إن اشتراط ضمان حسن أداء المعقود عليه للغرض منه مدة معينة هي دون عمره الافتراضي يندرج تحت ضمان العيب كما أشار إلى ذلك الدكتور المطلق في بحثه عقد التوريد (5) ، بشرط أن لا يكون بتعدي المناقَص له، أو سوء استخدامه.

وضمان العيب مقرر شرعًا حيث أثبت الإسلام للمشتري خيار العيب، فقد روت عائشة رضي الله عنها أن رجلًا ابتاع غلامًا، فاستغله ثم وجد به عيبًا؛ فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الغلة بالضمان" (6) .

واشتراط مثل هذا الضمان أمر تعارف عليه الناس، بالإضافة إلى أن الأصل في الشروط الإباحة، إلا ما دل الشرع على خلافه كما حُرِر ذلك سابقًا (7) .

بعد هذا العرض للضمان يمكن الخروج بالقول إن طلب الضمان في المناقصة أمر جائز ومشروع لا بأس فيه، وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة (1) ، فكذلك يجوز في المناقصة قياسًا عليها.

ثالثًا: حكم العقد المتعلق بموضوع المناقصة:

العقد المتعلق بموضوع المناقصة هو العقد الذي لأجله تم طرح المناقصة، سواء كان عقد بيع سلع، أو بيع منفعة.

وهذه العقود جائزة شرعًا، إذا توفرت فيها أركانها وشروطها؛ ودليل ذلك عمومات الكتاب والسنة، كقوله تعالى:] وأحل الله البيع وحرم الربا [ (2) ، وقوله تعالى:] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ (3) ، وقوله تعالى:] أوفوا بالعقود [ (4) ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما البيع عن تراض" (5) .

رابعًا: حكم اجتماع عقود في عقد واحد:

نقل ابن جزي الإجماع على عدم جواز اشتراط السلف من أحد المتبايعين إذا عزم مشترطه عليه، فإن أسقطه جاز البيع عند المالكية خلافًا لجمهور العلماء (6) ، كما نقل ابن قدامة عدم جواز اجتماع السلف والبيع، فقال:"ولا أعلم فيه خلافًا إلا أن مالكًا قال: إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع" (7) ؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك" (8) .

أما حكم اجتماع غير عقد السلف مع عقود أخرى فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين هما:

القول الأول: لا يجوز اجتماع عقود في عقد واحد، وبه قال الحنفية (9) ، والمالكية (10) في المشهور،

والشافعية (1) في الطريق الأصح عندهم، والحنابلة (2) في قول.

وقد أجاز المالكية والشافعية الجمع بين البيع والإجارة في عقد واحد (3) .

القول الثاني: يجوز اجتماع عقود في عقد واحد، وبه قال أشهب (4) من المالكية (5) ، وابن تيمية من الحنابلة (6) .

سبب الخلاف:

إن اختلاف الفقهاء في حكم اجتماع عقود في عقد واحد جاء نتيجة لاختلافهم في معنى أحاديث البيعتين في بيعة، والصفقتين في صفقة، بالإضافة إلى خلافهم في الأصل في العقود والشروط هل هو الحظر أو الإباحة.

فمن أخذ بظاهر أحاديث البيعتين في بيعة، والصفقتين في صفقة منع صحة اجتماع عقود في عقد واحد، ومن لم يأخذ بظاهر الأحاديث ذات الصلة، أو اعتبر أن الأصل في العقود والشروط الإباحة قال بجواز اجتماع عقود في عقد واحد.

أدلة أصحاب القول الأول:

استدلوا على صحة قولهم بأدلة من السنة وهي:

1 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة" (7) .

2 ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة" (1) .

3 ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" (2) .

وجه الدلالة:

ظاهر هذه الأحاديث يفيد عدم جواز اجتماع عقود في عقد واحد؛ لأن البيعتين عقدان، والصفقتين عقدان، وقد نُهي أن يجمعهما عقد واحد، وكذلك حكم الشرطين في بيع، وقد ذكر الشافعي تفسيرًا لأحاديث البيعتين والصفقتين وهو:"أن يقول أبيعك على أن تبيعني" (3) ، فالبيعتان جميعا مفسوختان بما انعقدت.

أدلة أصحاب القول الثاني:

استدلوا لصحة قولهم بما استدلوا به على أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، ما لم يدل الشرع على تحريمه (4) .

مناقشة الأدلة:

أولًا: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:

نُوقشت أدلتهم التي استدلوا بها من السنة بأن معناها الظاهري ليس هو المراد، خاصة وأن علة النهي في الأحاديث هي عدم العلم بالثمن الذي تم عليه العقد؛ لأن أهل العلم أفادوا أن معنى بيعتين في بيعة وصفقتين في صفقة هو: أن يقول بعتك هذا الثوب نقدا بكذا، أو نسيئة بكذا، فهذا لا يجوز لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما، فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع (5) .

ثانيًا: مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:

ما قيل في مناقشة ما استدلوا به في مسألة هل الأصل في العقود والشروط الإباحة أو الحظر، والتي تم بحثها سابقًا (1) يُقال هنا أيضًا.

الترجيح:

يترجح لدى الباحث القول الثاني وهو جواز اجتماع عقود في عقد واحد؛ لقوة أدلتهم، ولإمكان الرد على أدلة أصحاب القول الأول، إذ إن تفسيرها ليس بظاهرها وإنما بما تم بيانه، إضافة إلى أن العقود المنفردة إذا انعقدت صحيحة فلا مانع من انعقادها صحيحة مجتمعة.

مما سبق يمكن القول أن هذه العقود التي تضمنها عقد المناقصة تعتبر عقودًا جائزة، واجتماعها في عقد واحد أمر جائز، وقد قال صاحب البدائع:"ما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا" (2) ، ومن ثَم فإن عقد المناقصة يُعتبر عقدًا جائزًا شرعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت