المبحث الأول
ماهية العقود
الإنسان لا يمكنه تحصيل أسباب عيشه إلا بتعاونه مع غيره من بني جنسه، يتبادل معهم المنافع والمصالح؛ ولذلك يقول ابن خلدون (1) :"الإنسان مدني بالطبع" (2) .
ومن ثم كان اجتماع البشر ضرورة إنسانية، تؤدي إلى نشوء التزامات ومعاملات يتوصلون بها إلى تحقيق مصالحهم، هذه الالتزامات والمعاملات تسمى عقودًا، ونتائج تصرفات الإنسان قد تكون مترتبة إما على التزامات ناشئة عن إرادته المنفردة أو عن توافق إرادته مع إرادة غيره، فأي هذه التصرفات أو الالتزامات يعتبر عقدًا؟ وما هي أركان العقد؟ وما هي أنواع العقود؟
هذه التساؤلات تكفل هذا المبحث بالإجابة عليها من خلال عدة مطالب على النحو التالي:
المطلب الأول
تعريف العقد
أولًا: العقد في اللغة:
العقد يجمع على عقود، وهو مشتق من الفعل عقد يعقد عقدًا، والعقد: نقيض الحل، فهو بمعنى الربط والشد، يقال: عقدت الحبل: أي ربطت بين طرفيه وشددتهما (3) .
ويأتي العقد بمعنى التوثيق والتوكيد والإحكام، فيطلق العقد على العهد واليمين، فيقال: عقد
العهد واليمين يعقدهما عقدًا: أي يؤكدهما، ومنه قوله تعالى:] والذين عقدت أيمانكم [ (1) ، وقوله تعالى:] ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان[ (2) ، فالعقد هنا بمعنى التوكيد والتوثيق والالتزام (3) .
كما ويقال: عقدة النكاح وعقد البيع أي وجوبهما، فهو ربط بين طرفين، والتزام من كليهما فعقدة كل شيء أي إبرامه (4) .
ويأتي العقد بمعنى العزم (5) ، ومنه الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه:"لآمرنّ براحلتي ترحل، ثم لا أحل لها عقدة حتى أقدم المدينة" (6) ، أي لا أحل عزمي حتى أقدمها (7) ، والعزم إنما هو ربط بين النية والإرادة.
ويذكر هنا أن العلماء أشاروا من خلال بيانهم للمعاني التي يفيدها العقد إلى أنه يطلق على معنيين: أحدهما حسي كعقد الحبل، والآخر معنوي أو حكمي كعقد النكاح، وكعقد البيع إذ هو ربط بين كلامين، أو التزام ناشئ عن ربط إرادتين (8) ، وهذا هو المعنى المراد في هذا البحث.
ثانيًا: في الاصطلاح:
إن المتتبع لتعريفات العلماء للعقد يرى أن لهم في تعريف العقد نظرتين: نظرة للعقد بمعناه العام، ونظرة بمعناه الخاص، وبيان ذلك كما يلي:
أولًا: العقد بالمعنى العام:
يعتمد تعريف العلماء للعقد بمعناه العام على اعتبار أن كل التزام ينشأ عن ارتباط إرادتين
كالبيع والشراء والنكاح، أو ينشأ بإرادة منفردة كالنذر والطلاق والهبة والوصية يصدق عليه مسمى
العقد، وإلى ذلك أشار أبو بكر الرازي (1) بقوله:"العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه" (2) .
إلى هذا المعنى ذهب كثير من العلماء في أحد تفسيراتهم لكلمة (العقود) الواردة في قوله تعالى:] ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود[ (3) ، فمنهم من أشار إلى أن مراد الآية عام في كل عقد (4) ، ومنهم من يرى أن العقود هي ما عقده المرء على نفسه من بيع أو شراء بالإضافة إلى ما عقده على نفسه لله تعالى من طاعات وغير ذلك ما لم يكن خارجًا على الشريعة (5) .
ثانيًا: العقد بالمعنى الخاص:
العقد بمفهومه الخاص يصدق على كل ارتباط بين كلامين أو إرادتين من طرفين، هذا الارتباط ينشئ آثارًا، وتترتب عليه حقوق متقابلة.
وهذا المفهوم للعقد عبّر عنه ابن عابدين بقوله:"العقد مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قبول الآخر، أو كلام الواحد القائم مقامهما" (6) ، ونقل في موضع آخر أن العقد هو ربط أجزاء التصرف أي الإيجاب والقبول شرعًا (7) .
ويشار هنا أن كثيرًا من العلماء اعتمدوا التعريف الأخير في كتبهم (8) ، كما أن المجلة العدلية تبنت هذه النظرة للعقد، فجاء فيها أن العقد:"تعلق كل من الإيجاب والقبول بالآخر على وجه"
مشروع يظهر أثرهما في متعلقهما" (1) ، أو بعبارة أخرى: العقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله (2) ، وهذا التعريف الأخير هو الشائع بين الفقهاء."
وتعريف العقد بمعناه الخاص هو المقصود في هذا البحث، ومع تنوع عبارة الفقهاء في تعريف العقد إلا أنها تعود في جملتها إلى معنى واحد، وهو ارتباط الإيجاب والقبول على وجه مشروع تترتب عليه آثاره الشرعية.
التعريف المختار:
بناءً على ما سبق يمكن اختيار التعريف الشائع عند الفقهاء وهو: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله.
سبب الترجيح:
الذي رجح اختيار هذا التعريف إفادته لمعنى العقد بألفاظ مختصرة، إلى جانب كونه تعريفًا جامعًا مانعًا، بالإضافة إلى أنه التعريف الشائع والمتداول عند الفقهاء.
شرح التعريف:
(ارتباط) : الارتباط لفظ عام يشمل الارتباط الحسي كالربط بين شيئين ماديين، كما ويشمل الارتباط المعنوي أو الاعتباري كالربط بين كلامين، أو إرادتين.
(إيجاب بقبول) : وبإضافة إيجاب بقبول أخرج الارتباط الحسي، وبقي الارتباط المعنوي، وهو هنا ارتباط الإيجاب بالقبول، والإيجاب هو أول فعل يصدر من أحد العاقدين دالًا على رضاه وجزمه في إنشاء العقد، والقبول هو الفعل الصادر من العاقد الآخر بعد الإيجاب دالًا على موافقته في إنشاء العقد الذي أوجبه الأول، والذي يبدأ في إنشاء العقد دائمًا هو الموجب، والآخر هو القابل، ففي عقد البيع مثلًا لو بدأ المشتري قائلا: اشتريت اعتبر هذا إيجابًا، وجواب البائع يعتبر قبولًا.
(على وجه مشروع) : هذا قيد لبيان ضرورة تحقق ارتباط الإيجاب بالقبول بشروطه الشرعية، وعليه فيخرج به الارتباط على غير الوجه المشروع الذي لم تتحقق فيه الشروط الشرعية.
(يثبت أثره في محله) : الأثر هو الحكم الشرعي، أو الحقوق المترتبة على ارتباط الإيجاب بالقبول، ومحله أي محل العقد كالأموال التي يتبادل المتعاقدان الحقوق فيها، ويخرج بهذا القيد كل ارتباط بين كلامين لا يترتب عليه أثر كالاتفاق على بيع كل شريك حصته الشائعة من دار لشريكه
بالحصة الأخرى المساوية لها؛ إذ لا فائدة منه ولا أثر له (3) .
علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي:
يلاحظ أن العلاقة بين المعنيين هي علاقة عموم وخصوص، فالمعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي للعقد بمفهومه العام، إذ إن المعنى اللغوي يشمل المعني الاصطلاحي بمعناه العام، والذي يندرج فيه ما يعقده المرء بارتباط إرادتين، أو بإرادة منفردة، كما ويشمل كل ربط حسي، أما المعنى الاصطلاحي للعقد بمفهومه الخاص فهو أخص؛ لأنه لا يشمل إلا ما كان ناشئًا عن توافق وارتباط إرادتين من طرفين فقط.
العلاقة بين العقد وبين التصرف والالتزام:
يمكن تحديد العلاقة بين العقد وبين التصرف، وبين العقد وبين الالتزام، سواء نتج هذا الالتزام بتوافق إرادتين أو نتج بإرادة منفردة، على النحو التالي:
أولًا: العلاقة بين العقد وبين التصرف:
بالنسبة للعقد فقد سبق تعريفه، أما التصرف فهو كل ما يصدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل مما يترتب عليه آثاره المشروعة (1) ، والتصرف (2) نوعان: فعلي وقولي:
التصرف الفعلي:
وهو كل عمل غير لساني يصدر عن الشخص بإرادته كالغصب، وقبض الدين، والإتلاف وغير ذلك.
التصرف القولي:
وهو نوعان:
1.عقدي: وهو ما كان ناشئًا عن ارتباط إرادتين من طرفين كالبيع، والإجارة وغيرها.
2.غير عقدي: ويندرج تحته نوعان:
أحدهما ينشئ حقًا أو يبطله بإرادة منفردة، أو عزيمة مبرمة كالوقف (1) ، والإبراء (2) ، والطلاق وهذا النوع قد يسمى عقدًا كما هو الحال عند الجصاص، وقد سبقت الإشارة إليه.
والنوع الآخر عبارة عن أقوال لا تنشئ حقوقًا ولا تسقطها، ولكن تترتب عليها نتائج حقوقية فهي مجرد إخبار بحق كالدعوى والإقرار وغيرها.
يتضح مما سبق أن بين العقد وبين التصرف عموم وخصوص، فالتصرف أعم من العقد حتى بمفهومه العام؛ لأن العقد بعض أنواع التصرف، والعقد بمفهومه الخاص أكثر اختصاصًا، ومن ثم فكل عقد يعتبر تصرفًا وليس كل تصرف يعتبر عقدًا (3) .
ثانيًا: العلاقة بين العقد وبين الالتزام:
الالتزام هو كل تصرف ينشئ حقوقًا، أو يعدلها، أو ينقلها، أو يسقطها، سواء نتج عن توافق إرادتين كالبيع مثلًا، أو نتج عن إرادة منفردة كالعتق أو الإبراء.
وبناءً عليه فالالتزام يرادف العقد بمعناه العام، ولكنه أعم من العقد بمعناه الخاص، إذ يقتصر الأخير على توافق إرادتين فقط، بخلاف الالتزام فيشمل ذلك كما ويشمل ما نشأ عن إرادة واحدة (4) .
استقلال الإرادة الواحدة في إنشاء العقود:
بعد ذكر العلاقة بين العقد وبين الالتزام كان من الواجب الإجابة على سؤال مفاده: هل تستقل الإرادة الواحدة بإنشاء عقد من العقود؟
والجواب يكمن فيما يراه العلماء من أن الإرادة الواحدة يمكن أن تستقل في إنشاء عقد من العقود في أحوال استثنائية، كاستقلالها في إنشاء الالتزام؛ لأن التشدد في قصر العقد على توافق إرادتين يمنع صحة أنواع من المعاملات تحقق جملة من مصالح العباد، منها: الجعالة (5) ، والوقف وغيرها (6) .
المطلب الثاني
أركان (1) العقد
لكي يكون العقد وسيلة لترتب الآثار التي أرادها الشارع من تشريعه ينبغي أن يكون هذا
العقد معتبرًا في نظر الشارع، والعقد المعتبر شرعًا هو ذلك العقد الذي جاء مستوفيًا لأركانه وشروطه (2) الأساسية، وجاء هذا المطلب ليتناول أركان العقد كما يلي:
إن أركان العقد كما يرى الجمهور (3) ثلاثة أركان:
الركن الأول: العاقدان:
وهما طرفا العقد، الصادر منهما الإيجاب والقبول كالبائع والمشتري في عقد البيع، أو المؤجر والمستأجر في عقد الإجارة، وقد يكون العاقدان أو أحدهما شخصية طبيعية والآخر شخصية اعتبارية (4) .
الركن الثاني: المعقود عليه:
وهو ما يقع عليه التعاقد، وتظهر عليه آثار وأحكام العقد سواء كان عينًا مالية، أو غير مالية كالمرأة في عقد النكاح، أو منفعة كما في عقد الإجارة.
الركن الثالث: الصيغة:
ويعبر عنها بالإيجاب والقبول، وهي العبارات الدالة على تحقق رضا العاقدين في إنشاء العقد، أو ما يقوم مقامهما، إذ الرضا لابد منه كأساس في مشروعية العقد؛ لقوله تعالى:] يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[ (5) ، ولما روي
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنما البيع عن تراض" (1) .
والرضا ليس مقصورًا على البيع فقط بل لابد منه في سائر العقود معاوضات كانت أو غيرها، ومن المعلوم أن الرضا أمر خفي يحتاج إلى ما يدل عليه، فكان الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما الدليل على ذلك الرضا.
والإيجاب عند الجمهور: هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخرًا، والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن صدر أولًا (2) .
أما عند الحنفية فركن العقد: الصيغة فقط، وهي الإيجاب والقبول (3) ، والإيجاب عندهم هو: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولا، سواء وقع من البائع، أو من المشتري، كأن يقول المشتري أولًا: اشتريت منك هذا بكذا، والقبول: هو الفعل الثاني الدال على الرضا بالفعل الأول (4) .
والاختلاف الحاصل بين الجمهور وبين الحنفية في تحديد أركان العقد يرجع سببه إلى اختلافهم في مفهوم الركن، إذ الركن عند الجمهور: هو الأمر الذي لابد منه لكي يتحقق العقد (5) ، فهو بذلك يشمل ما كان داخلًا في حقيقة العقد، وما كان خارجًا عنها، مادام العقد متوقفًا عليه.
والركن عند الحنفية: هو ماهية الشيء أو جزء من هذه الماهية يتوقف تقومها عليه (6) .
وعلى كل الأحوال فلا يتصور وجود صيغة من غير عاقدين، ومحل يقع عليه التعاقد، ومن ثم فلا أثر من حيث النتيجة بسبب ما يعتبره الجمهور أركان للعقد ولا يعتبره الحنفية، خاصة وأن الحنفية يعتبرونها من لوازم العقد التي لا يقوم العقد إلا بها، ولذلك قال الزحيلي:"وأيا كان هذا الاختلاف فهو اصطلاح لا تأثير له من حيث النتيجة" (7) .
المطلب الثالث
أنواع العقود
تنقسم العقود بحسب اعتبارات مختلفة إلى عدة أنواع، وبالرغم من أن أغلب العقود مبثوثة في كتب الفقه المتقدمة إلا أن هذه الكتب لم تتناول تقسيمات العقود على النحو الآتي، وهذه التقسيمات مستقاة من كتب الفقه الحديثة.
التقسيم الأول: باعتبار التسمية: تنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى قسمين:
1.عقود مسماة: وهي العقود التي وضع لها الشارع اسمًا خاصًا بها، ورتب عليها آثارها الشرعية بانعقادها، ومن أمثلتها: البيع والإجارة والهبة والنكاح وغيرها (1) .
2.عقود غير مسماة: وهي العقود التي لم يضع لها الشارع اسمًا خاصًا بها، ولم يرتب الشارع أحكامًا خاصة بها، وإنما اقتضت حاجة الناس استحداثها، وهذه العقود كثيرة لا يتوقف استحداثها؛ لأنها مرتبطة بتطور المجتمعات ومصالحها، ومن أمثلتها: عقود الاستصناع وعقود التعهد والالتزام كالمناقصات وما تشمله من عقود توريد ومقاولة والتي هي موضوع بحث هذه الرسالة.
يشار هنا إلى أن التسمية لا أثر لها في حكم الشرع على هذه العقود، إنما مقاصد العقد والتزاماته وما انتظمه من أحكام هي التي تحدد حكم الشرع فيها (2) .
التقسيم الثاني: باعتبار المشروعية:
وبهذا الاعتبار تنقسم العقود إلى قسمين:
1.عقود مشروعة: وهي تلك العقود التي أجازها الشارع ورتب عليها آثارها الشرعية كالبيع والرهن والهبة وغيرها (3) .
2.عقود غير مشروعة: وهي العقود التي حرمها الشارع ونهى عنها كبيع حبل الحبلة والمضامين والملاقيح وغيرها من العقود التي فقدت شرطًا من شروط انعقادها (4) .
التقسيم الثالث: باعتبار الصحة:
تنقسم العقود باعتبار صحتها أو عدمها إلى قسمين:
1.عقود صحيحة: وهي العقود التي جاءت مستوفية شروطها الشرعية، كالنكاح والبيع وغيرها (5) .
2.عقود فاسدة: وهي التي كانت مشروعة بأصلها دون وصفها، بمعنى آخر هي العقود التي فقدت بعض شروطها المتعلقة ببعض نواحيها الفرعية كجهالة الثمن في البيع أو في الإجارة (1) .
فالعقود التي توصف بالبطلان لم تعتبر بهذا الاعتبار؛ لأن الباطل معدوم شرعًا (2) .
التقسيم الرابع: باعتبار غاية العقد:
وتنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى سبعة أقسام هي:
1.عقود التمليكات: وهي ما كانت غايتها التملك كالبيع والهبة والوصية والإعارة (3) .
2.عقود التوثيقات: وهي ما كانت غايتها ضمان الحقوق كالكفالة والرهن (4) .
3.عقود الاشتراك: وهي ما كان هدفها الاشتراك في العمل أو الربح كالشركة والمضاربة (5) .
4.عقود التفويض أو الإطلاقات: وهي إطلاق شخص يد غيره في التصرف كالوكالة والوصاية (6) .
5.عقود التقييدات: وهي منع شخص غيره من التصرف كالحجر أو عزل الوكيل (7) .
6.عقود الإسقاطات: وهي ما كانت غايتها إسقاط حق من الحقوق كالإبراء من الدين (8) .
7.عقود الحفظ: وهي التي يقصد منها حفظ الحق لصاحبه كالوديعة (9) .
التقسيم الخامس: باعتبار وجود العوض:
وبهذا الاعتبار تنقسم العقود إلى ثلاثة أقسام هي:
1.عقود المعاوضات: وهي العقود التي تجري فيها المبادلات سواء كانت مبادلة مال بمال كالبيع، أو مال بمنفعة كالإجارة، أو مال بغير مال ولا منفعة كالنكاح (10) .
2.عقود التبرعات: وهي العقود التي ليس فيها عوض كالهبة والإعارة والإبراء (11) .
3.عقود تبدأ تبرعًا وتنتهي معاوضة: ومن أمثلتها القرض والكفالة (12) .
التقسيم السادس: باعتبار الأصلية:
تنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1.عقود أصلية: وهي العقود التي لا ترتبط مع غيرها من العقود وجودًا وعدمًا كالبيع (1) .
2.عقود تبعية: وهي العقود التي تكون مرتبطة بغيرها من العقود وتابعة لها وجودًا وعدمًا كالرهن والكفالة (2) .
التقسيم السابع: باعتبار القبض أو الصفة العينية:
وبهذا الاعتبار تنقسم العقود إلى قسمين:
1.عقود عينية: وهي العقود التي يشترط فيها قبض المعقود عليه ليتم العقد وإلا فلا يأخذ العقد حكمه، ومن أمثلتها: الهبة والإعارة والقرض والإيداع والرهن (3) .
2.عقود غير عينية: وهي التي تتم بمجرد الإيجاب والقبول، وهي بقية العقود (4) .
التقسيم الثامن: باعتبار النفاذ:
وتنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1.عقود نافذة: وهي العقود الصحيحة التي صدرت من كامل الأهلية والولاية، وتترتب عليها آثارها فور صدورها، ولا تتوقف على إجازة أحد، وهي أغلب عقود الناس (5) .
2.عقود موقوفة: وهي العقود الصادرة عن كامل الأهلية من غير أن تكون له ولاية لإصدار العقد، كالعقود التي يعقدها الفضولي، وكذلك العقود الصادرة عن ناقص الأهلية كالصبي المميز، فهذه العقود موقوفة على إجازة صاحب الشأن أو ولي المميز (6) .
التقسيم التاسع: باعتبار اللزوم وقبول الفسخ:
وهذا الاعتبار يتعلق بالعقد النافذ، وتنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1.عقود لازمة: وهي العقود التي لا يملك أحد العاقدين فسخها دون رضا العاقد الآخر، وهذه العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
ـ عقود لازمة بحق الطرفين ولا تقبل الفسخ بالإقالة كالنكاح، ولكنه يفسخ بطريق الطلاق أو الخلع.
ـ عقود لازمة بحق الطرفين وتقبل الفسخ بطريق الإقالة، وهي عقود المعاوضات المالية.
ـ عقود لازمة بحق أحد الطرفين فقط كعقود الرهن والكفالة فهي غير لازمة بالنسبة للمرتهن أو المكفول له، فيحق لهما الفسخ متى أرادا ذلك (7) .
2.عقود غير لازمة: أي غير لازمة لأي من طرفي العقد، وهي العقود التي يملك كل طرف من طرفي العقد أو أحدهما أن يفسخ العقد دون اعتبار لرضا الآخر، مثل: الوكالة والإعارة وغيرها (1) .
التقسيم العاشر: باعتبار الضمان:
وتنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام هي:
1.عقود ضمان: وهي العقود التي يعتبر فيها القابض للمال متحملًا لمسؤولية تلف المال أو ضياعه كالبيع والقرض، ويندرج تحتها ما يتبرع به شخص من ضمان حق الغير كالكفالة (2) .
2.عقود أمانة: وهي العقود التي لا يكون القابض فيها مسؤولًا عما يلحق المال المقبوض من تلف أو غيره إلا إذا كان متعديًا أو مقصرًا في حفظه، كعقود الوديعة والإعارة والشركة وغيرها (3) .
3.عقود مزدوجة الأثر: وهي العقود التي تعتبر من وجه عقود ضمان ومن وجه آخر تعتبر عقود أمانة، ومن هذه العقود: الإجارة والرهن (4) .
التقسيم الحادي عشر: باعتبار زمن تنفيذ العقد:
وتنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى قسمين:
1.عقود فورية: وهي العقود التي لا يحتاج تنفيذها إلى زمن ممتد، وإنما يتم تنفيذها فورًا دفعة واحدة كالبيع والقرض والهبة وغيرها (5) .
2.عقود مستمرة أو متراخية: وهي العقود التي يستغرق تنفيذها فترة من الزمن، بحيث يعتبر الزمن عنصرًا أساسيًا في التنفيذ، ومن أمثلتها: الإجارة والإعارة والوكالة وعقود التوريد والتي تعتبر جزءًا من مفردات هذه الرسالة (6) .
التقسيم الثاني عشر: باعتبار تعلق العقد بشرط أو إضافته إلى المستقبل:
وتنقسم العقود بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام هي:
1.عقود منجزة: وهي العقود الصادرة من غير تعليق على شرط، أو إضافة إلى المستقبل، وهذه العقود تترتب عليها آثارها في الحال مادامت مستوفية لأركانها وشروطها، والأصل أن تكون جميع العقود منجزة إلا ما كانت بطبيعتها مضافة للمستقبل كالوصية، وهناك عقود لا تكون إلا منجزة كالصرف وبيوع الربويات متحدة الجنس، أو متحدة العلة (7) .
2.عقود معلقة على شرط: وهي العقود التي لا يمكن اعتبارها موجودة إلا إذا وجد الشرط المعلق
عليه، فآثار هذه العقود لا تكون إلا إذا تحقق الشرط المعلق عليه (1) ، وتنقسم العقود من حيث قبولها للتعليق إلى ثلاثة أقسام هي:
ـ عقود لا تقبل التعليق كعقود التمليكات، سواء كان التمليك بعوض أو بغير عوض.
ـ عقود تقبل التعليق بأي شرط، ومنها عقود الإسقاطات المحضة، كالطلاق والعتق والوكالة والوصية.
ـ عقود تقبل التعليق بالشرط الملائم فقط وهو ما كان مناسبًا لمقتضى العقد، ومن هذه العقود: الكفالة والحوالة (2) .
3.عقود مضافة إلى المستقبل: وهي العقود الصادرة بإضافة الإيجاب فيها إلى زمن مستقبل، وهذه العقود منعقدة في الحال، وآثارها لا توجد إلا في الزمن الذي أضيفت إليه (3) ، وتنقسم العقود من حيث قبولها الإضافة إلى المستقبل إلى ثلاثة أقسام هي:
ـ عقود لا يمكن إلا أن تكون مضافة إلى المستقبل كالوصية والإيصاء، فيقعان بعد وفاة الموصي
ـ عقود لا تقبل الإضافة وتكون دائمًا منجزة كالبيع والهبة والإبراء والنكاح وغيرها.
ـ عقود تصح ناجزة ومضافة إلى المستقبل، ومنها تمليك المنافع كالإجارة، ومنها عقود التوثيقات وعقود الإطلاقات (4) .
المبحث الثاني
حقيقة العقود المستحدثة وحكمها وضوابطها العامة
إن العقود والوسائل التي يوجدها الإنسان إنما يقصد منها تنظيم المعاملات بينه وبين غيره من البشر؛ تحقيقًا لمصالحهم.
واستحداث العقود أمر لا يحده مكان أو زمان؛ لأن حياة الناس في تطور مستمر، وغدت معه مصالحهم في تشابك متزايد، ومجتمعاتهم في تطور ونمو متواصل مما جعل معاملاتهم الاقتصادية أكثر تعقيدًا.
ونتيجة لكون العقود المعهودة لم تعد كافية لتحقيق مصالح الناس كانت الحاجة ملحة لمسايرة ركب الحياة الإنسانية باستحداث عقود ووسائل جديدة تكفل للناس تحقيق مصالحهم.
والمسلم ينبغي أن يكون مطمئنًا من أن معاملاته التي يجريها وفق العقود المستحدثة بعيدة عن دائرة الحرام، وهذا يتطلب فهم وبيان حكم استحداث عقود جديدة، وبيان منهج بحث كل عقد مستحدث للحكم عليه، بالإضافة إلى تحديد الضوابط العامة للعقود سواء كانت قديمة أو مستحدثة.
وهذا المبحث الذي نحن بصدده تناول دراسة الأمور سالفة الذكر في عدة مطالب كما يلي:
المطلب الأول
معنى العقود المستحدثة
العقود المستحدثة مصطلح مركب من لفظين، ومعرفته تتوقف على معرفة ألفاظه، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: في اللغة:
ـ العقود: جمع عقد، وقد سبق تعريفه (1) .
ـ المستحدثة في اللغة مأخوذة من استحدث الشيء أي صيره جديدًا، وحدّث الشيء إذا تجدد وكان معدومًا من قبل (2) .
ثانيًا: في الاصطلاح:
قبل بيان معنى العقود المستحدثة اصطلاحًا يُشار إلى أن الفقهاء أطلقوا على الأمور المستحدثة في عصورهم مصطلحات عديدة منها: المسائل المستجدة، والنوازل، والحوادث أو الواقعات والفتاوى، ومن المعاصرين من أطلق على ما استجد من معاملات مالية مصطلح: المعاملات المالية المعاصرة، ومنهم من تمسك بمصطلح العقود غير المسماة، وفيما يلي بيان لذلك كله:
1.المسائل المستجدة:
ـ المسائل جمع مسألة، وأصلها سأل، والمسائل هي ما يسأل عنها وتحتاج إلى جواب وتبيين (1) .
ـ المستجدة مأخوذة من استجد، وأصله جدد، واستجد أي صيره جديدًا (2) ، فالمستجدة أي الجديدة والمستحدثة.
وعليه فالمسائل المستجدة اصطلاحًا: هي تلك الأمور التي استحدثها الناس وتحتاج إلى بيان حكمها (3) .
2.النوازل:
النوازل جمع نازلة وهي مشتقة من الفعل نزل بمعنى حط في المكان أو هبط فيه، كما وتطلق النازلة على المصيبة الشديدة (4) .
والنوازل اصطلاحًا: هي الحوادث التي يستفتى فيها (5) .
3.الواقعات:
الواقعات جمع واقعة وهي مأخوذة من الفعل وقع، يقال: وقع بالأمر: أحدثه وأنزله (6) ، فالواقعات هي الحوادث والنوازل.
والواقعات اصطلاحًا: هي المسائل التي تحتاج إلى استنباط حكم شرعي لها (7) ، أو هي مسائل استنبطها المتأخرون ويطلق عليها فتاوى أيضًا (8) .
4.المعاملات المالية المعاصرة:
وهي القضايا المالية التي استحدثها الناس في العصر الحديث، أو القضايا التي تغير موجب الحكم عليها نتيجة التطور وتغير الظروف، أو القضايا التي تحمل اسمًا جديدًا، أو القضايا التي
تتكون من عدة صور قديمة (1) .
5.العقود غير المسماة:
وهي التي لم يوضع لها اسم يميزها، أو لم يرتب لها الشارع أحكامًا خاصة بها (2) .
أما مصطلح العقود المستحدثة فهو مرادف لمصطلح العقود غير المسماة، ولمصطلح المعاملات المالية المعاصرة، وعليه يمكن تعريف العقود المستحدثة بأنها: هي العقود التي أوجدها الناس ولم تكن مألوفة، أو كانت مألوفة وأدخلوا عليها إجراءات جديدة ليس عليها دليل خاص من الشرع.
من خلال التعريف يمكن القول بأن العقود المستحدثة يندرج تحتها ما يلي:
1.العقود التي لم تُوجد من قبل، واستحدثها الناس؛ تحقيقًا للمصلحة، وتحتاج إلى حكم شرعي.
2.العقود التي أقرها الشارع ولكن دخلت عليها وسائل وإجراءات جديدة تبعًا للتطور وتغير الزمان
3.العقود التي هي في أصلها صور لمعاملات قديمة ولكنها حملت أسماء جديدة، كإطلاق الفائدة على الربا.
4.العقود المركبة من عدد من العقود المألوفة (3) .
يشار هنا أن كلًا من مصطلح المسائل المستجدة والنوازل والواقعات أعم من مصطلح العقود المستحدثة؛ لأنها تشتمل على العقود وعلى غير العقود من المسائل التي لم توجد من قبل.
المطلب الثاني
حكم استحداث عقود جديدة
العقود التي استحدثها الناس ولم تكن مألوفة وليس عليها دليل خاص من الشرع هل تعتبر عقودًا صحيحة لا يبطل منها إلا ما دل الشرع على بطلانه أو تعتبر عقودًا باطلة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ما يستحدثه الناس من عقود وما يتصل بها من شروط الأصل فيها الصحة، ويجب الوفاء بها، ولا يبطل منها إلا ما دل الشرع على تحريمه نصًا أو قياسًا، وبه قال الجمهور (1) .
القول الثاني:
ما يستحدثه الناس من عقود وما يتصل بها من شروط باطلة، لا يجوز منها شيء إلا ما ورد به الشرع وأجازه، وبه قال الظاهرية (2) .
سبب الخلاف: يرجع خلافهم إلى الخلاف في التشدد والمرونة في جعل آثار العقود من عمل الشارع، فمن تشدد وجعل كل آثار العقود من عمل الشارع قال بأن الأصل في العقود الحظر والمنع حتى يقوم الدليل على الإباحة، ومن أظهر مرونة وجعل للرضا أثرًا في العقود بمقتضى إذن الشارع قال بأن الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم الدليل على المنع والتحريم (1) .
أدلة أصحاب القول الأول:
استدل الجمهور على صحة قولهم بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول.
أولًا: من الكتاب:
1.قوله تعالى:] لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[ (2) .
وجه الدلالة: علقت الآية إباحة التجارة على تحقق الرضا من العاقدين، فوصف الرضا سبب لحكم الإباحة، فالأصل في العقود رضا المتعاقدين إلا ما ورد الشرع بتحريمه كالتجارة بالخمر (3) .
2.قوله تعالى:] فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا[ (4) .
وجه الدلالة: علقت الآية جواز الأكل من الصداق بطيب نفس المتبرع، فدل على أن طيب النفس وصف وهذا الوصف سبب لحكم جواز الأكل، فكذلك في سائر التبرعات قياسًا عليه بالعلة التي نص عليها الكتاب (5) .
3.قوله تعالى:] ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود[ (6) .
4.قوله تعالى:]وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا[ (7) .
وجه الدلالة: العقود هي العهود، وقد أمر الله تعالى في الآيتين بالوفاء بالعقود والعهود، وهذا عام يشمل جميع العقود من غير استثناء، إلا ما استثناه الشرع، وهذا يدل على أن تحريم شيء من العقود أو الشروط التي يعقدها الناس لتحقيق مصالحهم بغير دليل شرعي تحريم ما لم يحرمه الله تعالى، فيبقى الأصل في العقود والشروط الإباحة (8) .
5.قوله تعالى:] وأحل الله البيع[ (9) .
وجه الدلالة: لفظ البيع الوارد في الآية لفظ عام، فالألف واللام للجنس وليس للعهد لعدم تقدم بيع مذكور يرجع إليه، وعليه فأصول البيوع كلها على الإباحة إلا ما استثناه الشرع بالنهي عنه (1) .
ثانيًا: من السنة:
ما رواه عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" (2) .
وجه الدلالة:
هذا الحديث أصل في الشروط، وهو يدل على أن الأصل فيها الإباحة إلا ما كان منافيًا أو مناقضًا لحكم الله وحكم رسوله، فحينئذ يكون الشرط باطلًا (3) .
ثالثًا: من المعقول:
1.الأصل في الأشياء والأفعال العادية الإباحة، والعقود والشروط تعتبر من الأفعال فينسحب عليها حكم الإباحة بالاستصحاب حتى يقوم دليل على المنع والتحريم، ومما يدل عليه أدلة عديدة منها:
قوله تعالى:] وقد فصل لكم ما حرم عليكم[ (4) .
أي بيّن لكم الحرام، فما بقي ماعدا ذلك فهو حلال (5) .
وقوله تعالى:] قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون[ (6) .
فالله تعالى ذم المحرم للحلال، إذ ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله (7) ، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو، لا يجوز لأحد أن يحكم بتحريمه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"... . فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم"
فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو" (1) ."
2.العقود والشروط يصدق عليها أمر واحد من ثلاثة فقط، وهذه الأمور الثلاثة هي:
ـ أن يقال لا تحل ولا تصح إن لم يدل على حلها دليل شرعي.
ـ أن يقال لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعي وإن كان عامًا.
ـ أن يقال تصح ولا تحرم إلا إذا حرمها الشارع بدليل خاص أو عام.
والأول باطل؛ لأن الكتاب والسنة بيّنا صحة العقود التي عقدت في زمن الكفر، وجعل الوفاء بها واجبًا إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء محرم، فقال تعالى:] وذروا ما بقي من الربا[ (2) ، فأمرهم بترك ما تبقى لهم من أموال الربا ولم يأمرهم بإعادة ما أخذوه من الربا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ابن عباس رضي الله عنهما:"كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم له، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام" (3) .
والثاني يجاب عليه من وجهين: أحدهما بما أجيب على الأول والثاني باطل لامتناعه، فبقي الأمر الثالث وهو المراد، فثبت به أن الأصل في العقود الصحة والجواز حتى يقوم دليل على تحريمها.
3.إن الشرع ليس فيه ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، وانتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم، فبالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي على التحريم، يثبت صحة كل عقد ما لم يدل دليل على الحظر (4) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل الظاهرية على صحة قولهم بالكتاب والسنة والمعقول.
أولًا: من الكتاب:
1.قوله تعالى:] اليوم أكملت لكم دينكم[ (1) .
2.قوله تعالى:]ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون[ (2) .
وجه الدلالة: دين الله اكتمل ولا يحتاج إلى زيادة، وإنشاء عقود وشروط جديدة ليست في كتاب الله تعد لحدود الله وزيادة على شرعه (3) .
ثانيًا: من السنة:
1.عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، إنما الولاء لمن أعتق" (4) .
وجه الدلالة: هذا الحديث قاطع الدلالة في إبطال كل عقد وشرط وعهد ليس في كتاب الله؛ لأن اسم الشرط يصدق عليها جميعًا (5) .
2.عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (6) .
وجه الدلالة: هذا النص يقتضي بطلان كل عقد أو شرط يلتزمه الإنسان، ويستثنى من ذلك ما جاء به النص أو الإجماع بصحة التزامه (7) .
ثالثًا: من المعقول:
كل عقد أو شرط لم يأذن فيه الشارع بإذن خاص فهو حرام، والحرام وجوده كعدمه (1) .
مناقشة أدلة الجمهور:
يعترض الظاهرية على أدلة الجمهور بما يلي:
1.إنها ليست على عمومها بل هي مخصوصة بما استدل به الظاهرية من آيات وأحاديث صحيحة، فهي إذن في العقود والشروط التي جاء القرآن أو السنة بإلزامها فقط (2) .
2.إنها أدلة مجملة، وإن أدلة الظاهرية مفسرة وقاضية على هذا الإجمال بالأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها (3) .
وأجاب الجمهور عن هذين الاعتراضين بأن هذه دعوى لا وجه لها، سواء كانت دعوى تخصيص أو غير ذلك، بل إن هذا يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم، فلا يسلم بذلك إلا ببرهان من الله ورسوله (4) .
3.إنه يعارضها الحديث الصحيح:"ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل".
وأجاب الجمهور بأنه ليس هناك تعارض، لأن التعارض إنما يعرف بعد معرفة المراد من قوله ... (كتاب الله) الوارد في الحديث، إذ لا يراد به القرآن قطعًا، لأن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة النبوية، فعلم أن المراد بكتاب الله: أي حكمه، وحكم الله هو الذي حكم به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أيضًا أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له فيعتبر باطلًا، كما أن تحريم ما أحله الله أو إباحة ما حرمه يعتبر حرامًا باطلًا، وتعديًا لحدود الله، أما ما سكت عنه وعفا عنه فهو مباح فتحريمه يعتبر تعديًا لحدود الله (5) .
4.حديث المسلمون عند شروطهم لا يصح منه شيء، لأن الطرق التي جاء منها هي طرق ضعيفة (6) ، وعلى فرض صحته لكان حجة على الجمهور؛ لأنه لا شروط للمسلمين إلا الشروط التي أباحها الله تعالى في القرآن أو السنة، فالمسلمون لا يستجيزون إحداث شروط لم يأذن بها الله (7) .
وأجاب الجمهور بأنه وإن كان في بعضها ضعف من جهة السند فإنه جاء من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا، ولا يقدح في سائرها، كما ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف (1) .
مناقشة أدلة الظاهرية:
ما أجاب به الجمهور على اعتراضات الظاهرية تعتبر اعتراضات على الأدلة التي ساقها الظاهرية ويضاف إليها ما يلي:
1.كلمة الشرط الواردة في حديث"ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"تأتي تارة ويراد بها المصدر، وأخرى يراد بها المفعول، وهنا يراد بها المشروط وليس نفس المتكلم بالشرط ودليل ذلك ما جاء في الحديث"كتاب الله أحق وشرط الله أوثق"وهذا إنما يكون إذا خالف الشرط كتاب الله بأن يكون المشروط مما حرمه الله، أما إذا لم يحرمه فلم يخالف كتاب الله (2) .
2.إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد الشروط التي لم يبحها وإن كان لم يحرمها باطلة فالآيات والأحاديث تدل على وجوب الوفاء بها عمومًا، وهذا يقتضي أن تكون مباحة وليست باطلة (3) .
3.واعترض على المعقول بأنه إذا تراضى العاقدان على عقد أو شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إبطاله ولا إلغاؤه؛ لأن في إبطاله تحريم ما لم يحرمه الله تعالى، ومعلوم أن محرم الحلال كمحلل الحرام (4) .
الترجيح:
بعد مناقشة أدلة الفريقين يرى الباحث ترجيح قول الجمهور، وهو أن ما يستحدثه الناس من عقود وما يتصل بها من شروط الأصل فيها الصحة، ويجب الوفاء بها، ولا يبطل منها إلا ما دل الشرع على تحريمه نصًا أو قياسًا.
أسباب الترجيح:
تتمثل أسباب الترجيح في قوة أدلة الجمهور وإمكان رد الاعتراضات الموجهة لها، بالإضافة إلى أنه لا يمكن لشريعة كشريعة الإسلام التي تصلح لكل زمان ومكان أن تقف جامدة وتحكم ببطلان كل ما يجد من عقود وشروط مما يتعلق بجانب المعاملات، خاصة وأن المعاملات التجارية قد اتسع أفقها، وتعددت أنواعها ووسائلها، فوجدت عقود لم تكن قبل ذلك، وكذلك الشروط، ولو حكم ببطلان ذلك كله من غير دليل لهدمت كثير من مصالح الناس فلا رواج لثروة الآحاد من
الناس أو الجماعات، ولتقطعت العلاقات التجارية بين الناس، ولأصبح الناس في ضيق وحرج (1) .
كما أن عقود المعاملات إنما شرعت لنقل الحقوق المالية بمعاوضة أو تبرع؛ لتحقيق مقصد الشارع في المحافظة على المال ورواجه وثبات التملك ومن ثم انبنت أحكام صحة العقود، والوفاء بالشرط ما لم تكن هناك منافاة لقصد الشارع أو معارضة لحق آخر اعتدي عليه (2) .
وأحكام الشارع تهدف إلى تحقيق مصالح العباد، خاصة الأحكام المتعلقة بالعادات وليس بالعبادات فالعادات ينظر إلى معانيها لكونها معللة بمصالح الناس، والشيء الواحد يمنع عند عدم المصلحة، ويكون مشروعًا عند تحقيقها، فالدرهم بالدرهم إذا كان بيعاّ إلى أجل لا يجوز، وأما قرضاّ فهو جائز، مما يشير باعتبار المصالح للعباد، وإن الإذن دائر معها أينما دارت (3) .
المطلب الثالث
الضوابط العامة للعقود
العقود قديمة كانت أو مستحدثة تتوقف صحتها على أن تتحقق فيها مجموعة من الضوابط، هذه الضوابط هي:
الضابط الأول: أن تكون العقود قائمة على مبدأ الرضا:
وهذا هو المبدأ العام والقاعدة التي اعتبرها الشارع أساسًا للعقود، ويستمد ذلك من قوله تعالى:] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ (1) ، وذكرت التجارة هنا خصوصًا من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلبها وقوعًا، والمراد بالتراضي أي رضا المتعاقدين فيما تعاقدا عليه (2) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما البيع عن تراض" (3) .
وعليه فالعقود التي تحقق فيها الرضا هي عقود مشروعة، وغياب الرضا يعتبر سببًا في إلغائها.
الضابط الثاني: أن تخلو العقود من الغرر:
والغرر لغة هو الخطر، مأخوذ من الفعل غرّ يغره غرورًا، واغتر بالشيء: خدع به (4) .
أما اصطلاحًا فالغرر: هو ما كان له ظاهر يغر وباطن مجهول، ولذلك سمي الشيطان بالغرور؛ لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء (5) ، أو هو ما تردد فيه بين الوجود وعدمه (6) .
والعقود المشتملة على الغرر هي عقود منهي عنها، وغير مشروعة؛ لما رواه سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم"نهى عن بيع الغرر" (7) ، والنهي عن الغرر إنما ورد لأجل الحفاظ على الأموال من الضياع، وحسمًا للخصومة والخلاف بين الناس (8) .
الضابط الثالث: أن تكون العقود قائمة على العدل والعفو:
يعتبر العدل أصل من أصول الشريعة،
ومبدأ من المبادئ التي تقوم عليها العقود؛ ولذلك فإن الله تعالى نهى عن التزيد في حق النفس بقوله