الصفحة 6 من 17

المبحث الأول

حقيقة المناقصة

تعتبر المناقصات من القضايا المستجدة، والتي تحتاج إلى بيان حكمها الشرعي، وهي من عقود المنافسة التي تشكل غالبًا الأساس في إنشاء العقد الإداري (1) ، إلا أنها اليوم لا تقتصر على العقود الإدارية فقط، بل غدت تشكل أساسًا لكثير من العقود غير الإدارية.

ولتحديد حقيقة المناقصة وأهميتها جاء هذا المبحث لبيان ذلك وفق المطالب التالية:

المطلب الأول

تعريف المناقصة

أولًا: المناقصة لغة:

المناقصة على وزن مفاعلة، وهي من صيغ المبالغة التي تفيد التكرار، والمناقصة مشتقة من الفعل نقص ينقص نقصًا ونقصانًا ونقيصة، والفعل نقص كما أنه يأتي لازمًا فإنه يأتي متعديًا، فيقال: نقص الشيء ونقصه وأنقصه وانتقصه وتنقصه أي أخذ منه قليلًا قليلًا حتى يأتي عليه (2) .

ويأتي النقص بمعنى الذهاب ببعض الشيء بعد تمامه (3) ، ومنه قوله تعالى:] ننقصها من أطرافها [ (4) ، وقوله تعالى:] وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص[ (5) .

ونقصت الشيء فهو منقوص، والنقصان مصدر وهو اسم للقدر الذاهب من المنقوص، والنقص يعني أيضًا الخسران في الحظ (6) ، ومنه قوله تعالى:]ولنبلونكم بشيء من الخوف

والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [ (1) ، وقوله تعالى:] ثم لم ينقصوكم شيئًا [ (2) .

ويأتي النقص بمعنى الحط من الشيء والتقليل منه، فيقال: استنقص المشتري الثمن أي استحطه (3) ، والنقص أيضًا ضعف العقل (4) ، والنقيصة: العيب أو الخصلة الدنيئة، والوقيعة في الناس (5) .

والمعنى المراد من كل هذه المعاني هو النقص بمعنى الحط من الشيء والتقليل منه، خاصة وأن المناقصة قائمة على التنافس بين من يحط أو يقلل أكثر من الثمن، وعليه فالمناقصة لغة: هي الحط من الشيء والتقليل منه، ولا تكون إلا بتفاعل أكثر من طرف؛ لأنها على وزن مفاعلة التي تقتضي مشاركة أطراف عديدة.

ويشار هنا أن بقية المعاني لا تخلو من معنى الحط من الشيء والتقليل منه، فالنقص بهذا المعنى يصدق عليها جميعًا، فضعف العقل والعيب أو الخصلة الدنيئة سميت بالنقص لأنها سبب في الحط من قدر صاحبها ومكانته، كما أن الوقيعة في الناس سميت بالنقيصة لأنها لا تتحقق إلا بالحط من قدرهم ومكانتهم، بالإضافة إلى كون الوقيعة في الناس عيبًا وخصلة دنيئة تحط من قدر المتصف بها.

ثانيًا: المناقصة اصطلاحًا:

المناقصة لم تعرف سابقًا في الفقه الإسلامي، وعرفت في القانون الإداري، إذ وضعت لوائح قانونية تعمل على تنظيمها، مما يترتب عليه ضرورة استعراض النظر القانوني في تعريف المناقصة، ثم بيان رأي علماء الفقه في ذلك، وكل هذا على النحو التالي:

عرّف بعض القانونيين المناقصة بأنها:"طريقة بمقتضاها تلتزم الإدارة باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد معها شروطًا، سواء من الناحية المالية أو ناحية الخدمة المطلوب أداؤها" (6) .

ويعترض على هذا التعريف بما يلي:

1 ـ اعترض الدكتور المصري على اعتبار الأفضلية من ناحية الخدمة المطلوب أداؤها، أو ما يسمى بالناحية الفنية سببًا من أسباب المفاضلة بين المتقدمين للمناقصة؛ لأن ذلك يسمح بالتحايل

والتلاعب بإرساء المناقصة على غير صاحب الأفضلية من الناحية المالية، بدعوى أفضليته في ناحية الخدمة المطلوب أداؤها، ويرى أن الصواب اعتبار الأفضلية إنما تكون من الناحية المالية فقط، إذ ناحية الخدمة أو الناحية الفنية ينبغي أن تطابق الشروط والمواصفات، مما يترتب عليه المساواة في هذا الجانب، فلا يبقى سبب للتفاضل إلا من الناحية المالية (1) .

2 ـ ويعترض الشيخ الجواهري بأن التعريف غير مانع، إذ يشمل المزايدة أيضًا؛ لأنها تقوم على اختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد شروطًا من الناحية المالية (2) ، مع العلم أن الأفضلية في المناقصة لصاحب أدنى سعر، والأفضلية في المزايدة على العكس تمامًا فهي لصاحب أعلى سعر.

3 ـ إن هذا التعريف ليس تعريفًا حقيقيًا للمناقصة، بل هو شرح للاسم (3) .

وأشار صاحب معجم المصطلحات القانونية أن المناقصة هي:"إجراء القيام بصفقات عامة تسبقه إلزاميًا علنية وفتح باب المنافسة، وينتهي إلى تسمية آلية للمتعاقد مع الإدارة لصالح المرشح أو مقدم التعهد الذي يعرض تنفيذ الصفقة بأدنى الأسعار" (4) .

ويرى الباحث أن هذا التعريف أيضًا ليس تعريفًا حقيقيًا للمناقصة، وإنما هو شرح لطريقة إجراء المناقصة، بالإضافة إلى أن هذا التعريف والتعريف السابق اقتصرا على اعتبار الإدارة طرفًا من طرفي العقد، مع العلم أن المناقصات اليوم قد تكون الإدارة طرفًا فيها وقد لا تكون، ولذلك ينبغي أن يكون التعريف مطلقًا عن هذا التقييد، حتى يعتبر تعريفًا جامعًا تدخل فيه المناقصات التي تكون الإدارة طرفًا فيها، وكذلك المناقصات التي لا تكون الإدارة طرفًا فيها.

وعرّف الدكتور عبد الفتاح عبد الباقي المناقصة بأنها:"ما هي إلا مزايدة في تخفيض المقابل الذي يستحقه المتعاقد نظير العمل الذي يلتزم به" (5) .

ويرى الباحث أن هذا التعريف لا يسلم أيضًا من الاعتراض، لأن مجرد التزيد في تخفيض العوض الذي يستحقه المتعاقد لا يعتبر مناقصة كما أظهر التعريف، وإنما غاية المناقصة هي التعاقد مع صاحب أقل عوض، بالإضافة إلى أن التعريف تعرض لالتزام أحد الأطراف دون التعرض لالتزام الطرف الآخر، مع أن المناقصة تبدأ بالتزام أحد الطرفين كما سيتضح، وتنتهي بالتزامات متقابلة إذا توفرت شروطها.

أما تعريف المناقصة عند علماء الشرع المعاصرين فقد عرّفوها تعريفات عديدة منها:

عرّفها الجواهري بأنها:"طريقة بمقتضاها تلتزم الأطراف باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد شروطًا" (1) .

ويرد عليه أنه غير مانع إذ يشمل المزايدة أيضًا، فهي قائمة على اختيار أفضل من يتقدم للتعاقد، مع فارق أن في المناقصة الأفضل هو الأقل سعرًا، وفي المزايدة الأعلى سعرًا.

وعرّف الدكتور المطلق المناقصة بأنها:"طريقة تستهدف اختيار من يتقدم بأقل عطاء في إنجاز عمل معين مع مطابقته للشروط والمواصفات" (2) .

ويعترض على هذا التعريف بأنه لم يتضمن سوى التزام أحد طرفي المناقصة، ولم يتضمن التزام الطرف الآخر.

وأفاد بعض العلماء أن المناقصة هي:"أن يعرض المشتري شراء سلعة موصوفة بأوصاف معينة، فيتنافس الباعة في عرض البيع بثمن أقل، ويرسو البيع على من رضي بأقل سعر" (3) .

ويعترض عليه باعتراضين هما:

1 ـ إن هذا ليس تعريفًا حقيقيًا، وإنما هو شرح للمناقصة.

2 ـ إنه تعريف غير جامع، لأنه اقتصر على شراء السلع، مع أن المناقصة قد تؤول إلى غير ذلك كالإجارة أو الاستصناع.

التعريف المقترح:

نظرًا لكون التعريفات السابقة لم تسلم من الاعتراضات، يقترح الباحث تعريفًا للمناقصة يمكن اعتباره جامعًا مانعًا يحدد حقيقة المناقصة، والمناقصة بناءًا على هذا التعريف هي: إجراء بمقتضاه تلتزم الجهة المعلنة عنه بالتعاقد مع صاحب عرض العوض الأقل من عروض المتنافسين للفوز فيه، نظير الوفاء بما التزم به مطابقًا للشروط والمواصفات المقررة.

شرح التعريف:

إجراء: لفظ يشمل كل إجراء، سواء كان إجراء تعاقدي أو غير تعاقدي، وسواء تضمن التزامًا أو لم يتضمن.

بمقتضاه تلتزم الجهة المعلنة عنه: وهذا القيد يخرج من التعريف كل إجراء لا يتضمن التزامًا، ويبقي على الإجراءات التي تقتضي الالتزام، سواء كان التزامًا مستقلًا عن إرادة الغير والتزاماتهم، أو مرتبطًا بها، وإسناد الالتزام للجهة المعلنة بيان لأحد أركانها، سواء كانت هذه الجهة إدارية أو غير إدارية.

بالتعاقد: وهذا القيد يخرج كل إجراء يتضمن التزامًا مستقلًا عن إرادة الغير؛ لكونه غير تعاقدي، ويبقي على الإجراءات التي يرتبط فيها الالتزام بإرادة الغير؛ لأن العقد إنما هو ارتباط بين إرادتين من طرفين، وهذا يشمل كل إجراءات التعاقد سواء كانت مناقصات أو مزايدات أو غير ذلك.

مع صاحب عرض العوض الأقل من عروض المتنافسين للفوز فيه: وهذا القيد يوضح أن هذا العقد هو من عقود المنافسة سواء كان عقد مناقصة أو مزايدة، وتقييد التعاقد مع صاحب عرض العوض الأقل يخرج المزايدات، ويبقي علي المناقصات فقط؛ لأن التعاقد في المزايدات يكون مع صاحب عرض العوض الأعلى وليس الأقل، وصاحب عرض العوض الأقل هو الركن الآخر في المناقصة.

نظير الوفاء بما التزم به مطابقًا للشروط والمواصفات المقررة: وهذا القيد جيء به لبيان أن العوض الذي تقدم به صاحبه إنما هو مقابل ما التزم به، سواء كان هذا الالتزام توريدًا أو مقاولة أو غير ذلك، ويشترط أن يكون هذا الالتزام مطابقًا للشروط والمواصفات التي قررتها الجهة المعلنة مسبقًا، ويعتبر العرض المقدم من صاحبه هو الإيجاب، وموافقة الجهة المعلنة عن المناقصة على هذا العرض قبولًا.

العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للمناقصة:

العلاقة بينهما هي علاقة عموم وخصوص، فالمناقصة لغة هي الحط من الشيء والتقليل منه مطلقًا، سواء كان ثمنًا أو غير ذلك، أما المعنى الاصطلاحي فيقتصر على الحط من العوض أو الثمن فقط والتقليل منه، وهو بذلك أخص من المعنى اللغوي.

المطلب الثاني

الألفاظ ذات الصلة

أولًا: المزايدة:

المزايدة لغة: صيغة مبالغة على وزن مفاعلة، تقتضي مشاركة من أطراف متعددة، وأصل اشتقاقها الفعل زيد، يقال: زاد الشيء ويزيد زيدًا وزيادة ومزادًا، وتزايد التجار على السلعة إذا بيعت ممن يزيد (1) ، ويقال: تزيد السعر إذا غلا (2) .

أما اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارة الفقهاء في بيان معنى المزايدة، ولكنها تتفق في مجملها في إفادة نفس المعنى، ومن هذه التعريفات ما ذكره ابن جزي حيث قال:"المزايدة فهي أن ينادى على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض، حتى تقف على آخر زائد فيأخذها" (3) .

والمزايدة يطلق عليها بيع من يزيد، أو بيع الدلالة (4) ، أو بيع الفقراء (5) .

العلاقة بين المناقصة والمزايدة:

العلاقة بين المناقصة والمزايدة من جهة اللغة هي علاقة تباين وتضاد، إذ إن الزيادة ضد النقص، أما من جهة الاصطلاح الفقهي فالمناقصة وإن كانت تتفق مع المزايدة في مجمل الإجراءات الحديثة المنظمة لهما، وفي الاعتماد على المنافسة الحرة، والمساواة بين المتقدمين للتنافس فيهما، إلا أن المناقصة عكس المزايدة، فالمناقصة هدفها اختيار صاحب أقل عطاء (6) للتعاقد معه، بينما المزايدة عكسها تمامًا، فهي ترمي إلى اختيار صاحب أعلى عطاء للتعاقد معه (7) .

وعلى هذا يمكن القول إن العلاقة بين المناقصة والمزايدة هي علاقة تباين وتضاد من الناحيتين اللغوية والفقهية.

ثانيًا: السوم على سوم الغير:

السوم لغة: هو عرض السلعة على البيع، وأصلها أسوم بها سومًا، والمساومة: المجاذبة والمفاوضة الواقعة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها (1) .

أما المراد من السوم على سوم الغير فهو أن يقع الاتفاق بين البائع والمشتري ويتراضيان بثمن ويقع الركون (2) به ولم يعقداه، فيأتي ثالث فيقول للمشتري: أنا أبيعك خيرًا منها بثمنها، أو مثلها بأرخص، أو يقول للبائع: أنا اشتريها منك بأكثر (3) .

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سوم الرجل على سوم أخيه، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يسم المسلم على سوم أخيه" (4) .

وهذا النهي عام في البائع والمشتري (5) ، ويقول ابن عبد البر:"فإن فعل أحد ذلك فقد أساء وبئس ما فعل، فإن كان عالمًا بالنهي فهو عاص لله" (6) .

ويُذكر هنا أن السوم في السلعة التي تُباع في المزايدة ـ بيع من يزيد ـ لا يحرم اتفاقًا (7) .

العلاقة بين المناقصة وبين السوم على سوم الغير:

المناقصة يتنافس فيها البائعون في تقديم عروضهم للفوز بالتعاقد مع الجهة المعلنة عنها، فهي من باب السوم على سوم الغير مع فارق أنها تقع قبل الركون لا بعده.

ثالثًا: البيع على بيع الغير:

المراد بالبيع على بيع الغير هو أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار سواء خيار المجلس، أو خيار الشرط: أنا أبيعك مثله بأرخص، أو خيرًا منه بهذا الثمن (1) .

ويلاحظ أن البيع على بيع الغير أو شراؤه إنما يتحقق بعد الركون، ولم يبق إلا العقد والرضا.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرجل على بيع أخيه، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يبيع بعضكم على بيع أخيه" (2) .

ويقول النووي بشأن بيع الرجل على بيع أخيه:"وهذا حرام يحرم أيضًا الشراء على شراء أخيه" (3) .

العلاقة بين المناقصة وبين البيع على بيع الغير:

يختلف البيع على بيع الغير عن المناقصة من حيث إن البيع على بيع الغير يقع بعد الركون ولم يبق إلا العقد والرضا، أما المناقصة فهي عروض للبيع قبل أن يقع الركون بين أصحاب العروض وبين الجهة المعلنة عن المناقصة، كما أن البيع على بيع الغير منهي عنه بعد الركون، أما قبل الركون فليس بيعًا، فلا يدخل في النهي.

رابعًا: المماكسة:

المماكسة لغة: من مكس وأمكس مكسًا، والمكس: النقص، والمماكسة في البيع: انتقاص الثمن واستحطاطه (4) .

وفي الاصطلاح: المماكسة هي الكلام في مناقصة الثمن واستحطاطه (5) .

العلاقة بين المناقصة وبين المماكسة:

تلتقي المناقصة مع المماكسة في الجانب اللغوي، حيث إن كلًا منهما يفيد معنى النقص، إضافة إلى كونهما صيغة مبالغة على وزن مفاعلة.

ومن الناحية الاصطلاحية تلتقي المناقصة مع المماكسة في الغاية، إذ كلاهما يستهدف الوصول إلى أنقص ثمن للتعاقد، إلا أنهما يختلفان في الطريقة والعدد، فالمناقصة تهدف إلى الوصول إلى أنقص ثمن للتعاقد، من خلال المنافسة بين من يتقدمون للمناقصة عبر تقديم عروضهم من غير مفاوضات، أو كلام للانتقاص من الثمن، بالإضافة إلى أن من يشترك في المناقصة عادة يكون أكثر من طرفين، أما المماكسة فهي إشارة إلى ما يقع بين البائع والمشتري من مساومة (1) ، فهي لا تقع إلا بين طرفين، وتتم بالكلام والمشاحة بينهما في إنقاص الثمن من غير تنافس من غيرهما.

خامسًا: الوضيعة (الحطيطة) :

الوضيعة هي الحطيطة، وهي لغة: من وضع يوضع وضيعة، ووضع بمعنى حط وأسقط،

يقال: أوضعت الدين عنه أي أسقطته، والوضيعة هي الخسارة أو النقصان من رأس المال (2) .

وفي الاصطلاح: الوضيعة أو الحطيطة تكون في البيع، وقد تكون في الصلح أيضًا، ففي البيع هي:"البيع بمثل الثمن الأول مع نقصان يسير" (3) ، وفي الصلح أو الدين فهي:"الصلح من الشيء على بعضه دينًا كان أو عينًا" (4) .

والمعنى الاصطلاحي كما يلاحظ لا يخلو من إفادة معنى النقص، سواء كان في البيع إذ فيه نقصان الثمن، أو كان في الصلح أو الدين ففيه نقصان الحق.

العلاقة بين المناقصة وبين الوضيعة:

تلتقي المناقصة مع الوضيعة في المعنى اللغوي، إذ يفيد كل منهما معنى الحط والنقص، أما من ناحية المعنى الاصطلاحي فإنه وإن كان كل منهما يقوم على اعتبار النقص من العوض أو المقابل، فإنهما يختلفان من حيث إن المناقصة يشترك فيها أكثر من طرفين يتنافسون فيما بينهم في أقل ربح يحققونه بالتعاقد مع الجهة المعلنة عنها، أما الوضيعة فهي المبادلة بخسارة، وهذا يعني أن النقص ليس في الربح، وإنما في رأس المال، كما أن الوضيعة لا تقوم على التنافس، وإنما تقع بين طرفين فقط، وقد تكون الوضيعة لصلح تستند لحق ثابت مسبقًا، تتم الموافقة على الإنقاص من هذا الحق لحصول الصلح، فالوضيعة بهذا المعنى وإن كان فيها عوض إلا أنها تتضمن معنى التبرع بالجزء المنقوص، بخلاف المناقصة التي ليس فيها هذا المعنى؛ لأنها من المعاوضات المحضة.

سادسًا: المسابقة أو المنافسة:

المسابقة لغة: من سبق يسبق سبقًا، والسبق هو التقدم في الجري وفي كل شيء، يقال: سبقه أي تقدمه (1) ، والمسابقة صيغة مبالغة على وزن مفاعلة، والمسابقة تحمل معنى المغالبة والمنافسة للفوز بالسبق؛ لما فيها من المجاراة والمناضلة.

والمسابقة اصطلاحًا: لا تختلف عن المعنى اللغوي، فهي تعني المجاراة بين الحيوان وغيره، كما وتشمل المناضلة (2) ، ويقول ابن حجر:"حقيقة السبق أن يتقدم على غيره في"

المطلوب" (3) ، والمنافسة لا تختلف عن المسابقة من حيث معنى المباراة والمغالبة، فهي:"مزاحمة اقتصادية إيجاب (عرض) تقدمه عدة مؤسسات متميزة عن بعضها، ومتزاحمة لمنتوجات أو خدمات من أجل إرضاء حاجات متماثلة مع حظ متبادل لربح الزُبُن أو خسارتهم" (4) ."

العلاقة بين المناقصة وبين المسابقة أو المنافسة:

تعتبر المناقصة من العقود التي يرغب البائعون في الفوز بالتعاقد مع الجهة المعلنة عنها على وجه المباراة، فهي من عقود المنافسة أي المسابقة، وعليه فالمناقصة نوع من أنواع المنافسة والمسابقة، وفي ذلك يقول الدكتور المصري:"فالمناقصة نوع من المسابقة بين الباعة (مسابقة مهارات إدارية) للفوز بعقد البيع" (5) ، كما أن السنهوري أشار إلى أن المناقصة نوع من أنواع المسابقة (6) ، ومما يعزز ذلك أيضًا ما نقله الدكتور المصري عن نظام المشتريات السعودي أنه يطلق

لفظ المنافسة على المناقصة أو المزايدة (1) ، وعليه فالمناقصة صورة خاصة من صور المنافسة.

سابعًا: النجش:

النّجْشُ لغة: هو استثارة الشيء، وهو مأخوذ من نَجَشَ يَنْجُشُه نَجْشًَا (2) .

واصطلاحًا: النجش أن يزيد الشخص في ثمن السلعة وهو لا يريد شراؤها، ولكن ليرغب غيره (3) .

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها" (4) .

ويقول ابن عبد البر فيما يتعلق بالنجش:"من فعل فاعله مكر وخداع لا يجوز عند أحد من أهل العلم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش، وقوله لا تناجشوا، وأجمعوا أن فاعله عاص لله إذا كان بالنهي عالما" (5) .

العلاقة بين المناقصة وبين النجش:

النجش وإن كانت ظاهرة من المظاهر الطارئة في بيع المزايدة إلا أن صورتها قد تأتي في المناقصة أيضًا، ولكن معكوسة، كأن يتواطأ المريد للسلعة أو الجهة المعلنة عن المناقصة مع أحد المشتركين فيها بأن يعرض بثمن أقل من الثمن السوقي وهو لا يقصد البيع حقيقة، وإنما خدمة للجهة المعلنة، فالعلة التي نُهي لأجلها عن النجش متحققة سواء كانت في المزايدة أو في المناقصة

وهي الاحتيال والخداع والإضرار بالغير ظلمًا (6) .

وكذلك لو حصل التنقيص في الثمن ممن لا يريد بيعها بغير تواطؤ مع المشتري ليضر الغير فإن

الحرمة تتعلق بالمنقص (1) ؛ لما فيها من معنى النجش.

وعليه فإن المناقصة تشترك مع النجش في صورة تنقيص الثمن، ولكنها تختلف عنه في انتفاء قصد البيع من الناجش.

المبحث الثاني

أنواع المناقصات

المناقصات أنواع عديدة، تختلف باختلاف أغراضها، وقيمة تمويلها، فالمناقصات التي تأخذ بعين الاعتبار تشجيع الإنتاج المحلي تختلف عن المناقصات التي لا تعتبر ذلك، كما أن المناقصات ذات القيمة المالية الكبيرة تختلف عن ذوات القيمة المالية الصغيرة، وكذلك التي يقتصر فيها على عدد معين من المشاركين تختلف عن المطلقة.

ولبيان أنواع المناقصات جاء هذا المبحث مشتملًا على المطالب التالية:

المطلب الأول

المناقصات العامة والمناقصات المحدودة

أولًا: المناقصات العامة:

وهي التي يسمح بالاشتراك فيها لعدد غير محدود من المناقصين، وتلتزم الجهة المعلنة عنها باختيار صاحب عرض العوض الأقل من عروض المتقدمين فيها للتعاقد معه (1) .

والمناقصات العامة تقوم على إفساح المجال لأكبر عدد ممكن من المناقصين للاشتراك والتنافس للفوز بالتعاقد؛ ولذلك يُعرف هذا النوع من المناقصات بالمناقصات المفتوحة، إذ لا يُقتصر فيها على أشخاص معينين موردين كانوا أو مقاولين، ويتوقع أن يكون عدد المناقصين فيها كبيرًا.

والمناقصات العامة تعتبر القاعدة في التعاقد لشراء المنقولات، وتقديم الخدمات، وأعمال المقاولات والتوريدات، أما المناقصات الأخرى كالمناقصات المحدودة وغيرها تعتبر استثناءً من هذه القاعدة (2) .

وتخضع المناقصات العامة لمبادئ العلانية والمساواة وحرية التنافس (3) ، فينبغي أن يُعلن

عنها في الصحف الرسمية والمحلية والخارجية (1) ، بحسب ما تقتضيه طبيعتها؛ إذ إن المناقصات العامة قد تكون داخلية أو خارجية، وينبغي أيضًا أن تكون مدة نشر الإعلان كافية تضمن وصول الإعلان إلى أكبر عدد من المعنيين.

ويشار إلى أن هناك اعتبارات معينة تؤخذ في الحسبان عند اختيار نوع المناقصة للتعاقد ومن هذه الاعتبارات:

1 ـ المصلحة المالية: وتقتضي توفير أكبر قدر مالي، من خلال اعتبار أدنى سعر مقدم أساسًا للتعاقد.

2 ـ المصلحة الفنية: وتقتضي اختيار الأكفأ من الناحية الفنية من المتقدمين، إلى جانب الجودة وحسن السمعة (2) .

وبناءً على هذه الاعتبارات يُلجأ إلى المناقصات العامة لتوفير أكبر قدر مالي بالتعاقد مع صاحب أقل عرض تقدم لها؛ ولذلك اعتبر القانون الإداري أن المناقصات العامة تقوم على اختيار أفضل من يتقدمون فيها من حيث الشروط المالية (3) .

ثانيًا: المناقصات المحدودة:

وهي المناقصات التي يقتصر الاشتراك فيها على عدد محدود من الموردين أو المقاولين، بشرط ثبوت كفايتهم المالية والفنية، وتوفر حسن السمعة (4) .

وتعرف هذه المناقصات بالمناقصات الخاصة أو المقيدة، والتي تختلف عن المناقصات العامة من حيث إن حق الاشتراك فيها يقتصر على أشخاص أو منشآت تجارية مقيدين في سجل المقاولين أو الموردين، تختارهم الجهة المعلنة عن المناقصة؛ وذلك لتميزهم وكفايتهم المالية والفنية (5) .

وتتم دعوة من لهم حق الاشتراك في هذه المناقصات عن طريق كتب رسمية موصى عليها بعلم الوصول، وتتضمن البيانات الواجب ذكرها في إعلانات المناقصات العامة (6) .

كما ويجوز الإعلان عنها في الصحف إذا اقتضت الضرورة ذلك، وينطبق عليها ما ينطبق

على المناقصات العامة من حيث إجراءات النشر (1) .

ويُلجأ إلى هذا النوع من المناقصات استثناءً لتحقيق مصلحة مالية وفنية؛ ولذلك ينبغي أن يكون هناك مبرر لإجرائها حتى لا تُعتبر مخلة بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين المتوقع أن يكون عددهم قليلًا، وغالبًا ما يتم اختيار المناقصين من المنتجين المباشرين لا من الوسطاء؛ حتى تكون عطاءاتهم أرخص (2) .

ومن الأمور التي تبرر اللجوء إلى المناقصات المحدودة: عجز بعض الشركات ماليًا، وثبوت عدم كفاءة البعض الآخر، وتأخر بعضها في إنجاز ما عُهد إليه من أعمال من قبل (3) .

ويشير الدكتور المصري أنه في حالة كون الإمكانات المطلوبة ضخمة قد تلجأ الجهة المعلنة إلى تجزئة العروض؛ بغرض التيسير على الموردين أو المقاولين، خاصة إذا كانوا محليين، وكانت الكميات المطلوبة كبيرة بحيث تتجاوز قدرات وإمكانات المنشأة الواحدة (4) .

والمناقصات المحدودة إما أن تكون داخلية تقوم على اختيار مناقصين محليين، ,إما أن تكون خارجية، إذا نصت لوائح المناقصة وأنظمتها على إعطاء الأولوية للشراء من المؤسسات الوطنية، أو العربية، أو الإسلامية، أو غيرها إذا كانت تفي بالغرض المطلوب (5) .

وهناك نوع آخر من المناقصات يعتمد على الموازنة بين المصلحة المالية والمصلحة الفنية، أي بين السعر والجودة، وهذا النوع من المناقصات يمكن الجمع بينه وبين المناقصات العامة أو المحدودة، من خلال عدم النظر إلى الثمن فقط، ولكن بالنظر إلى جودة الصنف المطلوب أيضًا، فيتم التعاقد مع من يحصل على أعلى نسبة من حيث الجودة بأقل سعر (6) .

المطلب الثاني

المناقصات العلنية والمناقصات السرية

أولًا: المناقصات العلنية:

هي التي يتقدم فيها المناقصون بعطاءاتهم علنًا، ويتناقصون في السعر إلى أن ترسو المناقصة على صاحب السعر الأقل (1) .

والمناقصات العلنية تكون على وجه المباشرة بين الموردين أو المقاولين أو مندوبيهم وبين الجهة المعلنة عنها، وتتم بالمناداة العلنية بالاستعداد بسعر معين (2) .

وتعتبر المناقصات العلنية استثناءً من الأصل، إذ الأصل أن تكون سرية، ولكن يُلجأ إليها في حالات خاصة.

والعلانية في هذا النوع من المناقصات تحقق الغاية المرجوة منها، وهي الوصول إلى أقل سعر من خلال التنافس بين المناقصين المشتركين فيها؛ لأن أسعار المناقصين علنية مكشوفة، ويتناقصون وهم على بينة من أمرهم، حيث إن عرض كل منهم معلوم للآخر (3) ، وكل عرض يقدمه المناقص في المناقصة العلنية ينسخ العرض السابق (4) ، قياسًا على ما يقع في المزايدة العلنية.

ويشار هنا أن الدكتور المصري ساوى بين المناقصة العلنية وبين الممارسة (5) ، وذكر أن الممارسة إذا كانت عبارة عن مناقصة محدودة وعلنية فتسميتها ممارسة تسمية غير مناسبة،

والأفضل أن تسمى مناقصة علنية (6) .

ويرى الباحث أن التسوية بين المناقصة العلنية وبين الممارسة أمر لا يستقيم، وكذلك لا يمكن أن تكون هناك ممارسة تعتبر مناقصة محدودة وعلنية، وذلك لما يلي:

1 ـ لأن الممارسة تعتبر طريقة للتعاقد غير المناقصة، وقد أشار الطماوي إلى ذلك بذكره

الممارسة تحت عنوان: التعاقد عن طريق الممارسة أو غير طريق المناقصة (1) .

2 ـ لأن الممارسة إنما تجوز استثناءً في حالات خاصة، كالحالات الطارئة المستعجلة التي لا تحتمل إجراءات المناقصة، أو الحالات التي تُحتكر فيها الأصناف المراد التعاقد بشأنها، أو يُحتكر استيرادها، أو لا توجد إلا لدى شخص بذاته، وكذلك يُلجأ إليها في حالات لم تقدم فيها أية عطاءات في المناقصات، أو قدمت بأسعار تزيد على سعر السوق، وكانت الحالة عاجلة لا تسمح بإعادة طرح المناقصة (2) .

بقي التنبيه إلى أن المناقصات العلنية هي التي يمكن أن توجد فيها ظاهرة النجش، بحصول التنقيص في الثمن ممن لا يريد بيعها ليغر غيره خدمة للجهة المعلنة.

ثانيًا: المناقصات السرية:

ويتم هذا النوع من المناقصات عبر تقديم المناقصين المشتركين عطاءاتهم في مظاريف (3) موقعة ومختومة، توضع في صندوق العطاءات دون إمكان استعادتها منه، ويُحدد موعد تفتح فيه هذه المظاريف، ولا يجوز لأحد آخر الاطلاع عليها قبل موعد فتح المظاريف، وترسو المناقصة على من قدم أقل عطاء مع تقديمه الضمانات اللازمة طبقًا لشروط المناقصة (4) .

والأصل في المناقصات أن تكون سرية، ويجب اتخاذ الخطوات الضرورية لضمان سرية العطاءات المقدمة، وعدم تسريبها.

وقد حاول الدكتور المصري أن يبيّن الغاية من سرية المناقصات بعد أن ذكر أنه لم يجد أحدًا من الكتّاب تناول ذلك، فيرى أن المناقصات الحديثة هي مناقصات فنية معقدة، وتحتاج العروض فيها إلى دراسة.

واعتبر أن جوابه هذا ليس كافيًا؛ لأن المناقص لا يُنّزل عطاءه عن حد أدنى معين، بناءً على دراسة مسبقة.

فأجاب بجواب آخر وهو أن هذه المناقصات تنطوي على كميات كبيرة من السلع أو الخدمات، وإذا كانت المناقصات علنية فقد يندفع البعض لتقديم عطاءات بأسعار منخفضة بشكل غير معقول، يتعثر معها التوريد أو التنفيذ، بخلاف ما لو كان السعر مدروسًا وبعيدًا عن حرارة المنافسة العلنية.

وهذا الجواب أيضًا لم يعتبره المصري كافيًا لسببين هما:

1 ـ وجود مبدأ التفاوض في نظام المناقصات عند التساوي بين العروض، مما يخل بالسرية، خاصة إذا تم التفاوض مع أكثر من اثنين من المناقصين.

2 ـ إمكان استبعاد العرض الأقل إذا كان سعره منخفضًا إلى حد غير معقول (1) .

ويعتبر الدكتور عبد الباقي أن الغاية من سرية العطاءات في المناقصات تكمن في أن المناقص لم يعلق بقاء عطائه على عطاءات المناقصين الآخرين، بل أراد بتقديمه عطاءه داخل مظروف أن يبقى قائمًا إلى أن يتم فتح المظاريف، ويتقرر إرساء المناقصة، من غير أن يتأثر عطاؤه بالعطاءات الأخرى المقدمة (2) .

ويبدو أن ما ذكره الدكتور عبد الباقي هو الصحيح؛ لأن المناقص يتنافس لكي يفوز بالتعاقد، فينبغي أن يكون عطاؤه قائمًا إلى أن تفض المظاريف، وهذا يتطلب أن يجتهد المناقص في أن يكون عطاؤه هو الأقل دون أن يتأثر بالعطاءات الأخرى، مما يحقق الغاية من المناقصة وهو الوصول إلى تحقيق المصلحة من توريد أو مقاولة بأقل الأسعار.

المطلب الثالث

المناقصات الخارجية والمناقصات الداخلية

أولًا: المناقصات الخارجية:

وهي عبارة عن تلك المناقصات التي لا تقتصر على الموردين والمقاولين المحليين، بل يشترك فيها أيضًا موردون ومقاولون من خارج البلاد، ويتم الإعلان عنها داخل البلاد وخارجها (1) .

وقد تكون المناقصات الخارجية عامة، إذا لم تقتصر على مناقصين معينين من داخل البلاد أو خارجها، وقد تكون محدودة إذا اقتصرت على مناقصين معينين من الداخل أو الخارج.

ويُلجأ إلى هذا النوع من المناقصات في الحالات التي تبلغ فيها قيمة المناقصة حدًا معينًا، خاصة في العقود الإدارية، وهذا الحد يختلف من دولة لأخرى، فمصر مثلًا قيدت ذلك بما لا تقل قيمتها على أربعين ألف جنيه (2) ، والأردن بما تزيد قيمتها على مليون دينار بالنسبة لعطاءات الأشغال، وثلاثمائة ألف دينار لعطاءات الخدمات الفنية (3) ، والكويت بما تزيد تقديراتها على مليون دينار كويتي (4) .

ثانيًا: المناقصات الداخلية:

وتعرف بالمناقصات المحلية، ويُقتصر فيها على الموردين والمقاولين المحليين، أي في داخل البلاد، ويكتفى فيها بالإعلان في الصحف المحلية (5) .

ويمكن توجيه الدعوة في المناقصات المحلية إلى أكبر عدد ممكن من الموردين والمقاولين المحليين، المقيدين بالسجل الخاص بذلك، كما ويجوز دعوة غير المقيدين بهذا السجل، وتتم الدعوة من خلال البريد الموصى عليه بعلم الوصول قبل الميعاد المحدد لفتح المظاريف (6) .

ويجري التعاقد بالمناقصات المحلية في الحالات التي لا تزيد فيها قيمة المناقصة على حد معين، وهذا أيضًا يختلف من دولة لأخرى، إلا أنه خاص بالعقود الإدارية، والقانون المصري قيدها بما لا تزيد قيمتها على أربعين ألف جنيه (1) ، والقانون الأردني قيدها بما لا تزيد قيمتها على مائة ألف دينار في عطاءات الأشغال، وبما لا تزيد قيمتها على عشرة آلاف دينار في عطاءات الخدمات الفنية (2) ، والقانون الكويتي قيدها بما لا يزيد تقديرها على مليون دينار (3) .

ويلاحظ أن المناقصات المحلية لها انعكاسات إيجابية على الاقتصاد المحلي للبلاد؛ لما فيه من إعطاء الأولوية للصناعات الوطنية مما يشجع على الإنتاج، والقدرة على منافسة المنتوجات الأجنبية، ولا يعني ذلك أن المناقصات الخارجية ليس لها انعكاسات إيجابية، فقد تنهض بخدمات ومشاريع تحقق مصلحة البلاد تعجز عن أدائها المؤسسات والشركات المحلية.

المبحث الثالث

الخطوات الفنية لإجراء المناقصة وإرسائها

يشكل هذا المبحث القسم الفني من هذا البحث، حيث يبيّن طبيعة المناقصة، وكيفية إجرائها، على اختلاف أنواعها، مع توضيح لأهم الأمور المعتبرة عند إرساء المناقصة على أحد العطاءات المقدمة.

وتصوير طبيعة المناقصة وإجراءاتها له أهميته من الناحية الفقهية، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ ولذلك تكّفل هذا المبحث ببيان مراحل إجراء المناقصة، وما يتعلق بمعايير المفاضلة بين العطاءات، من خلال المطالب التالية:

المطلب الأول

الخطوات المتبعة في إجراء المناقصة

تتم إجراءات التعاقد في المناقصات وفق مجموعة من المراحل كما يلي:

أولًا: مرحلة إعداد مستندات المناقصة:

قبل أن تقدم جهة إدارية عامة أو خاصة على طرح مناقصة أو الإعلان عنها عليها تحقيق مجموعة من الأمور هي:

1 ـ تحديد الحاجة الفعلية من توريد سلع أو مقاولات أعمال، من خلال إعداد مواصفات تفصيلية وافية، وتصاميم ورسومات وجداول تتعلق بموضوع المناقصة، وبناءً على ذلك يمكن تقدير القيمة المالية التقريبية لعقد المناقصة (1) .

2 ـ التأكد من توفر الاعتماد المالي اللازم في الموازنة؛ لأنه في حالة عدم توفر ذلك لن تستطيع الجهة الإدارية من الوفاء بالتزاماتها (2) .

3 ـ تحديد الشروط والتعليمات اللازمة للمشتركين في المناقصة، والإجراءات الواجب اتباعها

لتنفيذ العقد، مع بيان الجزاءات المترتبة على الإخلال بأحكام العقد وشروطه (1) .

ثانيًا: مرحلة الإعلان عن المناقصة:

بعد أن تنجز الجهة الإدارية مرحلة إعداد مستندات المناقصة ينبغي أن تقوم بطرح المناقصة، وفتح المجال لتقدم الراغبين في التعاقد معها، ويتم ذلك بالإعلان عن المناقصة في الصحف ووسائل الإعلام لتحقيق المنافسة الحرة، وضمان وصول الإعلان إلى أكبر عدد ممكن من الموردين أو المقاولين (2) .

ويقول الطماوي:"وهذا الإعلان ضروري حتى يكون هناك مجال حقيقي للمنافسة بين الراغبين في التعاقد مع الإدارة؛ لأن بعض الراغبين في التعاقد قد لا يعلم بحاجة الإدارة إلى ذلك، ومن ناحية أخرى فإن الإعلان يحول بين الإدارة وبين قصر عقودها على طائفة معينة" (3) .

ويُعلن عن المناقصة في الصحف المحلية الرسمية، وفي الصحف الأجنبية، إذا كانت مناقصات خارجية (4) ، أما إذا كانت مناقصات محلية فيقتصر الإعلان عنها في الصحف المحلية.

ويجب أن يتضمن الإعلان عن المناقصة الأمور التالية:

1 ـ تحديد الصنف أو العمل المطلوب توريده أو تنفيذه.

2 ـ ثمن نسخة دفتر الشروط (5) ووثائق المناقصة.

3 ـ تحديد مدة تقديم العروض والعطاءات بدءًا وانتهاءً، مع تعيين آخر موعد لفض العطاءات.

4 ـ تحديد مدة سريان العطاءات بعد فتحها.

5 ـ تعيين قيمة الضمان الابتدائي والنهائي (6) ، وأية بينات أخرى تعتبر ضرورية لصالح العمل.

6 ـ تحديد الجهة التي تقدم إليها العطاءات. (1)

وبالنسبة لدفتر الشروط والمواصفات ووثائق المناقصة في حالة المناقصات الخارجية تُترجم مع الأخذ بعين الاعتبار أن النص العربي هو المعول عليه في حالة الخلاف أو الالتباس (2) .

وأما مدة تقديم العروض والعطاءات فينبغي أن تكون كافية لدراستها، وإعدادها من قبل الراغبين في التقدم للمناقصة. (3)

ما سبق يتعلق بالمناقصات العامة، أما المناقصات المحدودة فالأصل أن الدعوة لتقديم العطاءات تجري بموجب كتب رسمية موصى عليها بعلم الوصول، تتضمن كافة البيانات التي تتضمنها المناقصات العامة، ويجوز الإعلان عنها عند الضرورة ولكن بإذن خاص (4) .

ثالثًا: مرحلة تقديم العطاءات:

بعد أن يحصل الراغبون في الاشتراك في المناقصة على دفتر الشروط، وبعد أن يقوموا بدراسة موضوع المناقصة ومواصفاتها وشروطها، فإذا وافقوا على الشروط ووجدوا في أنفسهم القدرة والرغبة في التعاقد مع الجهة المعلنة عن المناقصة تقدموا بعطاءاتهم خلال المدة المحددة مسبقًا في إعلان المناقصة، وتُقدم العطاءات إلى الجهة المعلنة عن المناقصة على النحو الآتي:

1 ـ تُكتب أسعار العطاءات بالمداد (الحبر) بالأرقام وبالحروف، من غير كشط أو محو، وتصحيح الأسعار وغيرها يجب إعادة كتابته بالمداد بالأرقام وبالحروف وتوقيعه.

2 ـ تُوّقع وثائق العطاءات في جميع صفحاتها من قِبل مقدميها.

3 ـ يُقدَم مع العطاءات الضمان الابتدائي موافقًا للشروط والمواصفات.

4 ـ تُوضَع هذه العطاءات في مظاريف مختومة بالشمع الأحمر، وتُقَدم إلى الجهة المعلنة عن المناقصة بالبريد المسجل، أو مناولة باليد، وتُوضَع في صندوق مخصص لها، ويستلم منها سند إيصال يثبت التسليم وتاريخه (5) .

وينبغي أن تكون العطاءات مقدمة على النماذج المعدة من الجهة المعلنة عن المناقصة، أي

على وثائق ومستندات المناقصة الرسمية (1) ،

ولابد أيضًا من بيان منشأ الأصناف المراد توريدها؛ لاحتمال كونها من جهة يحظر التعامل معها (2) .

ولا يحق لمقدمي العطاءات إجراء شطب أو تعديل في وثائق المناقصة ومستنداتها (3) ، وإذا رغبوا في إجراء تعديلات أو إضافة شروط خاصة قدموا ذلك في كتب مرافقة للعطاءات، أو قاموا بتسليمها قبل فتح المظاريف (4) .

وفي حالة طلب الجهة المعلنة تقديم عيّنات مع العطاءات فينبغي أن تكون مطابقة للمواصفات وبشكل يسمح بتحليلها وفحصها، مع ملاحظة أن قبول العطاء معلق على أساس قبول عيّناته التي قدمها (5) .

ويُشار أخيرًا إلى أن العطاءات ملزمة لمقدميها بمجرد تقديمها؛ فلا يملكون سحبها أو تغيير أسعارها (6) .

رابعًا: مرحلة فتح المظاريف ودراسة العطاءات وإرساء المناقصة:

وتعتبر هذه مرحلة تمهيدية من مراحل إجراءات المناقصات؛ لاختيار أفضل المتقدمين بحسب غرض المناقصة.

ووفق هذه المرحلة تتم دراسة العطاءات المقدمة، من قِبل لجنة واحدة إذا كانت قيمة المناقصة قليلة، ومن قِبل لجنتين إذا كانت قيمة المناقصة كبيرة، وهذه اللجنتان هما: لجنة فتح المظاريف، ولجنة البت (7) .

ويمكن تحديد مهمة كل من اللجنتين على النحو التالي:

أ ـ لجنة فتح المظاريف:

يبدأ عمل هذه اللجنة في الموعد الذي تم تحديده في الإعلان عن المناقصة، وتتمثل مهمتها فيما يلي:

1 ـ فتح صندوق العطاءات.

2 ـ التأكد من سلامة أختام المظاريف.

3 ـ فتح مظاريف العطاءات المقدمة، وإعلان القيمة الإجمالية لكل عطاء بعد التوقيع عليه.

4 ـ تحرير كل ما سبق في سجل خاص يثبت كل الإجراءات التي قامت بها اللجنة.

5 ـ يحق لهذه الجنة استبعاد أي عطاء لم يكن مستوفيًا للشروط، أو جاء مخالفًا لأحكام المناقصة (1) .

بعد إتمام الإجراءات السابقة تتولى لجنة لفحص العطاءات، والتحقق من مطابقتها للشروط والمواصفات، ودراستها من الناحية المالية والفنية، ومن ثم ترفع توصياتها بشأن أفضل العطاءات إلى لجنة تُعرف بلجنة البت، بعد أن تستبعد العطاءات التي لم تتحقق فيها الشروط والمواصفات (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت