المبحث الأول
عقود المناقصات المعاصرة
إن عقود المناقصات يختلف مآلها باختلاف طبيعة المناقَص فيه، فقد يكون المناقَص فيه سلعة موجودة أو غير موجودة، وحينئذٍ تؤول المناقصة إما إلى بيع أو إلى ما يشبه السلم، وهي بذلك تؤول إلى ما يُعرف بعقود التوريد، وقد يكون المناقَص فيه عملًا أو منفعة، وفي هذه الحالة تؤول المناقصة إما إلى إجارة أو إلى استصناع، وهي بذلك تؤول إلى ما يُعرف بعقود المقاولة، ومن الممكن أن يكون المناقَص فيه سندات خزينة أو أوراق مالية، مما يؤول بالمناقصة إلى الربا.
هذه العقود التي قد تؤول إليها المناقصات مع بعض أهم أحكامها تناولها هذا المبحث بالبيان وفق المطالب التالية:
المطلب الأول
مناقصات التوريد
إن المناقصات التي يكون المناقَص فيه سلعة وهذه السلعة موجودة عند المناقِص، أو غير موجودة عنده ولكنه قادر على إحضارها عند موعد الاستحقاق تُسمى مناقصات توريد، وقبل الشروع في بيان أهم أحكام هذا النوع من المناقصات من الأهمية بمكان التعريف بعقود التوريد وذلك كما يلي:
تعريف التوريد لغة:
التوريد مأخوذ من الفعل وَرَدَ يرِد ورودًا، ووَرَدَ له عدة معان منها وَرَدَ بمعنى حضر، وأورده واستورده أحضره (1) وهذا المعنى هو المراد هنا.
تعريف عقد التوريد اصطلاحًا:
يعتبر عقد التوريد من العقود المعاصرة التي لم يبحثها الفقهاء المتقدمون، وكانت أكثر تطبيقاته في العقود الإدارية؛ ولذلك كانت أكثر تعريفات الباحثين لعقد التوريد تتناوله على أنه من العقود الإدارية، فقد نقل الطماوي تعريف محكمة القضاء الإداري في مصر لعقد التوريد بأنه:
"اتفاق بين شخص معنوي من أشخاص القانون العام وبين فرد أو شركة، يتعهد بمقتضاه الفرد أو الشركة بتوريد منقولات معينة للشخص المعنوي لازمة لمرفق عام مقابل ثمن معين" (1) .
ويشير الدكتور عبدالله المطلق إلى أن هذا التعريف قد قصر عقد التوريد على ما كان أحد طرفيه شخصًا معنويًا من أشخاص القانون العام، مع أن عقد التوريد قد يكون عقدًا خاصًا بين الأفراد، أو بين الأفراد والشركات الخاصة، أو بين الشركات الخاصة فيما بينها، كما أن الفقه الإسلامي لا يفرق بين العقود الإدارية والعقود الخاصة (2) .
ويعرّف الدكتور المصري عقد التوريد بأنه:"عقد بين جهة إدارية عامة (أو جهة خاصة) ومنشأة خاصة (أو عامة) ، على توريد أصناف محددة الأوصاف، في تواريخ معينة، لقاء ثمن معين، يُدفع على نجوم" (3) .
ويلاحظ الدكتور المطلق أن عقد التوريد كما يكون منجمًا على دفعات، يمكن أن يكون منجزًا على دفعة واحدة (4) ، ومثال ذلك: كما لو تعاقدت دائرة حكومية أو مؤسسة خاصة مع شركة استيراد أجهزة حاسوب على توريد مائة جهاز حاسوب بأوصاف معينة دفعة واحدة.
وبناءً على ما سبق فإن الدكتور المطلق عرّف عقد التوريد بأنه:"عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين تسليم الطرف الآخر أشياء منقولة بثمن معين" (5) .
الترجيح:
يرجح الباحث لتعريف مناقصات التوريد ما اختاره الدكتور المطلق تعريفًا لعقد التوريد؛ لسلامته من الاعتراضات سابقة الذكر، وعليه فإن مناقصات التوريد هي: المناقصات التي يتعهد بمقتضاها أحد المتعاقدين تسليم الطرف الآخر أشياء منقولة بثمن معين.
العلاقة بين المناقصة والتوريد:
عقود التوريد تتم إما بطريق الشراء العادي (المباشر) ، أو بطريق المناقصة، وليس كل مناقصة تُطرح لأجل عقود التوريد (6) ، فقد تُطرح لأجل عقود أخرى غير التوريد كالمقاولات مثلًا، وبالتالي فليس كل عقد توريد يتم من خلال المناقصات، وليس كل مناقصة تؤول إلى عقد توريد.
أقسام عقود التوريد:
والملاحظ أن عقود التوريد سواء جاءت من خلال المناقصات، أو من خلال الاتفاق المباشر تتعدد أقسامها بحسب اعتبارات مختلفة هي على النحو التالي:
أولًا: باعتبار مدى حرية المتعاقدين في قبول العقد أو رفضه:
وبهذا الاعتبار تنقسم عقود التوريد إلى قسمين هما:
1 ـ عقود التوريد الموحدة:
وهي العقود التي تُعقد لأجل توريد خدمات الماء والكهرباء والغاز والهاتف، ويُلاحظ في هذه العقود أن أحد طرفي العقد وهي الجهة المقدمة للخدمات تقف موقف القوي المستغني، بينما يقف الطرف الآخر موقف المذعن المحتاج الذي تُملى عليه الشروط (1) .
ويُشار هنا أن هذا النوع من عقود التوريد لا يمكن أن يتم من خلال المناقصات؛ لعدم وجود مبدأ المنافسة الذي يُشكل أساسًا هامًا في المناقصات، فإن أحد طرفي العقد قوي لا يوجد من ينافسه، والطرف الآخر محتاج لا يجد بديلًا يشتري منه.
ويرى الدكتور المطلق أن هذه العقود شبيهة بعقود الشراء المستمر كأن يشتري الإنسان لبن الشاة شهرًا، كما أنه لا يعلم أحدًا من العلماء يشترط تسليم الثمن مقدمًا فيها، ولا يجعل ذلك من باب السلم (2) .
2 ـ عقود التوريد الحرة:
وهي تلك العقود التي يتمتع فيها كل من طرفي العقد بحريته التامة في إنشاء العقد وتحديد شروطه ومضمونه، وغالبية عقود التوريد تندرج تحت هذا النوع (3) .
ثانيًا: باعتبار طبيعة العقد:
وتنقسم عقود التوريد بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1 ـ عقود التوريد الإدارية:
وهي تلك العقود التي يكون أحد طرفيها جهة إدارية حكومية، وموضوع هذه العقود يتعلق بمصلحة المرافق الحكومية العامة، كتوريد الملابس للعسكريين والمرضى والرياضيين من موظفي الحكومة، وتوريد الأطعمة لمؤسسات الجيش والمستشفيات الحكومية، وتوريد المفروشات كالمكاتب والمقاعد، والأدوات المكتبية كأجهزة الحاسوب وغيرها للدوائر الحكومية (1) .
2 ـ عقود التوريد الخاصة:
وهي العقود التي لا تكون أية جهة إدارية حكومية طرفًا فيها، وإنما الطرفان فيها من الأفراد أو الشركات الخاصة (2) ، كتوريد أثاث مدرسي من قبل شركة خاصة لمدرسة خاصة غير حكومية، وتوريد أدوية لمستشفى خاص غير حكومي والمورد شركة خاصة، وغيرها.
ثالثًا: باعتبار موضوع العقد:
وتنقسم عقود التوريد بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1 ـ عقود التوريد العادية:
وهي العقود التي موضوعها عبارة عن منقولات تم الاتفاق على مواصفاتها، ويكون المورد حرًا في اختيار المصدر الذي يحصل من خلاله على هذه المنقولات (3) ، وقد تكون هذه العقود خاصة أو إدارية.
2 ـ عقود التوريد الصناعية:
وهي العقود التي يكون موضوعها عبارة عن تسليم منقولات يصنعها المورد (4) ، ومنها ما يكون خاصًا، ومنها ما يكون إداريًا تملك الإدارة حرية كبيرة في التدخل أثناء تصنيع وإعداد هذه المنقولات (5) ، وعقود التوريد الصناعية يتردد تصنيفها بين عقود توريد أو مقاولات استصناع، ومن أمثلتها: الاتفاق مع مصنع أثاث لتصنيع أنواع من الأثاث بمواصفات معينة يقوم بتوريدها لجهة إدارية أو خاصة.
مسائل فقهية تتعلق بعقود مناقصات التوريد:
عقود التوريد من العقود المعاصرة كما أُشير إلى ذلك سابقًا، ومن ثَم فحكمها هو الحكم الراجح في المسألة الخلافية القائمة على: (هل الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، أو الأصل فيها الحظر والبطلان إلا ما نص الشارع على صحته) ، وقد بُحثت هذه المسألة في الفصل التمهيدي (1) ، حيث رجّح الباحث أن الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، وعليه فإن عقود التوريد تُعتبر عقودًا مشروعة.
ويشير الدكتور المصري إلى أن مناقصة التوريد تشبه عقد البيع، وتشبه بيع السلم من جهة اشتراط تحديد أوصاف المعقود عليه، والقدرة على تسليمه، وتحديد مواعيد التسليم (2) ، إلا أن الدكتور المطلق يشبهها بصور فقهية بحثها الفقهاء المتقدمون كبيع موصوف في الذمة غير معين على غير وجه السلم، وكالشراء المستمر، والجمع بين البيع والإجارة، وبيع ما يتكرر قطفه، ولا يعلم أحدًا من العلماء يرى أن عقود التوريد من بيع السلم (3) .
ونظرًا لكون البدلان ـ المبيع والثمن ـ يتأجلان في مناقصات التوريد إلى آجال محدودة ومعلومة شبهها الدكتور المصري بعقد الاستصناع (4) ، وتحديدًا بمفهومه عند صاحبي أبي حنيفة إذ أجازوا فيه عدم تعجيل الثمن خلافًا للسلم، كما أنهما اعتبراه عقدًا جائزًا غير لازم مع عدم ذكر الأجل، ولازمًا بتحديده (5) .
وبناءً على أن مناقصات التوريد يتأجل فيها البدلان طُرِحت عدة شبهات كالغرر، وبيع الدين بالدين ـ بيع الكالئ بالكالئ ـ وبيع ما ليس عند الإنسان، وهذا يحتاج إلى بيان على النحو التالي:
أولًا: مسألة الغرر:
يُعد تصور الغرر في عقود التوريد من أهم النتائج المترتبة على تأجيل البدلين فيها، خاصة وأن عقد البيع الذي يُعجل بدلاه أبعد عن الغرر؛ ولذلك قال الشيرازي بشأن السلم:"ويجوز حالًا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا فلأن يجوز حالًا وهو من الغرر أبعد أولى" (6) ، بينما البيع الذي يُعجل فيه بدل ويُؤجل الآخر لا يخلو من غرر، وعليه فليس غريبًا أن يُعتبر عقد السلم عقد غرر، وليس غريبًا أن يُتصور ازدياد الغرر في العقد نتيجة لتأجيل البدلين فيه، فقد قال صاحب الإقناع:"لأن في السلم غررًا فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال" (7) .
استنادًا إلى ما سبق فإن الدكتور المصري يبرر تصور زيادة الغرر في تأجيل البدلين بأنه جاء نتيجة لنظرة العلماء إلى البدلين، فرأوا زيادة في الغرر، ويشير لو أنهم نظروا إلى المتعاقدين لما تصوروا وجود زيادة في الغرر، ولكان المتعاقدان متساويين في تحمل المخاطرة؛ لأن الغرر لا
يُنظر إليه من حيث ذاته، وإنما يُنظر إليه من حيث أثره على المتعاقد، وبالتالي فلا فرق في الغرر الناتج عن تأجيل أحد البدلين وبين الغرر الناتج عن تأجيل كليهما (1) .
ويرى الصديق الضرير أن تبرير الدكتور المصري غير مقنع، وأن الغرر موجود وقد يدخل في الغرر غير المؤثر إذا دعت الحاجة إلى مثل هذه العقود (2) ؛ لأن الحاجة تُنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة (3) .
وبالرغم مما سبق ذكره فإن الصديق الضرير لم يجزم بجواز عقد التوريد وتوقف فيه (4) ، في حين أن مصطفى الزرقا أجاز عقود التوريد؛ بسبب الحاجة الملحة إلى حرية في أساليب التعاقد نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية العامة (5) .
ويعتبر حسن الجواهري أن تأجيل البدلين في عقود التوريد لا غرر فيه؛ لأن المبيع مقسط على آجال معلومة، والثمن أيضًا محدد ومقسط على آجال معلومة، والغرر المنهي عنه هو ما تردد المعقود عليه بين الوجود والعدم (6) .
ويرى الباحث أن دعوى عدم الغرر في عقود التوريد والتي قد تؤول إليها بعض المناقصات لا تثبت؛ إذ لا يكاد عقد يخلو من يسير الغرر (7) ، وعليه فإن نفي حسن الجواهري للغرر يمكن أن يحمل على نفي الغرر المنهي عنه، وهو ما كان كثيرًا، حيث إن ما يُراد توريده محدد بأوصاف معينة وبكميات محددة ومعلومة، وهو إما أن يكون موجودًا ومتوفرًا حال العقد، وإما أن يتوفر أو يوجد وقت استحقاقه، ومن ثَم فغرره قليل لا يؤثر في صحة العقد، وكذلك الأمر بالنسبة
للثمن فإنه يكون معلومًا قدرًا وصفة وأجلًا، وعلى فرض وجود غرر في عقود التوريد ولو كان كثيرًا فإن الحاجة باتت ماسة وعامة فتُنزل منزلة الضرورة، مما يجعل هذا الغرر مغتفرًا وغير مانع من صحة هذه العقود.
ثانيًا: مسألة بيع الدين بالدين:
تُعد شبهة اعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الدين بالدين نتيجة أخرى مترتبة على تأجيل البدلين، خاصة وأنه بعد إبرام عقد التوريد سواء بطريق المناقصة أو بطريق مباشر لا يتم تعجيل البدلين أو أحدهما، بل يُؤجل كل من المبيع والثمن.
واعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الدين بالدين يحتاج إلى تحقيق وبيان، إذ إن هذا الاعتبار يستند إلى حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ" (1) ؛ مما جعل بعض العلماء كالجصاص يرى أن كل معاملة وُجدت بين اثنين وكانت نسيئة من الطرفين غير مشروعة؛ لأنه يعتبر بيع الدين بالدين من أبواب الربا (2) ، ونقل ابن المنذر الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين (3) ، وذكر ذلك أيضًا ابن رشد حيث قال:"فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه الدين بالدين المنهي عنه" (4) ، كما ويرى ابن تيمية وابن القيم أن بيع الدين بالدين لا يعود بالنفع على المتعاقدين؛ لانشغال ذمة كل منهما من غير فائدة (5) .
ويرى الدكتور سعود الثبيتي أن عقود المناقصة التي يتم فيها بيع العين الموصوفة الموجودة سواء في بلد المتعاقدين أو في غير بلدهما لا يشترط فيها تسليم الثمن، أما العقود التي يكون المبيع فيها موصوفًا في الذمة أو مسلمًا فيه فإنه يشترط فيها تسليم الثمن في مجلس العقد؛ لئلا يتعلق البدلان في الذمة، إذ يدخل ذلك في بيع الدين بالدين المنهي عنه في الحديث المشهور، حيث تلقته الأمة بالقبول وإن كان في سنده أو متنه بعض الاعتراضات (6) .
ولا يسلم كل من الدكتور المصري والدكتور المطلق بأن عقود التوريد تدخل في بيع الدين
بالدين (1) ؛ لأنه يمكن الرد على ما سبق بما يلي:
1 ـ حديث الكالئ بالكالئ حديث ضعيف، فقد ذكر ابن حجر أن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووهم؛ لأن راويه موسى بن عبيدة الربذي لا موسى بن عقبة، وأن ابن حنبل لا تحل عنده الرواية عنه، ولا يعرف هذا الحديث عن غيره، وأنه ليس في هذا حديث يصح، ونقل عن الشافعي أن أهل الحديث يوهنون هذا الحديث، وأن الدارقطني جزم في العلل بأن موسى بن عبيدة تفرد به (2) .
2 ـ إن دعوى اعتبار تأجيل البدلين في عقود التوريد يدرجها في الربا؛ لأن بيع الدين بالدين من أبواب الربا هي دعوى غير مسلمة، إذ إن البدلين في عقود التوريد مختلفان، وفيها مبادلة سلعة بنقد، فلا تدخل في الربا المحرم (3) .
3 ـ إن دعوى الإجماع على تحريم بيع الدين بالدين لم تثبت، فإن ابن القيم قال:"إن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ" (4) .
وفسر الإمام مالك الكالئ بالكالئ"أن يبيع الرجل دينا له على رجل بدين على رجل آخر" (5) ، واختلاف تفسير الكالئ بالكالئ دليل على عدم الإجماع على معنى واحد (6) .
4 ـ وأما القول بأن في تأجيل البدلين انشغال ذمة كل من المتعاقدين من غير فائدة فليس مسلمًا؛ إذ لو كان كذلك لما تعاقد بذلك أحد، وقد يكون للمتعاقدين غرض سليم في تأجيل البدلين (7) .
الترجيح:
بناءً على ما سبق فإن الباحث يرجح ما خلص إليه الدكتور المصري من أن حديث بيع الكالئ بالكالئ لا يقف مانعًا من جواز مناقصات التوريد والمقاولة، بالإضافة إلى عموم الحاجة إليها، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (8) .
ويُشار هنا أن الدكتور عبد الله المطلق يرى أن عقود التوريد يمكن إلحاقها بصور فقهية قديمة تشبهها قد بحثها المتقدمون من الفقهاء (1) ، ومن هذه الصور:
1 ـ بيع موصوف في الذمة غير معين لا على وجه السلم:
السلم جائز بالإجماع (2) ؛ حيث أجازه الشارع بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (3) ، والسلم يتم فيه بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم، مع اشتراط تعجيل الثمن في مجلس العقد، أما بيع موصوف في الذمة غير معين ليس على وجه السلم فقد اختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال هي كالتالي:
القول الأول:
يصح البيع على الصفة، قال به الحنفية، والمالكية، والشافعية في قول، والحنابلة في الأظهر، وقال به أيضًا الظاهرية (4) .
القول الثاني:
لا يصح البيع على الصفة، وبه قال الشافعية في الأظهر، والحنابلة في وجه (5) .
القول الثالث:
يصح البيع على الصفة إن كان قد ملكه البائع، وإلا فلا، وبه قال الحنابلة في وجه ثالث (6) .
سبب الخلاف:
يعود سبب الخلاف إلى اختلافهم في الغرر الناشئ عن نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هل هو من الغرر الكثير أم أنه من الغرر اليسير المعفو عنه فمن رآه من الغرر الكثير منعه، ومن رآه من الغرر اليسير أجازه، ومن أثبت للمشتري خيار الرؤية رأى أنه لا
غرر هناك حتى وإن لم تكن له رؤية (7) .
ويُشار هنا أن مسألة الغرر قد تمت الإجابة عليها سابقًا (1) ، بما رجحه الباحث من أن الغرر في عقود التوريد غير مؤثر في صحة العقد.
ثم اختلف القائلون بصحة بيع موصوف في الذمة غير معين لا على وجه السلم في اشتراط قبض الثمن في مجلس العقد على قولين هما:
القول الأول:
يشترط قبض الثمن في مجلس العقد؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين، وبه قال الحنفية، والحنابلة في الصحيح في مذهبهم، وقال به أيضًا الظاهرية (2) .
القول الثاني:
لا يُشترط قبض الثمن؛ لأنه بيع حال، وبه قال المالكية إذ قيدوا هذا الشرط فيما لا يُؤمن تغيره، وأجازوا دفع الثمن تطوعًا، وعدم اشتراطه مطلقًا قال به أيضًا القاضي (3) من الحنابلة (4) .
الترجيح:
يرى الباحث أن حديث بيع الدين بالدين ـ الكالئ بالكالئ ـ لا يقف مانعًا من جواز مناقصات التوريد والمقاولة، بالإضافة إلى عموم الحاجة إليها، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة؛ كما ويُقال في هذا الخلاف ما قيل في مسألة بيع الدين بالدين السابق ذكرها.
وبناءً على ما سبق فإن بيع الموصوف في الذمة غير المعين لا على وجه السلم يُعتبر صورة من صور مناقصات عقود التوريد التي يجري التعامل بها اليوم؛ ولذلك يرى الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان أن عقد التوريد لا إشكال فيه، بل له مخرج واسع عند المالكية، فهو من قبيل بيع الصفة التي يتأجل فيها البدلان (5) .
2 ـ الشراء من دائم العمل أو الشراء المستمر:
يعتبر الشراء من دائم العمل كالخباز واللحام بيعًا، ويسمى بيعة أهل المدينة، فقد كان أحدهم يبتاع اللحم بسعر معلوم، يأخذ كل يوم شيئًا معلومًا، ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء وكذلك كل ما يباع في الأسواق، ولا يكون إلا بأمر معلوم يسمي ما يأخذ كل يوم، ولم يكن يُعتبر ذلك من باب بيع الدين الدين (1) .
ويجوز الشراء من دائم العمل بثمن معجل أو مؤجل، ويخالف بذلك السلم؛ لعدم اشتراط تعجيل الثمن وتأجيل المثمن، فهو بيع لأن البيع لا يشترط فيه واحد من الأمرين (2) .
والشراء من دائم العمل له صورتان:
1 ـ أن يتعاقد معه على أنه يأخذ كل يوم بعشرة دراهم خبزًا مثلًا، ويثبت لكل منهما الفسخ.
2 ـ أن يأخذ جملة منه يفرقها على أيام وليس لأحدهما الفسخ في هذه الصورة (3) .
أما الشراء المستمر كشراء لبن الغنم شهرًا، فقد رُوي عن الحسن البصري قوله بجوازه (4) ، وسُئل الإمام مالك:"أرأيت إن اشتريت لبن عشر شياه بأعيانها في أبان لبنها، أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم ذلك جائز إذا سمى شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، وكان قد عرف وجه حلابها فلا بأس به" (5) .
ويُعتبر الشراء المستمر أو من دائم العمل أحد صور مناقصات عقود التوريد المعاصرة.
ثالثًا: مسألة بيع ما ليس عنده:
يلتزم المورد (المناقص) في مناقصات التوريد بتوريد سلع في آجال معلومة على أن تكون أوصافها مطابقة لأوصاف وشروط المناقصة، وهذه السلع قد تكون موجودة عنده أو غير موجودة، فهل يمكن اعتبار مناقصات عقود التوريد من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده إذا كانت السلع غير موجودة ولا يملكها؟
وإجابة هذا السؤال تحتاج إلى فهم معنى (بيع الإنسان ما ليس عنده) ، فإن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك" (6) ، وقد اختلف العلماء
اختلافًا واسعًا في تفسير هذا الحديث، وبيان ذلك كما يلي:
1 ـ ذكر ابن عبد البر تفسيرًا للمالكية وهو أنهم يحملون النهي عن (بيع ما ليس عندك) على الطعام وحده إلا ما كان من بيع العينة (1) (2) ؛ لما رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه" (3) .
2 ـ وفسره الشافعي بأنه بيع العين التي لا يملكها وبيع العين بلا ضمان (4) ، وذكرت مثل هذا التفسير بعض كتب شروح الأحاديث (5) ، فهو بيع ما هو في ملك الغير ثم يسعى البائع لتحصيله بالشراء من مالكه ودفعه للمشتري.
3 ـ وفسر ابن القيم بيع الإنسان ما ليس عنده بأنه بيع ما ليس هو على ثقة من حصوله أو عدم حصوله، فيكون غررًا كبيع الآبق والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه (6) .
ومن ينظر إلى ما سبق من تفسيرات يجد أنها تفيد النهي إما عن بيع المعدوم، أو العين الغائبة، أو بيع الأعيان التي لا يملكها، فهي كلها شاملة للغرر وعدم القدرة على التسليم.
والمبيع في مناقصات التوريد إما أن يكون موجودًا عند المورد (المناقص) أو غير موجود عنده حال العقد ولكن يغلب على الظن وجوده وقت استحقاقه، كما أن المورد قد يكون منتجًا للمبيع، أو متاجرًا به وقادرًا على تسليمه؛ لذلك فإن الدكتور المصري يرى أن مناقصات التوريد لا تدخل في النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، لقدرته على التسليم في الموعد المحدد (7) ، ويوافقه الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان؛ لأن المورد لا يبرم عقد التوريد إلا وهو واثق بحصوله على المبيع وفق الالتزامات الواردة في العقد (8) ،كما أن الشيخ الصديق الضرير يرى ذلك أيضًا (9) .
الترجيح:
يرجح الباحث ما ذهب إليه الدكتور المصري وغيره من أن مناقصات التوريد ليست من باب بيع الإنسان ما ليس عنده؛ وذلك لقوة حجتهم، ولانتفاء معنى الحديث المحتمل في هذه العقود.
وخلاصة لما سبق يمكن القول بأن المناقصات التي تؤول إلى عقود توريد هي مشروعة لا تدخل في بيع الدين بالدين، ولا في بيع ما ليس عنده، بل يمكن إلحاقها بالصور الفقهية سابقة الذكر والتي بحثها الفقهاء المتقدمون.
المطلب الثاني
مناقصات المقاولات
لا تقتصر المناقصات التي يجري التعامل بها اليوم على أن يكون موضوعها (المناقَص فيه) سلعًا تؤول بها إلى عقود توريد والتي تم الحديث عنها سابقًا، بل يمكن أن يكون المناقَص فيه عملًا فقط يتعهد به المناقِص، فتؤول المناقصة إلى ما يعرف بعقد مقاولة في العرف، وإجارة في الشرع، ويمكن أن يكون عملًا ومواد يتعهد المناقِص بتقديمها، فتؤول المناقصة إلى عقد مقاولة في العرف، واستصناعًا في الشرع (1) ، وقبل الشروع في بيان أهم أحكام هذا النوع من المناقصات يلزم التعريف بالمقاولة وعلاقتها بالمناقصات وذلك على النحو التالي:
تعريف المقاولة لغة:
المقاولة صيغة مبالغة على وزن مفاعلة، تقتضي مشاركة من أطراف متعددة، وأصل اشتقاقها الفعل قال يقول قولًا وقولة ومقالًا، وقاوله في أمره وتقاولا أي تفاوضا (2) ، فالمقاولة معناها المفاوضة والمجادلة.
تعريف عقد المقاولة اصطلاحًا:
يُعتبر مصطلح عقد المقاولة من المصطلحات القانونية الحديثة، ولذلك عرفه علماء الشرع المعاصرون بتعريفه القانوني وهو:"عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر" (3) .
والمناقصة التي تؤول إلى عقد مقاولة المناقِص فيها هو مَن يتعهد بصناعة شيء معين، أو بأداء عمل معين، والمناقَص له وهو الجهة المعلنة عن المناقصة مَن يتعهد بالأجر للمناقِص مقابل تنفيذ التزاماته، وهذا الأجر غالبًا ما يُؤدى على شكل دفعات أو أقساط؛ ولذلك أضاف الدكتور المصري في تعريفه لعقد مقاولة الأشغال العامة قوله:"لقاء مقابل محدد يُدفع على نجوم (أقساط) " (4) .
ويُشار هنا أنه بالرغم من كون المقاولة مصطلحًا قانونيًا إلا أن مجلة الأحكام العدلية المستَمدة موادها من الفقه الحنفي استعملته في تفسير الاستصناع حيث جاء فيها:"الاستصناع عقد مقاولة مع أهل الصنعة، على أن يعمل شيئًا، فالعامل صانع والمشتري مستصنع والشيء مصنوع" (1) ،وجاء في موضع آخر:"لو تقاول مع صاحب معمل أن يصنع له كذا بندقية كل واحدة"
بكذا قرشًا وبيّن الطول والحجم وسائر أوصافها اللازمة وقبل صاحب المعمل انعقد الاستصناع" (2) ، ويُفهم من ذلك كما ذكر الدكتور المصري أن مجلة الأحكام العدلية اعتبرت الاستصناع والمقاولة شيئًا واحدًا (3) ، مع أن المقاولة في القانون الوضعي أعم من الاستصناع في الشرع (4) ، إذ أنها تشمل الاستصناع والإجارة كما أُشير إلى ذلك سابقًا، وليس كذلك الاستصناع."
واستنادًا إلى ما سبق يمكن تعريف مناقصات المقاولات بأنها: المناقصات التي يتعهد بمقتضاها أحد المتعاقدين أن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر.
العلاقة بين المناقصة والمقاولة:
يقول الشيخ الجواهري:"إن المناقصة والمقاولة كلاهما تعهد من قبل مَنْ يشترك في المناقصة والمقاولة، إلا أن الاختلاف من ناحية أن المقاولات عامة تشمل المناقصات التي هي مقاولات خاصة، وتشمل غير المناقصات التي يكون التقاول مع طرف خاص من غير أن تُسبق هذه المقاولة بعرض المشروع على الآخرين" (5) .
ثم يخلص إلى أن المقاولات أعم من المناقصات؛ معتبرًا أن كل مناقصة مقاولة، وليست كل مقاولة مناقصة (6) .
ويرى الباحث عدم صحة ما ذهب إليه الشيخ الجواهري من أن كل مناقصة مقاولة؛ لأن المناقصات إما أن تؤول إلى عقود توريد، وإما أن تؤول إلى عقود مقاولة، وعقود التوريد ليست عقود مقاولة، إلا إذا أُعتبرت جمعيها بيعًا (بيع سلع وبيع منافع) ، ومع ذلك فإن اختلاف الأسماء يقتضي المغايرة،، وعليه فليست كل مناقصة مقاولة، وليست كل مقاولة تتم من خلال المناقصات، بل يمكن أن تُبرم بطريق مباشر بعيدًا عن إجراءات المناقصة.
أنواع المقاولات:
تتنوع المقاولات تنوعًا كبيرًا؛ نتيجة لتنوع الأعمال التي يلتزم المقاول (المناقِص) بأدائها، وهذه الأعمال تختلف من مقاولة إلى أخرى بحسب اعتبارات عديدة هي:
أولًا: باعتبار طبيعة العمل:
وتنقسم المقاولات بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1.مقاولات إجارة:
وهي المقاولات التي يتعهد فيها المقاول بتقديم العمل فقط (1) ، بحيث يكون تحت إدارة وإشراف الطرف الآخر للعقد (2) ، وهذا العمل إما أن يكون غير متصل بشيء معين، كنقل الأشخاص والطبع والنشر، وإما أن يكون متصلًا بشيء معين سواء كان موجودًا وقت العقد أو غير موجود، وهذا الشيء لا يملكه المقاول، بل يقدمه الطرف الآخر للعقد، وإنما يمارس المقاول العمل عليه فقط، كترميم الأبنية أو دهانها، وكتجديد الأثاث (3) ، وكتصليح أجهزة الحاسوب أو معدات أخرى، وهذه الأمثلة تندرج ضمن عقود الصيانة، وتُعتبر مقاولات إجارة لأنها تقوم حقيقة على الاستئجار للعمل، يُؤكد ذلك ما ورد في البدائع حيث جاء فيها:"فإن سلم إلى حداد حديدًا ليعمل له إناءً معلومًا بأجر معلوم، أو جلدًا إلى خفاف ليعمل له خفًا معلومًا بأجر معلوم فذلك جائز ولا خيار فيه؛ لأن هذا ليس باستصناع، بل هو استئجار فكان جائزًا" (4) .
2.مقاولات استصناع:
وهي المقاولات التي يتعهد فيها المقاول بتقديم العمل والمادة معًا (5) ، وتُعتبر مقاولات استصناع لأنها يصدق عليها صورة الاستصناع عند القائلين بجوازه وهم الحنفية، فقد جاء في البدائع في ذلك ما نصه:"أما صورة الاستصناع: فهي أن يقول إنسان لصانع من خفاف أو صفار أو غيرهما اعمل لي خفا أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا" (6) .
ومقاولات الاستصناع قد يصدق عليها أنها تجمع بين البيع وخاصة السلم وبين الإجارة
وذلك بحسب تعريف السمرقندي (1) وغيره من الحنفية للاستصناع، إذ عرّفه بأنه:"عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع" (2) ، ويقول صاحب البدائع بشأن الاستصناع:"فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والإجارة؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل؛ وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا" (3) .
ويرى الدكتور القره داغي أن الاستصناع ليس كالسلم الذي لابد فيه من قبض رأس المال في المجلس، وليس كالبيع الذي لابد فيه من وجود المبيع، بل هو عقد يكون المعقود عليه وهو العمل والعين في الذمة، ويجوز فيه تأجيل الثمن أو تقسيطه، مما يساهم في تنشيط الصناعة وزيادة المرونة في سوق المال (4) .
ويرجح الباحث ما ذهب إليه الدكتور القره داغي؛ للأسباب ذاتها التي أوردها.
ثانيًا: باعتبار حجم العمل:
وتنقسم المقاولات بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1.مقاولات صغيرة:
وهي التي تتناول أعمالًا صغيرة، وغالبًا ما تتعلق بأعمال المهن الحرة كالنجار وغيرها (5) .
2.مقاولات كبيرة:
وهي ما تتناول أعمالًا كبيرة، وعادة ما تتعلق بتشييد المباني والجسور والسدود وغيرها (6) .
ثالثًا: باعتبار جنس العمل:
وتنقسم المقاولات بهذا الاعتبار إلى أقسام عديدة بحسب العمل الذي ينسب إلى المقاولة، فهناك مقاولات بناء، ومقاولات أشغال عامة، ومقاولات نقل وغيرها (7) .
كما وتنقسم المقاولات باعتبار جنس العمل إلى قسمين آخرين هما:
1.مقاولات مادية:
وهي التي تتناول الأعمال المادية كإنشاءات المباني والجسور والسدود وغيرها (1) .
2.مقاولات عقلية:
وهي التي ترد على أعمال ناتجة عن مجهود عقلي وليس مادي، كالأعمال القانونية مثل المحاماة، وكالأعمال الفنية مثل تصميم يضعه مهندس معماري (2) .
رابعًا: باعتبار متعلق العمل:
وتنقسم المقاولات بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1.مقاولات عامة:
وهي التي تتعلق أعمالها بالمرافق العامة والأشغال العامة والنقل وغيرها، وتكون الحكومة أو المؤسسات العامة طرفًا فيها (3) .
2.مقاولات خاصة:
وهي التي تتعلق أعمالها بمرافق ومصالح خاصة بالأفراد والشركات ولا تكون الحكومة أو المؤسسات العامة طرفًا فيها (4) .
مسائل فقهية تتعلق بعقود مناقصات المقاولات:
أُشير سابقًا إلى أن عقود المقاولات إما أن تكون إجارة، وإما إن تكون استصناعًا، والإجارة جائزة شرعًا، بدليل قوله تعالى:] قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين[ (5) ، وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يؤته أجرته" (6) ، وبدليل إجماع الأمة (7) .
والاستصناع أجازه الحنفية استحسانًا؛ ولأن الناس تعاملوا به في سائر الأزمان من غير أن ينكر
أحد ذلك فكان إجماعًا (1) ، وأما المالكية والشافعية والحنابلة فإنهم اعتبروا الاستصناع سلمًا؛ فأعطوه حكمه وشروطه (2) ؛ وهذا خلاف ما اشتهر عنهم من أنهم لا يجيزون الاستصناع، وقد أشار إلى ذلك التارزي وعلله بقوله:"القضية قضية تخريج، والتزام بمصطلحات معينة لكل مذهب" (3) .
والاستصناع الذي يجري التعامل به اليوم يحتاج إلى مناقشة المسائل المتعلقة ببعض الضوابط والأحكام التي قررها العلماء لجواز عقد الاستصناع، وهي كما يلي:
أولًا: مسألة اشتراط أن يكون المصنوع مما يجري التعامل فيه بين الناس:
لقد اشترط الحنفية لصحة الاستصناع أن يكون الشيء المراد صنعه مما تعارف الناس فيه، فإن كان مما لم يُتعارف فيه فلا يصح (4) ؛ وهذا ما اشترطته مجلة الأحكام العدلية أيضًا، إلا أنها ناقضت ذلك حينما اعتبرت أن بيان المدة فيما لم يُتعامل باستصناعه يصيره سلمًا، وعدم بيان المدة فيه يجعله استصناعًا (5) ، مع أن الشرط يقتضي عدم صحة هذا الاستصناع.
ويُشار هنا إلى أن التارزي ذكر أن ما يجري التعامل فيه بين الناس في تغير وتطور مستمر، وأنه لا يمكن الوقوف عليه عند زمن أو مكان معين، ومن ثَم فإن حاجات الناس المتطورة والمتغيرة تستدعي ألا ينحصر الاستصناع فيما جرى فيه التعامل في الماضي؛ لأن الناس اليوم غدوا في أشد الحاجة إلى التوسع في مجالات جديدة للاستصناع (6) ، كصناعة الزوارق والسفن والبنادق وغيرها مما مثلت له مجلة الأحكام العدلية (7) .
ويرى الباحث صحة ما ذهب إليه التارزي؛ لأن الشريعة إنما قامت لتحقيق مصالح العباد وسد حاجاتهم ورفع العنت عنهم، والجمود عند زمن أو مكان معين ينافي صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، كما أنه لا حرج في تعامل الناس فيما هو جديد مادام لا يترتب عليه غرر أو ضرر.
ثانيًا: مسألة اشتراط ألا يكون في الاستصناع أجل:
وهذا الشرط قال به أبو حنيفة؛ لأن ذكر الأجل في الاستصناع عنده يُصيره سلمًا، باعتبار
أن الأجل من شروط السلم، وقال الصاحبان أنه لا يُشترط عدم ذكر الأجل فيه، فهو استصناع سواء ذُكر الأجل أم لا؛ لأن اللفظ حقيقة له فيحافظ على مقتضاه، ويُحمل ذكر الأجل على التعجيل (1) .
ويرجح الباحث ما ذهب إليه الصاحبان؛ لأنه لكل من المتعاقدين في ذكر الأجل أو عدم ذكره ما يحقق مصلحته، وذكر الأجل لا يُخرج الاستصناع عن حقيقته.
ثالثًا: مسألة الإلزام في عقد الاستصناع:
يُعتبر الاستصناع عند الحنفية عقدًا غير لازم قبل العمل بلا خلاف، وللمتعاقدين خيار الامتناع قبل العمل، وكذلك بعد الانتهاء من العمل وقبل الرؤية فللصانع أن يبيعه ممن شاء؛ لأن العقد لم يقع على عين المصنوع بل على مثله في الذمة (2) .
ونُقل عن أبي يوسف قوله بلزومه إذا جاء به كما وصفه؛ لدفع الضرر عن الصانع في إفساد أديمه وآلاته، فربما لا يرغب غيره في شرائه (3) ، وبهذا القول أخذت مجلة الأحكام العدلية (4) .
ويرى الباحث أن القول باعتبار عقد الاستصناع لازمًا إذا جاء المصنوع موافقًا لوصفه هو الراجح؛ لأنه يحقق المصلحة منه، ولأن في عدم لزومه تعطيلًا لعجلة الإنتاج، بالإضافة إلى أن الصناعة اليوم دخلت مجالات ذات أهمية كبيرة، وتكاليف باهضة، والتخيير فيها يؤدي إلى ضرر كبير يلحق بمصالح لها أهمية عظيمة، وهذا القول كان قد رجحه التارزي للأسباب السابقة (5) .
رابعًا: مسألة تأجيل البدلين في الاستصناع:
جاء في المجلة ما نصه:"لا يلزم في الاستصناع دفع الثمن حالا أي وقت العقد" (6) ، وبما أن المصنوع موصوف في الذمة فقد يرد أن ذلك يؤدي إلى بيع الدين بالدين المنهي عنه.
ويُجاب على ذلك بما أُجيب على ذات المسألة في عقود التوريد (7) ، بالإضافة إلى أن أحد البدلين في عقود المقاولة سواء كانت إجارة أو استصناع عبارة عن منفعة، والمنفعة كما يقول
العلماء لا تُستوفى جملة واحدة، وإنما تُستوفى تدريجيًا (1) ، والبدل الآخر المتمثل بالثمن فقد يكون معجلًا أو مؤجلًا.
ويشير ابن عابدين إلى أن المنفعة تحدث شيئًا فشيئًا، ثم يقول:"وشأن البدل أن يكون مقابلًا للمبدل، وحيث لا يمكن استيفاؤها حالًا لا يلزم بدلها حالًا، إلا إذا شرطه ولو حكمًا بأن عجله؛ لأنه صار ملتزمًا له بنفسه حينئذ، وأبطل المساواة التي اقتضاها العقد فصح" (2) .
وبناءً على ما سبق يمكن القول بأن عقود المقاولات سواء كانت إجارة أو استصناع هي عقود مشروعة، وكان ممن أجازها مصطفى الزرقا (3) ، وبالتالي فإن المناقصات التي تؤول إلى عقود المقاولات جائزة شرعًا ولا حرج فيها.
المطلب الثالث
مناقصات تفضي إلى الربا
يُعتبر المناقَص فيه هو الذي يحدد ما تفضي إليه المناقصة، فقد أُشير سابقًا إلى أن المناقَص فيه قد يكون منفعة، أو عملًا مما يؤول بالمناقصة إلى عقود المقاولات، وقد يكون سلعة مما يؤول بالمناقصة إلى عقود التوريد، وهناك حالات يكون المناقَص فيه سببًا لأن تؤول المناقصة إلى الربا المحرم، كأن يكون المناقَص فيه عبارة عن سندات، سواء كانت سندات خزينة، أو استثمار.
فما هي هذه السندات؟ وكيف تؤول بالمناقصة إلى الربا؟
وإجابة هذه التساؤلات يأتي على النحو التالي:
أولًا: تعريف السندات:
1.... في اللغة:
السندات جمع السند، وهو مشتق من الفعل سَنَدَ يسند سنودًا، وسند بمعنى اعتمد، يُقال فلان سند أي معتمد (1) .
2.في الاصطلاح:
ذكر الدكتور علي السالوس أن السند عبارة عن"وثيقة دين تصدر عن اقتراض هيئة أو مؤسسة خاصة، أو عامة أو دولية من الجمهور، وهي تثبت مديونية المصدر لحامل تلك الوثيقة القابلة للتداول في الأسواق الثانوية، وتعهده برد القيمة الاسمية والتزامه بدفع فائدة على مبلغ القرض" (2) .
ونقل الدكتور القره داغي تعريفًا للسند في عرف الاقتصاد الحديث بأنه"وثيقة بقيمة محددة يتعهد مصدرها بدفع فائدة دورية في تاريخ محدد لحاملها" (3) .
والملاحظ أن التعريفين يفيدان وجود دين نظير مقابل مادي يُدفع تحت اسم فائدة، وهذا المدلول كاف في دخول هذه المعاملة في الربا المحرم، حيث نهى الله تعالى عن التعامل بالربا بقوله:] ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا
بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (1) [.
فلو لم يكن الربا محرمًا وخطره عظيم على حياة المجتمع لما توعد الله المتعاملين به بالحرب.
والسندات كما أشار الدكتور سامي حمود مبنية على الاقتراض غير الحسن، أي الاقتراض بمقابل، ومن ثَم فهي مبنية على أساس أعوج لا يمكن تصحيحه (2) .
وسندات الخزينة أو شهادات الاستثمار هي أنواع من السندات الربوية المحرمة شرعًا، فيقول عبد اللطيف الجناحي المدير العام لبنك البحرين الإسلامي في شأن سندات الخزينة:"وهي أدوات محرمة شرعًا لما تحمله من سعر فائدة فالحكومة تستلم ألفًا من الوحدات المالية (دولار أو دينار مثلًا) وترده عند الاستحقاق ألفًا مضافًا إليه 5% أو 6% وأي نسبة أخرى يتم إعلانها أو الاتفاق عليها بين الأطراف، فهي إذن عملية مالية يتحقق فيها ربا الفضل وربا النسيئة معًا، فالعملية محرمة تحريمًا قطعيًا بنصوص من الكتاب والسنة" (3) ، ويقول الدكتور مازن فروخ:"إن سندات الخزينة ربا ولو كان المقترض هو الدولة" (4) .