الصفحة 12 من 17

وشهادات الاستثمار لا تختلف عن سندات الخزينة، فهي وثائق اقتراض؛ ولذلك نص قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورته السادسة عام 1990م المتعلقة بالسندات على تحريمها وقد نقل الدكتور القره داغي نصه وهو:"إن السندات التي تمثل التزامًا بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعًا من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول لأنها قروض ربوية، سواء كانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة، لا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكًا استثمارية أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحًا أو ريعًا أو عمولة أو عائدًا" (5) .

والتعامل بمثل هذه السندات في المناقصات يتم من خلال طرح الدولة القرض للاكتتاب وتحديد سعر أعلى للفائدة، وتبدأ بقبول طلبات المكتتبين بأدنى سعر فائدة، حتى تتم تغطية القرض، وأكثر استخدامات هذه الطريقة تكون في إصدار أذون الخزانة (6) .

وبناءً على ما سبق فإن السندات التي تعتبر وثائق دين إذا دخلت في المناقصات باعتبارها المناقَص فيه، يجعل هذا النوع من المناقصات ممنوعًا شرعًا لإفضائه إلى الربا المحرم.

المبحث الثاني

الجزاءات عند الإخلال بالمناقصات

يترتب على المناقصات كعقود العديد من الالتزامات التي ينبغي الوفاء بها، وعلى الوجه المتفق عليه؛ تحقيقًا لمقتضى العقد، وآثاره الناشئة عن هذه الالتزامات.

وأغلب المناقصات إن لم يكن كلها التي يجري التعامل بها اليوم يُشترط فيها إيقاع بعض الجزاءات عند الإخلال بشروط التعاقد، كالإخلال بمواصفات المناقَص فيه المتفق عليها، أو الإخلال بموعد التسليم المتفق عليه، وهذه الجزاءات يُعبر عنها بما يسمى بالشرط الجزائي، فما مدى مشروعية الشرط الجزائي؟ وماذا يترتب على المخالفات التي تظهر خلال تنفيذ العقد؟ وما مدى المسؤولية الواقعة على القائمين على تنفيذ التزامات عقد المناقصة؟

بيان الالتزامات المترتبة على طرفي العقد وإجابة التساؤلات الواردة أعلاه تكفل هذا المبحث بالإجابة عليها وفق المطالب التالية:

المطلب الأول

الالتزامات المترتبة على عقد المناقصة

يترتب على إبرام عقد المناقصة سواء آلت إلى عقد توريد أو إلى عقد مقاولة مجموعة من الالتزامات، منها ما يقع على المناقِص (المورد أو المقاول) ، ومنها ما يقع على المناقَص له (المستورد أو رب العمل) ، وهذه الالتزامات هي:

أولًا: التزامات المناقِص (المورد أو المقاول) :

يلتزم المناقِص بمقتضى عقد المناقصة توريدًا كان أو مقاولة بما يلي:

1 ـ تنفيذ العمل الذي تعهد به:

يجب على المناقِص القيام بالعمل الذي تعهد به، ووفق الشروط والمواصفات المتفق عليها، ما لم تكن هناك مخالفة شرعية؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" (1) ، وإذا لم يكن ثمة شروط متفق عليها فالمرجع حينئذ إلى العرف السائد عند أهل كل

صنعة أو مهنة، وهذا الأمر يظهر أكثر وضوحًا في المقاولات؛ لأن الأعمال فيها لها أصول وتقاليد متعارف عليها، ينبغي على المناقِص الالتزام بها عند تنفيذ العمل الذي تعهد به (1) .

والتزام المناقِص في تنفيذ العمل هو التزام شخصي، بمعنى أنه لا يستطيع أن يُسند العمل إلى غيره من الموردين أو المقاولين وهو ما يُعرف بمقاول الباطن من غير موافقة المناقَص له، وإذا تمت الموافقة على ذلك فإن المناقِص يبقى هو المسؤول الوحيد أمام المناقَص له (2) .

وإسناد العمل إلى مقاول الباطن أجازه الفقهاء في حالة عدم الاشتراط على المناقِص العمل بنفسه، فلو كان الشرط أن يعمل بنفسه لم يجز له أن يُسند العمل إلى غيره، لأن المقاولين أو الموردين متفاوتون في العمل، وتعيين المقاول أو المورد بعينه ليقوم بالعمل إنما جاء لفائدة، فيتعين ولا يسند العمل إلى غيره (3) .

2 ـ تسليم العمل بعد إنجازه:

يجب على المناقِص أن ينجز العمل الذي تعهد به خلال المدة الزمنية المحددة في العقد ما لم تمنعه قوة قاهرة، فإن لم يكن هناك اتفاق على مدة معينة فلاشك أنه يُرجع في تحديد المدة اللازمة لإتمام العمل إلى عرف المهنة، وطاقة المناقِص ووسائله في تنفيذ عمله.

وبعد أن ينجز المناقِص ما تعهد به وفق الشروط والمواصفات والمدة المتفق عليها ينبغي أن يقوم بتسليمه إلى المناقَص له، وذلك بأن يخلي بين ما تعهد به وبين المناقَص له على الوجه وفي المكان المتفق عليه، وإن لم يكن هناك اتفاق فإنه يُلجأ إلى عرف الصنعة (4) .

وفي حالة عدم قيام المناقِص بتسليم العمل منجزًا على الوجه وفي الوقت والمكان المتفق عليه في العقد، ولم تحل قوة قاهرة دون التسليم، فإنه بذلك يكون مخلًا بالتزاماته، مما يترتب عليه تحمل المسؤولية والجزاءات الواردة في العقد (5) .

3 ـ ضمان العمل بعد تسليمه:

ويُعرف هذا الضمان بضمان حسن أداء المعقود عليه بعد التسليم مدة معينة، وقد تم بحثه (6) .

ثانيًا: التزامات المناقَص له:

يلتزم المناقَص له أمام المناقِص (المورد أو المقاول) بعدة التزامات هي:

1 ـ تمكين المناقِص من تنفيذ العمل الذي تعهد به:

يجب على المناقَص له أن يُمكّن المناقِص من تنفيذ العمل، ويتم ذلك بعدم الحيلولة بينه وبين البدء بالتنفيذ؛ لأن من الواجب على المناقَص له أن يقوم بتنفيذ التزاماته كتسليم المقاول مواقع العمل (1) ، وهذا ما يقتضيه العقد، فقد قال تعالى:] ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود[ (2) .

2 ـ دفع العوض:

يلتزم المناقَص له بدفع المقابل المالي (العوض) للمناقِص، وفق ما تم الاتفاق عليه، من جهة المقدار والجنس والنوع وطريقة الدفع (3) ، إذ يمكن أن يُدفع العوض جملة واحدة بعد وفاء المناقِص بالتزاماته، ويمكن أن يُدفع على أقساط تبعًا لسير العمل، بحيث تُسوّى الحسابات في نهاية العقد.

3 ـ الحق في الحصول على تعويض:

قد يقوم المناقِص بعمل إضافات لم تكن مطلوبة في العقد، ولم يتم الاتفاق عليها، فإذا تبين وثبت أن هذه الإضافات كانت مفيدة ولازمة تعيّن على المناقَص له أن يُعوضه مقابل ذلك (4) .

وقد يُقال إن المناقِص يجب أن يُعلم المناقَص له بضرورة هذه الإضافات، ويثبت له ذلك قبل الشروع في عملها، فإن أجاز له لزمه التعويض وإلا فلا، وحينئذٍ يتحمل المناقَص له المسؤولية.

ويرى الباحث أن للمناقِص أن يشرع في الإضافات إذا ثبت لزومها، ويستحق التعويض، وألا يتوقف ذلك على إجازة المناقَص له إلا إذا أُشترط ذلك في العقد؛ لأن من التزامات المناقِص ضمان عمله بعد التسليم، فليس من مصلحته أن يضمن عملًا ثبت أنه تنقصه بعض الإضافات اللازمة، والذي قد تتوقف عليه سلامته، مما يُعرّضه للخسارة وسوء السمعة في العمل.

وقد أفتى بيت التمويل الكويتي بأنه إذا كان العقد ينص على أنه إذا جرت مسائل تقتضي المصلحة لإتمامها فقيمة الأعمال المضافة ينبغي أن تُدفع، أما إذا لم ينص العقد على ذلك واقتضت المصلحة هذه الإضافات فإن العرف هو الحكم حينئذٍ (5) .

كما ويستحق المناقِص التعويض إذا واجه صعوبات مادية استثنائية ليس من الممكن توقعها حال إبرام العقد، وتجعل التنفيذ أكثر صعوبة وتكلفة، وعادة ما يكون ذلك في مقاولات الأشغال العامة، والعدالة تقتضي تعويضه بما يغطي التكاليف الزائدة التي تحملها (6) .

المطلب الثاني

الشرط الجزائي (غرامات التأخير)

كثيرًا ما تتضمن عقود المناقصات سواء كانت مناقصات توريد أو مقاولات شرطًا يُعرف بغرامات التأخير، والتي يلتزم المناقِص بموجبه بدفع غرامة يحددها المناقَص له إذا لم ينفذ الأول التزاماته، أو تأخر في تنفيذها، ليس بسبب قوة قاهرة، وليس بسبب من جهة المناقَص له.

واشتراط الغرامات على التأخير غدا يُعرف اليوم بالشرط الجزائي، والذي يُعتبر من المصطلحات الحديثة التي لم يتداولها المتقدمون من الفقهاء، وإنما تداول هذا المصطلح القانونيون العرب نتيجة لتأثرهم بالقوانين الوضعية الغربية (1) .

وللوقوف علي حكم الشرط الجزائي من الناحية الشرعية ينبغي أولًا التعرف على حقيقته، وخصائصه والغرض منه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ويأتي ذلك على النحو التالي:

أولًا: تعريف الشرط الجزائي:

يذكر الزرقا أن اشتراط الناس في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه هو ما يُعرف بالشرط الجزائي (2) .

ونقل الدكتور شبير عن بعض شرّاح القانون المدني المصري تعريفًا للشرط الجزائي بأنه:"اتفاق المتعاقدين في ذات العقد أو في اتفاق لاحق، وبشرط أن يكون ذلك قبل الإخلال بالالتزام على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن عند عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه أو تأخيره عنه فيه" (3) .

ثانيًا: خصائص الشرط الجزائي:

من التعريف الذي نقله الدكتور شبير للشرط الجزائي يمكن استخلاص الخصائص التالية:

1 ـ إنه اتفاق على مقدار التعويض عند الإخلال بالالتزام، فهو يغاير الغرامة التعويضية التي يحكم بها القاضي بعد الإخلال.

2 ـ مقدار التعويض يكون جزافيًا، فقد يكون أكبر من الضرر، وقد يكون أقل.

3 ـ الاتفاق على مقدار التعويض يكون سابقًا على وقوع الإخلال في الالتزام، وقد يتضمنه العقد

كأحد بنوده، وقد يُوضع في ملحقات العقد، وهو بذلك يغاير الصلح عن الدين الذي يحصل بعد الإخلال بالالتزام.

4 ـ الشرط الجزائي عبارة عن عقوبة مترتبة على الإخلال بالالتزام، وقد يكون مبلغًا من النقود أو غير ذلك، فهو يغاير العربون الذي يدفعه أحد المتعاقدين مقدمًا عند التعاقد ويُحسب من الثمن.

5 ـ الشرط الجزائي عبارة عن التزام تبعي، ومقدار التعويض المتفق عليه ليس هو محل الالتزام الأصلي، وإنما هو تعويض اتفاقي يُدفع عند الإخلال بالالتزام، كعدم التنفيذ أو التأخير عن الوقت المحدد، ومن ثم فلا يُطالب به قبل المطالبة بالالتزام الأصلي، ويبطل الشرط الجزائي ببطلان الالتزام الأصلي، ولا يبطل الالتزام الأصلي ببطلان الشرط الجزائي (1) .

ثالثًا: الغرض من الشرط الجزائي:

إن الشرط الجزائي يرمي إلى تحقيق مجموعة من الأغراض وهي كما يلي:

1 ـ حمل المناقِص على عدم التهاون بما التزم به؛ مما يضمن تنفيذ الالتزامات الواردة في العقد، وعدم الإخلال بها.

2 ـ تجنب اللجوء إلى القضاء لفض الخلافات المترتبة على الإخلال بالالتزامات؛ حيث إن إجراءات القضاء مكلفة وطويلة.

3 ـ إعفاء المناقَص له وعدم مطالبته بإثبات الضرر الحاصل نتيجة إخلال المناقِص بالتزاماته (2) .

حكم الشرط الجزائي:

أجاز عدد كبير من الهيئات ولجان الفتوى والعلماء المعاصرين الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال، ومن هذه الهيئات إدارة البحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية، ودار الإفتاء المصرية، والهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي (3) ، ومن العلماء مصطفى الزرقا (4) .

وقد استدلوا على جواز الشرط الجزائي بما يلي:

1 ـ عن ابن سيرين قال:"قال رجل لكريه: أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة"

درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه" (1) ."

2 ـ أن نافع بن عبد الحارث اشترى من صفوان بن أمية دار السجن بثلاثة آلاف، فإنْ عمر رضي الله عنه رضي فالبيع بيعه، وإنْ عمر رضي الله عنه لم يرض بالبيع فلصفوان أربعمائة درهم فأخذها عمر (2) .

وجه الدلالة:

يظهر جليًا من خلال هذين الأثرين أنه لا مانع من اشتراط تعويض الضرر الذي يقع نتيجة تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها؛ ويقول الدكتور المطلق:"في هذين الأثرين أساس لطريقة التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار" (3) .

3 ـ هذا الشرط لا يتنافى مع مقتضى العقد، بل يقتضيه ويحقق مصلحة العاقدين، في إنجاز العقد في وقته المحدد (4) .

4 ـ إن الشرط الجزائي يُعتبر شرطًا مستحدثًا تُطبق عليه القاعدة التي تقول أن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وبطلانه.

ويشير الدكتور رفيق المصري إلى أن غرامات التأخير تشبه فوائد التأخير، بجامع أن كلًا منهما فيه معنى الجزاء في التأخير، إلا أن فوائد التأخير تتعلق بتأخير وفاء القرض عن موعد استحقاقه، فهي من الربا، أما الشرط الجزائي أو غرامات التأخير في مناقصات التوريد والمقاولات فتتعلق بتأخير تسليم السلع أو الأعمال عن موعدها المحدد، فهي متعلقة بالبيوع والإجارات وليس بالقروض، ولكن إذا أُعتبر المناقَص فيه المستحق التسليم في موعد محدد نوع من أنواع الدين فإن غرامات التأخير تشبه حينئذٍ ربا النسيئة (5) .

كما ويشبه المصري غرامات التأخير بصورة (بيع ثوب بدرهم نقدًا ودرهمين نسيئة) و (خياطة ثوب بدرهمين ليوم ودرهم ليومين) ، ويرى جواز هذه العقود إذا انعقد البيع على أحد الثمنين، وهو ما أجازه بعض العلماء (6) ، أما إذا لم ينعقد البيع على أحد الثمنين فالعقود غير جائزة؛ لأن هذه الصور من باب بيعتين في بيعة، والثمن فيه مجهول (7) .

ويخلص المصري إلى أن الشرط الجزائي إذا كان لعدم التنفيذ فهو جائز كالعربون، وإذا كان للتأخير في التنفيذ فهو غير جائز؛ لأنه في حكم ربا النسيئة، ومن ثَم فلا تجوز الغرامات للتأخير في التنفيذ في مناقصات التوريد والمقاولات (1) .

ويرى الباحث أن الشرط الجزائي للتأخير في التنفيذ ليس من باب ربا النسيئة، خاصة وأن الزمن له ثمن، وأن أضرارًا قد تقع بسبب التأخير والمماطلة، مما يستلزم تعويض المتضرر، لأن الضرر في الشريعة مرفوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" (2) ، والذي استندت عليه قاعدة الضرر يُزال، والشرط الجزائي هو الذي يحقق إزالة ضرر التأخير في التنفيذ بدفع المناقِصين على التعجيل في تنفيذ التزاماتهم.

ويؤكد ما سبق ما ذكره الزرقا من أن قيمة الزمن اليوم قد زادت، وأصبح عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته أو تأخير تنفيذها مضرًا بوقت ومال العاقد الآخر، ثم مثّل لذلك بتأخير بائع في تسليم بضاعة إلى تاجر حتى هبط سعرها، مما ألحق بالتاجر المشتري أضرارًا وخسارة قد تكون فادحة (3) .

مقدار التعويض في الشرط الجزائي:

ومقدار ما يتضمنه الشرط الجزائي من تعويض يختلف من عقد لآخر، فقد يكون أكبر من قيمة الضرر الحاصل، وقد يكون أقل منه بكثير.

ففي حالة كان التعويض الذي تضمنه الشرط الجزائي أكبر من قيمة الضرر فإن ذلك يُعتبر ضررًا لابد من إزالته تطبيقًا لقاعدة الضرر يُزال، وتطبيقًا لقواعد العدل والإنصاف التي تقوم عليها المعاملات في الإسلام، ويُرجع في تقدير الضرر إلى القاضي معتمدًا على تقدير أهل الخبرة (4) .

وقد أفتى بيت التمويل الكويتي بشأن الشرط الجزائي أنه إذا جاوز حد المعقول بأن كان أكثر من الضرر الذي يعود على الطرف الآخر فيجب رده إلى المعقول، ويعتبر مثل الشروط المتغالي فيها شروطًا تعسفية تتنافى مع قواعد الشريعة الإسلامية التي من أصولها لا ضرر ولا ضرار (5) .

وإذا كان الشرط الجزائي المتفق عليه متضمنًا تعويضًا أقل بكثير من الضرر الحاصل فيُعتبر شرطًا

صحيحًا في المقدار المتفق عليه، وأن المتضرر قد أسقط حقه في المطالبة بالضرر الزائد وشرط ذلك على نفسه قبل حصوله.

وإذا كان الشرط المتضمن لمقدار التعويض التزامًا ممن أوقع الضرر أثناء العقد وكان أقل بكثير من الضرر الواقع فإنه يُلزم بدفع تعويض جميع الضرر، ولا يُبرّئ بالشرط الذي ألزم نفسه به من جميع التعويض (1) .

المطلب الثالث

الظروف الطارئة (وضع الجوائح)

يُعتبر دور نظرية الظروف الطارئة مهمًا وذو تأثير كبير في الحقوق والالتزامات، من خلال الموازنة بين مصلحتي طرفي العقد، وذلك عند مواجهة نوازل وأحداث عامة كالحروب والزلازل وغيرها لم تكن متوقعة عند التعاقد، ولم يكن في الوسع دفعها، وهذه الأحداث الطارئة التي تقع بعد إبرام العقد وقبل تمام التنفيذ قد تجعل تنفيذ الالتزامات إن لم يكن مستحيلًا فصعبًا وأكثر تكلفة وإرهاقًا للمناقِص موردًا كان أو مقاولًا، بحيث يهدده بخسارة فادحة.

ونظرية الظروف الطارئة كما يقول الدكتور عبد الفتاح عبد الباقي حديثة العهد في القانون المعاصر (1) ، وبعض تطبيقات هذه النظرية يقابلها ما يُعرف في الشرع الإسلامي بوضع الجوائح، ومراعاة الأعذار الطارئة، خاصة في عقد الإجارة، إذ إن هناك العديد من المسائل الفقهية التي ذكرها الفقهاء، ويُمكن اعتبارها تطبيقًا للظروف الطارئة، ومن هذه المسائل ما يلي:

ـ جاء في كتاب الفروع ما نصه:"وينفسخ العقد بتلف محل عمل معين" (2) .

ـ وجاء في عدة كتب فقهية مسألة فسخ الإجارة ببراءة الضرس الذي أُستُأجر الأجير لقلعه (3) .

ـ وذكر ابن عابدين أن مَنْ استأجر عقارًا ثم طرأ ما يدفعه للسفر أو الانتقال من المصر فإن ذلك عذر في نقض الإجارة؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع إلا بحبس نفسه وهو ضرر (4) .

وأما بالنسبة لمبدأ وضع الجوائح فقد أخذ به المالكية والحنابلة (5) ، وقبل بيان دليلهم الشرعي في ذلك ينبغي التعريف بالجائحة، وذلك كما يلي:

أولًا: الجائحة لغة:

الجائحة مشتقة من الفعل جوح، يُقال: جاحتهم السنّة جوحًا وجياحة، وأجاحتهم واجتاحتهم أي: استأصلت أموالهم، والجائحة: المصيبة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال (6) .

ثانيًا: الجائحة اصطلاحًا:

عرّف الفقهاء الجائحة بمعناها اللغوي مخصوصًا بالثمار، وهذا يظهر جليًا من خلال تعريفاتهم، التي تتفق في مضمونها بالرغم من اختلاف ألفاظها، ومن هذه التعريفات ما يلي:

ـ جاء في شرح الزرقاني وفي حاشية الدسوقي أن الجائحة:"ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرًا من ثمر أو نبات" (1) .

ـ وقال صاحب كفاية الطالب:"وهي ما لا يُستطاع دفعه كالبرد والريح والجيش"، وذكر أن من شروطها أن تكون في الثمر (2) .

ـ وجاء في المبدع:"الجائحة كل آفة سماوية لا صنع للآدمي فيها كالريح والحر والبرد والعطش فكل ما تهلكه من الثمر على أصوله قبل أوان جده فهو من ضمان البائع" (3) .

ونظرًا لاقتصار تعريف الجائحة على الثمار فإن الدكتور عياد وضع تعريفًا عامًا للجائحة لتشمل العقود الأخرى غير بيع الثمار، وهذا التعريف مفاده أن الجائحة هي:"حدث عام طارئ أثناء تنفيذ العقد، غير متوقع الحدوث وقت إبرامه، ويتعذر دفعه أو تجنب آثاره، مما يسبب خسارة فادحة للمدين إذا استمر في تنفيذ التزامه بشروطه السابقة" (4) .

ويرجح الباحث تعريف الدكتور عياد للجائحة؛ لعمومه وشموله للعقود، مما يحقق العدل والإنصاف، إذ كيف يُتصور رفع الضرر في جائحة الثمار، ولا يُرفع في غيرها مع أن الضرر قد يكون أكثر بكثير، كما أن هذا التعريف يجعل وضع الجوائح في الفقه الإسلامي متطابقًا مع نظرية الظروف الطارئة المعمول بها في القانون الوضعي.

الدليل الشرعي لوضع الجوائح:

استدل مَنْ حكم بوضع الجوائح بأدلة من السنة هي:

1 ـ ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟" (5) .

2 ـ ما رواه جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح (1) .

وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أن المجمع الفقهي الإسلامي كما ذكر الدكتور المصري قرر الأخذ بالظروف الطارئة، وجواز اللجوء إلى القضاء لإعادة تعديل الحقوق والالتزامات، بالنسبة لطرفي العقد، أو فسخ العقد والتعويض، بناءً على رأي أهل الخبرة (2) .

بناءً على ما سبق فإن إعمال وتطبيق نظرية الظروف الطارئة في عقود المناقصات سواء كانت عقود توريد أو عقود مقاولات بالموازنة بين طرفي العقد أمر ليس فيه حرج شرعي، بل إنه يُزيل الخلل الذي سببه الظرف الطارئ على ميزان المعاوضة الذي قام عليه العقد.

المطلب الرابع

تغير الأسعار وتغير قيمة الأوراق النقدية

تمت الإشارة سابقًا إلى أنه يجب على المناقِص أن يأخذ بالحسبان تغير الأسعار، وأن يراعي ذلك كله في حساب العطاء الذي يتقدم به، وإذا تغيرت الأسعار بسبب ناشئ عن الدولة نفسها فلابد من تسوية الفرق زيادة أو نقصانًا، خاصة في العقود التي تكون مؤسسات الحكومة طرفًا فيها، أما إذا كان التغيير ناشئًا عن عوامل العرض والطلب فلا يُنظر إلى سعر المناقصة إلا باعتباره ثابتًا ولا علاقة للمناقَص له بتغير الأسعار (1) .

أما بالنسبة لما يعتري الأوراق النقدية من تغير قوتها الشرائية نتيجة للتغير في المستوى العام للأسعار زيادة ونقصًا، فإنه يؤثر على الوفاء بقيمة المبيعات الآجلة، وقيمة القروض، كما ويؤثر على القياس السليم للتكلفة، التي تتم المقابلة بينها وبين الإيرادات لتحديد الربح (2) .

ويشير الدكتور عبد الباقي إلى أن تغير قيمة الأوراق النقدية بالزيادة بعد البيع وقبل الوفاء بالثمن يرهق المشتري، كما أن تغير قيمة الأوراق النقدية بالنقصان قبل الوفاء بالثمن يرهق البائع، وهذا يتطلب رد الالتزام إلى الوضع العادل الذي يتناسب مع قيمة الأوراق النقدية وقت البيع (3) .

وبشأن تغير قيمة النقود الورقية وتذبذبها يرى الدكتور القره داغي أن قيمة هذه النقود تكمن في قدرتها الشرائية؛ مما يستوجب مراعاة القيمة فيها في جميع الحقوق الآجلة والمتعلقة بالذمة من قرض أو مهر أو بيع أو غيره، مادام هناك غبن فاحش يلحق بالدائن أو بالمدين نتيجة الفرق الكبير بين قيمة النقد وبين قدرته الشرائية في وقت إبرام العقد ووقت الوفاء (4) .

وهذا الذي يراه الدكتور القره داغي يستند إلى ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء منهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن في بعض الأحوال، وغيرهم من الفقهاء إلى اعتبار القيمة، فقد قال أبو يوسف في النقود إذا اشترى بها رجل سلعة فكسدت، وترك الناس المعاملة بها، فإن قيمتها يوم البيع؛ لأنه مضمون به (5) .

ويعتبر الدكتور عبد الباقي أن أقرب ما يكون تطبيقًا لنظرية الظروف الطارئة في مجال الفقه الإسلامي يتمثل فيما قاله أبو يوسف بشأن تغير قيمة الأوراق النقدية بعد البيع وقبل الوفاء بالثمن، سواء كان ذلك بالزيادة أو بالنقصان من أن المشتري يلتزم بدفع ما يتناسب مع قيمة النقود عند البيع؛ لأن التغير في قيمة الأوراق النقدية يرجع إلى ظرف طارئ عام، ولا يختص بأحد العاقدين (1) .

ويرى الباحث أنه في حالة تغير قيمة الأوراق النقدية ومن ثَم تغير قوتها الشرائية يجب اعتبار قيمة النقود وقت إنشاء العقد، عملًا بقول أبي يوسف؛ لأنه أقرب إلى تحقيق العدالة، وإلى إعادة التوازن في المعاوضة التي قام عليها العقد.

وتعليقًا على رأي أبي يوسف بشأن اعتبار القيمة يقول الدكتور عبد الباقي:"وواضح أن الفكرة الإسلامية أوسع رحمة، وأعم عدلًا، وأخلق بالتالي بالاتباع، لاسيما في وقتنا الحاضر الذي بات فيه انخفاض قيمة العملة يسير بمعدلات رهيبة مجحفة كل الإجحاف بالدائنين (2) ."

المطلب الخامس

تواطؤ المناقِصين وثبوت رشوتهم

يُعتبر استعمال المناقِص للغش والاحتيال في معاملاته، منافيًا لأحد أهم الأصول والمبادئ التي يقوم عليها نظام المعاملات في الإسلام، والذي ينص على أن تكون العقود قائمة على العدل والعفو، فلم يكن غريبًا أن تنهى الشريعة عن التزيد في حق النفس بقول الله تعالى:] ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [ (1) ، وتنهى عن الربا بقوله تعالى:] وذروا ما بقي من الربا [ (2) ، وقوله تعالى:] وأحل الله البيع وحرم الربا [ (3) ، وتنهى عن الغش بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا" (4) ، وتنهى عن الغرر والميسر لما فيه من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وتنهى أيضًا عن التواطؤ لأكل أموال الناس بغير حق، سواء كان هذا التواطؤ بالاحتيال أو بالرشوة أو بأي شيء آخر؛ لما فيه من ظلم وتعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله تعالى عنه بقوله:] ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [ (5) ، وبما رواه عبد الله بن عمرو قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي" (6) .

والمناقِص سواء كان موردًا أو مقاولًا إذا ثبت عليه تعامله بالغش والرشوة كان ذلك سببًا في شطب اسمه من قائمة الموردين أو المقاولين، بالإضافة إلى استثنائه، وعدم السماح له بدخول المناقصات؛ وذلك لخطورة الآثار الناجمة عن الغش والخداع (7) .

فسمعة المناقِص الحسنة تساهم في ترشيحه للفوز بعقد المناقصة، وسمعته السيئة نتيجة تعامله بالخداع والرشوة تُعتبر من أهم أسباب استبعاده عن المشاركة في المناقصات، وهذا يُعتبر

أحد أنواع العقوبة التي يواجهها مَنْ ثبت عليه الاحتيال والرشوة.

والغش في عقود المناقصات يتمثل في قيام المناقِص بأعمال تدل على عدم التزامه الجاد، ومحاولته الانتفاع غير المشروع على حساب المناقَص له، بإيجاد ثغرات للتحلل من التزاماته (1) .

وطرق الغش كثيرة منها التواطؤ مع المهندسين المشرفين على أعمال المقاولات مثلًا، أو رشوتهم، لاستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات الواردة في العقد؛ لقلة سعرها (2) ، وفي مقاولات البناء قد يلجأ المهندس والمقاول إلى استعمال الخداع والاحتيال لحمل صاحب العمل للقبول بالبناء غير المطابق للمواصفات المتفق عليها، أو قاما بإخفاء العيوب الظاهرة خداعًا منهما.

وفي عقود مناقصات التوريد قد يقوم المورد بمخالفة المواصفات المتفق عليها، وهذا لا يُعتبر غشًا إلا بتوفر القصد وعلمه به؛ لاحتمال قيام من يستخدمهم بالغش لمصلحتهم دون علمه (3) .

والجزاءات التي قد تقع على المناقِص إذا ثبت غشه وتعامله بالرشوة لا تقف عند شطب اسمه من سجل الموردين أو المقاولين، بل قد تصل إلى فسخ العقد، وملاحقته قضائيًا (4) .

ويعزز ما سبق ما جاء في مواهب الجليل بشأن الغش ونصه:"إن من غش في أسواق المسلمين يعاقب بالسجن، والضرب وبالإخراج من السوق إن كان معتادًا للغش، ولا يرجع إليه حتى تظهر توبته" (5) .

ويرى الباحث ضرورة إيجاد مراقبة فنية مستمرة، عدا عن إشراف اللجان المختصة من مهندسين أو غيرهم، بالإضافة إلى إشراك المهندسين خاصة المشرفين على مقاولات البناء والتشييد مع المقاولين في ضمان تلك الأبنية والمنشآت؛ من أجل تضييق الخناق على حالات الغش والخداع.

كما ويجب التشدد في تعويض الأضرار الناتجة عن مخالفات المهندس أو المقاول أو لجنة فحص الأصناف الموّردة؛ لأن التواطؤ والرشوة يُعتبران اليوم من أخطر وأكثر وسائل الغش استعمالًا، بعد خراب كثير من الذمم والضمائر، خاصة في عقود المناقصات الإدارية، فلم تعد لجان المراقبة والفحص على الأصناف الموّردة أو على أعمال المقاولات تؤدي دورها بأمانة، إلا من رحم الله تعالى؛ ولذلك ينبغي أن تكون عقوبة من ثبت عليه الغش والاحتيال والتواطؤ رادعة، حتى لا تتعرض أرواح الناس للخطر، وحتى لا يتعرض المال العام للسلب والعبث.

المبحث الثالث

انتهاء الالتزام في المناقصة

لا شك في أن العقود إنما شُرعت من أجل أن تترتب عليها آثارها الشرعية المرجوة منها، وهذه الآثار لا يمكن أن تتحقق إلا بوفاء أطرافها بالتزاماتهم.

والرابطة العقدية بين طرفي العقد تبقى قائمة حتى بعد الوفاء بالالتزامات الناشئة عن العقد؛ لتبقى وسيلة لإثبات الآثار المترتبة عليه، ومن ثَم فإن العقد لا ينقضي، إنما تنقضي الالتزامات الناشئة عنه، إما بالوفاء بها كما هو الغالب في العقود، وإما بأسباب أخرى غير الوفاء كالفسخ أو الإقالة.

وانقضاء الالتزام في المناقصة بأي سبب من الأسباب السابقة تناوله هذا المبحث بالبيان وفق المطالب التالية:

المطلب الأول

انتهاء الالتزام بالوفاء به

تنتهي الالتزامات في عقود المناقصات سواء آلت إلى عقود توريد أو إلى عقود مقاولات بما تنتهي به الالتزامات في العقود المشابهة لها في الفقه الإسلامي، كالبيع والإجارة والاستصناع.

وغالب عقود المناقصات تنتهي الالتزامات فيها بالوفاء بها من قِبَل أطرافها، مما يؤدي إلى تحقيق الغاية منها، بترتب الآثار الشرعية التي عُقدت لأجلها.

ففي عقود مناقصات التوريد تنتهي الالتزامات بوفاء كلٍ من العاقدين بما تعهد به، فيسلم المناقِص (المورد) الأصناف أو السلع محل العقد وفق المواصفات والشروط المتفق عليها، ويدفع المناقَص له للمناقِص الثمن الذي ثبت في ذمته مقابل هذه الأصناف أو السلع التي تسلمها منه بشروطها، ثم إذا كان هناك التزام بالضمان بعد التسليم لمدة زمنية محددة فينتهي هذا الالتزام بانتهاء هذه المدة.

وكذلك الأمر في عقود مناقصات المقاولات حيث تنتهي الالتزامات فيها بأن يسلم المناقِص

(المقاول) العمل الذي تعهد بإنجازه، موافقًا للمواصفات والشروط الواردة في العقد، وفي المقابل يدفع المناقَص له للمناقِص الأجر أو العوض الذي التزم به نظير إنجاز العمل الذي تسلمه بشروطه، وإذا كان هناك أيضًا التزام بضمان ما تعهد بإنجازه بعد تسليمه لمدة زمنية معينة فإن الالتزام ينتهي بانقضاء هذه المدة.

المطلب الثاني

انتهاء الالتزام بالفسخ

سبق وأُشير إلى أن الالتزامات العقدية في الغالب تنتهي بالوفاء، ولكن هناك أسباب ينحل بها العقد؛ وتنتهي الالتزامات بغير الوفاء بها، والفسخ أحد هذه الأسباب، وهو مدار الحديث هنا.

والفسخ المقرر في عقود المناقصات التي يجري التعامل بها اليوم يُعتبر بمثابة جزاء يتقرر عند إخلال أحد العاقدين بالتزاماته.

فلو خالف المناقِص الشروط والمواصفات المتفق عليها، كأن يتأخر في إنجاز تعهداته، ولكن ليس بسبب قوة قاهرة، فإنه يحق للمناقَص له أن يطالب بفسخ العقد، وبالتعويض أيضًا (1) .

فالمناقِص إذا كان موردًا وأخل بالتزاماته كأن يورد أصنافًا مخالفة للمواصفات والشروط المتفق عليها فإنه يجب أن يُبَلغ خلال مدة معينة، ليوّرد بدلها.

وإذا تأخر المورد في التوريد مُنِحت له مهلة إضافية، مع فرض غرامة معينة، وفي حالة عدم الوفاء بذلك يحق للمناقَص له أن يتخذ بعض الإجراءات، من بينها فسخ العقد، بإنهاء التعاقد والحصول على التعويض نظير الضرر الذي لحق به نتيجة إخلال المورد بالتزاماته (2) .

وإذا كان المناقِص مقاولًا وأخل بالشروط أو المواصفات المتفق عليها، ولم يقم بالتعديل ليوافق الشروط والمواصفات بعد إبلاغه بذلك وخلال فترة معينة، فإنه يحق للمناقَص له أن يقوم بأحد أمرين:

ـ إما أن يفسخ العقد، ويصادر التأمين، ويحصل على التعويض نظير ما لحق به من ضرر.

ـ وإما أن يسحب العمل من المقاول، ويقوم بتنفيذه على حسابه، بإسناد العمل إلى مقاول آخر، بطريق المناقصة أو بالاتفاق المباشر، بالإضافة إلى الحصول على التعويض نظير الأضرار التي لحقت به جراء إخلال المقاول بالتزاماته (3) .

وإذا كان التعديل متعذرًا ومستحيلًا كأن تكون الأدوار الأولى من بناء تعهد المقاول ببنائه قد أُقيمت على نحو معيب ومخالف للمواصفات والشروط، مما يجعل الأدوار التالية معيبة أيضًا، فإنه يحق للمناقَص له أن يطالب بفسخ العقد وبالتعويض، ولا حاجة للانتظار حتى يكتمل العمل مخالفًا للشروط والمواصفات ثم يطالب بالفسخ والتعويض، وللقضاء أن يقدر استحقاق حكم الفسخ والتعويض، أو عدم استحقاق ذلك (1) .

ففسخ العقد يعود إلى أسباب عديدة ومتنوعة، وهذه الأسباب تلتقي في مجملها في فوات المصلحة كلها أو بعضها، والتي من أجلها شُرع العقد، مما يلحق الضرر بأحد العاقدين، ومعلوم أن الضرر مرفوع في الشريعة.

ويرى الباحث أن اشتراط فسخ العقد عند الإخلال بالالتزامات كما هو الحال في عقود مناقصات التوريد أو المقاولات أمر لا حرج فيه، فقد أشار الحنابلة إلى صحة تعليق الفسخ بشرط (2) ، وجاء أيضًا في مجلة الأحكام العدلية ما يفيد أن كل مَنْ شُرط له الخيار يصير مخيرًا بين الفسخ والإمضاء، وفي المدة المحددة للخيار (3) .

واشتراط فسخ العقد عند الإخلال بالالتزامات يشابه ما يُعرف في الفقه الإسلامي بخيار النقد وصورته كما جاء في مجلة الأحكام العدلية هي:"إذا تبايعا على أن يؤدي المشتري الثمن في وقت كذا وإن لم يؤده فلا بيع بينهما صح البيع" (4) .

ويرى الدكتور عبد الباقي أن فسخ العقد في الفقه الإسلامي ليس بالضرورة أن يكون جزاءً عند الإخلال بالالتزام، بل يمكن أن يُرد إلى أسباب عديدة متنوعة، أغلبها تتعلق بتكوين العقد، وليس فقط بالإخلال بالتنفيذ، كما ويرد أسباب فسخ العقد إلى أمرين:

ـ وجود خلل في تكوين العقد، خاصة ما تعلق منه بالمعقود عليه، ويندرج تحته خيار الوصف، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار الغبن والتغرير.

ـ تضمن العقد شرطًا يُعطي العاقدين أو أحدهما الحق في فسخ العقد، ويندرج تحته خيار الشرط، وخيار النقد (5) .

والفسخ شائع في الفقه الإسلامي، فهناك مسائل فقهية كثيرة يظهر فيها أثر الخيارات في فسخ العقد، وقد ذكر صاحب الإنصاف أن خيار الشرط يفيد الاتفاق على استحقاق فسخ العقد (6) ، كما أن هناك حالات عديدة يظهر فيها أثر الأعذار في فسخ العقد، وقد أُشير إلي بعضها سابقًا (7) .

ويجوز لأحد العاقدين أن يلجأ إلى القضاء لفسخ العقد، إذا حدث عذر طارئ يلحق به ضررًا بالغًا، أو يتعذر معه الوفاء بالتزاماته، خاصة إذا كان الفسخ من أحدهما، وهو المتضرر ولا سبيل إلى رفع الضرر عنه إلا بفسخ القاضي للعقد، فقد جاء في البدائع أن البيّعان إذا اختلفا وتحالفا لم ينفسخ العقد بنفس التحالف، بل ينفسخ بفسخ القاضي عند طلبهما (1) ، وورد أيضًا في كشاف القناع أنه في حالة تعذر الفسخ من البائع والمشتري، وأراد أحدهما الفسخ لرفع الضرر عن نفسه، فإن ذلك لا يتم إلا بفسخ القاضي (2) .

وهناك أعذار قد تحدث في وقتنا الحالي، ويستحيل معها الوفاء بالالتزامات الواردة في العقد، أو أنها تلحق بأحد العاقدين ضررًا بالغًا، مما يدفع المتضرر للتوجه إلى القاضي لطلب الفسخ، فيفسخ القاضي العقد ما لم يلحق ذلك ضررًا أكبر بالعاقد الآخر، ومن هذه الأعذار ما ذكره الدكتور المطلق وهي:

ـ إذا أصبح استيراد المعقود عليه متعذرًا أو مستحيلًا؛ لتدمير المصنع الذي ينتجه، أو توقفه، أو امتناع الدولة من تصديره.

ـ إذا تم توقيف نشاط المورد، بأمر من الجهات الرسمية، فأصبح عاجزًا عن ممارسة عمله.

ـ إذا انتفى الغرض الذي استوردت البضاعة من أجله، كمن تعاقد مع جهة لاستيراد آلات وأجهزة لينشأ بها مصنع، فتقوم الدولة بمنع قيام هذا المصنع (3) .

ولاشك أن الأعذار السابقة تندرج تحت نظرية الظروف الطارئة، التي تعمل على إعادة التوازن الذي قام عليه العقد، ورفع الضرر الناشئ عن هذه الظروف الطارئة.

المطلب الثالث

انتهاء الالتزام بالإقالة

تُعتبر الإقالة كالفسخ سببًا من أسباب انتهاء الالتزامات العقدية، وانحلال العقد بها، إلا أن هناك تمايزًا بينهما.

والإقالة لغة:

الإقالة مأخوذة من الفعل أقال، يُقال: أَقالَهُ إقالة، واستَقالَني: أي طلب إِليَّ أَن أُقِيلَه، وتَقَايل البيِّعان: تَفاسَخا صَفْقَتهما، فالإقالة هي الفسخ (1) .

وفي الاصطلاح:

الإقالة"رفع عقد البيع وإزالته" (2) .

والإقالة جائزة شرعًا؛ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أقال نادمًا بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة" (3) .

وتتميز الإقالة عن الفسخ كما يقول الدكتور عبد الباقي في ناحيتين هما:

1 ـ الإقالة لا يلزم أن تحصل نتيجة لإخلال أحد العاقدين بالتزاماته، أما الفسخ فإنه يكون جزاءً عند الإخلال بالالتزامات.

2 ـ الإقالة لا تكون إلا ناشئة عن طرفي العقد، وبشرط أن تأتي بعد تمام العقد، أما الفسخ فلا يكون إلا بأحد أمرين: إما بحكم القاضي، وإما بغير حكمه (4) .

وقد اختلف الفقهاء في تكييف الإقالة على عدة أقوال هي:

1 ـ إن الإقالة فسخ بالنسبة للعاقدين، وبيع جديد بالنسبة لغيرهما، وقال به الحنفية (5) .

2 ـ إن الإقالة بيع وليست فسخ، وبه قال المالكية، والشافعية في القديم، والظاهرية (1) .

3 ـ إن الإقالة فسخ وليست بيع، وبه قال الشافعية في الجديد، والحنابلة (2) .

وثمرة الخلاف تكمن في أن مَنْ قال بأنها بيع فيجوز فيها ما يجوز في البيوع، ويشترط فيها ما يشترط في البيوع، ويحرم فيها ما يحرم في البيوع، ومَنْ قال بأنها فسخ لا يشترط فيها ما يشترط في البيوع.

ويرجح الباحث قول الحنفية الذي يرى أن الإقالة فسخ في حق العاقدين، وعقد جديد في حق غيرهما؛ لأن الإقالة لها طبيعة مزدوجة من حيث إنهاء الالتزامات التي نشأت، وهذا ما يُعبر عنه بالفسخ، وإعادة الالتزامات السابقة إلى حالها، وهذا ما يُعبر عنه بعقد جديد.

بناءً على ما سبق فإن أقال أحد طرفي عقد المناقصة الطرف الآخر من الوفاء بالتزاماته وقَبِل الآخر صحت الإقالة، وانحل بها العقد، وانتهت بها الالتزامات التي وردت في العقد.

وأثر الإقالة في عقود المناقصات أنها تزيل العقد وترفعه، فكأنه لم يكن، وهذا بالنسبة لطرفي عقد المناقصة، أما بالنسبة لغيرهما فلا يكون للإقالة أثر، فلا أثر مثلًا على العلاقة العقدية التي نشأت بين المناقِص والبنك، نتيجة خطابات الضمان المتعلقة بالتأمين الابتدائي أو النهائي.

(1) الرازي: مختار الصحاح (ص298) ؛ ابن منظور: لسان العرب (3/ 457) ؛ الفيومي: المصباح المنير (ص337) .

(1) الطماوي: الأسس العامة للعقود الإدارية (ص121) ؛ المطلق: عقد التوريد (ص24) .

(2) المطلق: عقد التوريد (ص24) .

(3) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص205) .

(4) المطلق: عقد التوريد (ص25) .

(5) المرجع السابق (ص25) .

(6) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص205) .

(1) المطلق: عقد التوريد (ص31) .

(2) المرجع السابق (ص31) .

(3) المرجع السابق (ص32) .

(1) المطلق: عقد التوريد (ص32) .

(2) المرجع السابق (ص32) .

(3) المرجع السابق (ص33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت