بقي الحديث عن الشروط التي يمكن أن يتضمنها عقد المناقصة، وهذه الشروط يُقال بشأنها ما رجحه الباحث سابقًا (3) في أن الأصل في الشروط الإباحة ما لم يكن فيها ما يخالف الشرع، أو يناقضه، مع العلم أنه سيتم تناول بعض الشروط في الفصل اللاحق كالشرط الجزائي وغيره.
تجدر الإشارة إلى أن بعض العقود التي تؤول إليها المناقصة كالتوريد يُعترض عليها بأنها عقود غرر، وغير ذلك، وهذا ما سيتم تناوله في الفصل اللاحق فيُراجع هناك.
المطلب الثالث
الحكمة من مشروعية المناقصة
تبرز أهمية عقد المناقصة والحكمة من مشروعيته من خلال النقاط التالية:
1 ـ يمكن الحصول بعقد المناقصة على أكبر منفعة بأقل تكلفة، وقد أشارت الشريعة على ذلك بقوله تعالى:] والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما[ (1) ، ولا شك أن المناقصة توازن هذا الإنفاق، وتحقق المنفعة بأقل تكلفة مما يساهم في الوفر المالي (2) .
2 ـ إن عقود المناقصات تشكل وسائل رقابة على النفقات العامة التي تقوم بها الدولة؛ حتى لا تسيء استخدام الأموال العامة (3) ، مما يؤدي إلى حفظ المال العام من العبث والإهدار.
3 ـ عقود المناقصات تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة أو الخاصة بأقل التكاليف، مع دفع التهمة عمن يباشرها، خاصة إذا تعلق الأمر بالأموال العامة، أو أموال اليتامى؛ ولذلك قد تتعيّن المناقصات في الشراء، أو إنجاز العمل لمؤسسات الدولة العامة كثكنات الجيش، ومصانع السلاح، والمدارس، والأوقاف، أو المتعلقة بأموال اليتامى (4) .
4 ـ تشكل المناقصات حاجة للدولة ومؤسساتها، وللشركات الخاصة الصناعية، وللأفراد أيضًا؛ إذ تسعى إلى ضمان تنفيذ مشاريعها على الوجه المطلوب، وفي الوقت المحدد بما لا يفوت حصول المصلحة وفق أفضل الشروط وأدنى الأسعار.
المطلب الرابع
خصائص عقد المناقصة
من خلال النظر لعقد المناقصة وما يتضمنه من عقود وشروط تبين أنه يمتاز بمجموعة من الخصائص هي أنه:
1 ـ عقد رضائي: يعتبر عقد المناقصة كغيره من عقود المعاملات قائمًا على عنصر الرضا، إذ يتوقف هذا العقد على رضا المناقِص والمناقَص له؛ لقوله تعالى:] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[ (1) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما البيع عن تراض" (2) .
2 ـ عقد معاوضة: إذ إن كلًا من المتعاقدين سواء كان المناقِص أو المناقَص له يقصد الحصول على منفعته مقابل عِوض يبذله للآخر.
3 ـ عقد إذعان: حيث إن أحد المتعاقدين وهو المناقَص له يستقل وينفرد بوضع شروطه مسبقًا، وليس للمناقِص إلا أن يقبل العقد كاملًا، أو يرفضه كاملًا، دون أن يكون لديه الحق في تعديل هذه الشروط.
4 ـ عقد مركب: فإن عقد المناقصة يتضمن مجموعة من العقود، كعقد بيع دفتر الشروط، وعقد الضمان، بالإضافة إلى العقد المتعلق بموضوع المناقصة.
5 ـ عقد مُلْزِم: بحيث إنه إذا تم إبرام العقد بين المناقِص والمناقَص له فلا بد من التزام كل منهما بالوفاء بما التزم به، إلا إذا اتفقا على فسخه، أو تضمن العقد شرطًا بذلك.
6 ـ عقد محدد: بمعنى أن المناقَص فيه سواء كان سلعة كما في التوريد، أو عملًا ومنفعة كما في المقاولة يُحدد تحديدًا دقيقًا يُوصِل إلى العلم به، فهو إذن ليس عقدًا احتماليًا كالجعالة.
7 ـ عقد مستمر (متراخي) : إذ إن عقد المناقصة في الغالب ليس عقدًا فوريًا، بل هو عقد تحصل فيه المنفعة على فترات كالمقاولة، ويستمر فيه البيع لفترة كالتوريد على مدى فترة زمنية معينة.
8 ـ عقد إجرائي: أي أنه يتم وفق منظومة من الإجراءات، كالإعلان عن المناقصة في الصحف، ثم تقديم العطاءات، وغير ذلك كما سبق بيانه، إلى أن يتم إبرام العقد مع المناقِص الفائز.
9 ـ عقد مستحدث: فهذا النوع من العقود لم يكن معروفًا عند الفقهاء المتقدمين، وهو جائز جريًا على أصل الإباحة.
المبحث الثاني
أركان عقد المناقصة
عقد المناقصة كغيره من العقود يتكون من أركان أساسية، وحتى يكون عقد المناقصة معتبرًا شرعًا ينبغي أن يأتي مستوفيًا لهذه الأركان، التي يقوم عليها وهي: العاقدان، والصيغة، والمعقود عليه، وبيانها جاء وفق المطالب التالية:
المطلب الأول
العاقدان
يشكل العاقدان ـ طرفا العقد ـ الركنين الأول والثاني في المناقصة وهما:
أولًا: المناقِص:
وهو مَنْ يشترك في المناقصة، ويقدم عطاءه للفوز بالتعاقد مع الجهة المعلنة عن المناقصة،
وقد يكون هذا المناقص شخصية اعتبارية، أو طبيعية، وقد يكون أجنبيًا، أو محليًا، وقد يكون موردًا تعهد بإيراد السلع التي هي محل المناقصة، أو مقاولًا تعهد بتنفيذ أعمال ومشاريع وخدمات في مقابل عِوض يبذله له الطرف الآخر.
ثانيًا: المناقَص له:
وهو الطرف الآخر في عقد المناقصة، وتمثله الجهة المعلنة عن المناقصة، والتي تطرحها
لتحقيق مصلحتها بالحصول على سلع تلزمها، أو بتنفيذ أعمال ومشاريع وخدمات تحتاج إليها بأقل عِوض تبذله مقابل ذلك، وقد تكون هذه الجهة إدارة عامة كالحكومة ومؤسساتها، أو إدارة خاصة كالشركات والمؤسسات غير الحكومية، أو أفرادًا.
والمناقَص له يُعتبر مُوَرَدًا له إذا ما آلت المناقصة إلى عقد توريد، ويُعتبر مُؤجِرًا أو رب العمل إذا ما آلت إلى عقد مقاولة.
المطلب الثاني
الصيغة (الإيجاب والقبول)
من المعلوم أن الرضا يشكل أصلًا من الأصول التي تقوم عليها العقود؛ لقوله تعالى:] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[ (1) ، والرضا أمر خفي لابد من وجود ما يدل عليه، وهو هنا الصيغة المتمثلة في الإيجاب والقبول.
أولًا: الإيجاب:
الإيجاب في المناقصة هو تقديم المناقِص لعطائه، واشتراكه فيها، ويُعتبر هذا الإيجاب مُلزمًا للمناقِص، وليس له الرجوع عنه حتى رسو المناقصة، فالإيجاب إذن لا يصدر من المناقَص له، ولا يُعتبر الإعلان عن المناقصة إيجابًا وإنما هو دعوة للتعاقد.
ويُشار هنا إلى أن المناقصة إذا كانت علنية فكل عرض لاحق ينسخ العرض السابق (2) .
ثانيًا: القبول:
والقبول في المناقصة هو الذي يصدر من المناقَص له عندما يبرم العقد مع المناقِص الفائز صاحب العِوض الأقل، وهذا بعد رسو المناقصة عليه (3) .
المطلب الثالث
المعقود عليه
إن المعقود عليه في المناقصة يُقصد به البدلان في العقد، فهو أمر مزدوج؛ لأن عقد المناقصة عقد معاوضة، وهو يتضمن التزامات متقابلة هي:
أولًا: المناقَص فيه:
وهو عبارة عن السلع والأصناف، أو الأعمال والمنافع التي تعهد المناقِص بتأديتها والوفاء بها، والمناقَص فيه هو الذي يحدد مآل المناقصة، فإما أن تؤول إلى عقد توريد إذا كان المناقَص فيه أصناف أو سلع، وإما أن تؤول إلى عقد مقاولة إذا كان المناقَص فيه خدمات أو أشغال أو تنفيذ مشاريع، وقد يكون العمل الذي يؤديه المناقِص متصلًا بشيء معين، وقد يكون هذا الشيء غير موجود، والمراد من المقاول إيجاده بمواد يوردها المناقِص من عنده، أو يوردها المناقَص له، وقد يكون الشيء موجودًا فعلًا وهو مملوك للمناقَص له، ويقع عمل المناقِص على هذا الشيء الموجود، وقد لا يتصل العمل بشيء معين، بل هو عمل مجرد كالنقل أو الطبع والنشر وغير ذلك.
ثانيًا: العطاء (قيمة المناقصة) :
وهو عبارة عن الأجر الذي عرضه المناقِص عند اشتراكه في المناقصة، كقيمة أو عِوض مقابل الوفاء بأداء المناقَص فيه، وهذا العطاء أو الأجر تعهد المناقَص له ببذله للمناقِص، نظير الوفاء بتعهداته المتعلقة بالمناقَص فيه (1) .
المبحث الثالث
ضوابط عقد المناقصة
عقد المناقصة يقوم على أساس المنافسة المشروعة، وعلى تحقيق المصلحة بأقل التكاليف؛ ولكي يحقق عقد المناقصة ذلك، ويكون معتبرًا شرعًا ينبغي أن يستوفي أركانه بضوابطها، وأن تتوفر فيه مجموعة من الضوابط المتعلقة بإجراءاته، وبيان ذلك يأتي من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول
الضوابط المتعلقة بالعاقدين
العاقدان في المناقصة هما: المناقِص والمناقَص له، ويجب أن تتوفر فيهما مجموعة من الضوابط، بعضها ضوابط عامة، والبعض الآخر ضوابط خاصة.
أولًا: الضوابط العامة:
يشترط في كل من المناقِص والمناقَص له سواء قام بإجراء العقد أصالة عن نفسه، أو ولاية شرعية بالنيابة عن غيره أربعة ضوابط هي:
الضابط الأول:
أن يكون أهلًا للتعاقد، والأهلية (1) هذه تكتسب عند الحنفية والمالكية بالعقل أي بالتمييز (2) ، فغير المميز لصغر أو إغماء أو جنون لا تنعقد تصرفاته (3) ، والأهلية عند الشافعية والحنابلة تستفاد من التكليف، إذ يشترطون أن يكون العاقد بالغًا عاقلًا رشيدًا (4) ، فلا يصح تصرف طفل ولا مجنون، واستثنى الحنابلة تصرف الصبي المميز والسفيه، فإنه يصح في أصح الروايتين بإذن وليهما؛ لقوله تعالى:] وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم (1) [، أي اختبروهم، وهذا لا يتحقق إلا بتفويض البيع والشراء إليه، فيصح تصرفه بإذن وليه، بل إنهم يعتبرون تصرف الصغير ولو دون التمييز في اليسير تصرفًا صحيحًا (2) .
ويرى الباحث أن رأي الشافعية في اعتبار الأهلية إنما يتحقق بالبلوغ والعقل والرشد هو أولى الآراء بالاعتبار؛ لما فيه من حفظ الحقوق وصيانة الأموال، خاصة في ظل الظروف الحالية من خراب الذمم، وانتشار الخداع والاحتيال، وقد تستثنى تصرفات المميز فيما علم عدم الخداع فيه.
الضابط الثاني:
أن يكون عددًا، وهو أن يتولى الإيجاب طرف، وأن يتولى القبول طرف آخر؛ لأن غالبية العقود قائمة على المشاحة وتضارب الرغبات، فلا يصح العقد، ولا ينعقد بوكيل من الجانبين (3) .
ولا يقدح في هذا الشرط ما أجازه العلماء من أن العاقد الواحد قد ينشئ عقدًا من العقود كالجعالة والكفالة وغيرها؛ لأن في ذلك التزام لا يتوقف على إرادة الغير، بخلاف العقود الأخرى فتتوقف على إرادة طرفين.
واستثنى العلماء من اشتراط العدد عقد الأب والوصي والقاضي، فإنه يجوز له أن يتولى الطرفين، فيجوز للرجل أن يشتري لنفسه من مال ولده الطفل، وكذلك أن يشتري له من نفسه (4) .
الضابط الثالث:
أن يكون العاقد راضيًا مختارًا، فلا ينعقد بيع المكره وشراؤه، وسائر تصرفاته؛ لأن الرضا مبدأ من المبادئ التي تقوم عليها العقود؛ لقوله تعالى:] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[ (5) .
والإكراه إذا كان بحق كأن يكره السلطان أو القاضي المدين ببيع ماله للوفاء بدينه، لا يؤثر في صحة العقد، أما الإكراه الذي يفسد العقد فهو الإكراه بغير حق (6) .
فالإكراه يفسد الرضا، ولا تصح معه العقود (1) .
الضابط الرابع:
يجب أن يكون لكل من المناقِص والمناقَص له المقدرة المالية الكافية؛ للوفاء بالتزاماتهم التي تضمنها عقد المناقصة، إذ إن عدم توفر هذه المقدرة يترتب عليه مفاسد عديدة، من عدم حصول المصلحة المبتغاة في وقتها، وفتح باب النزاعات والخلافات.
الضوابط الخاصة:
أولًا: الضوابط الخاصة المتعلقة بالمناقِص:
1 ـ أن يكون للمناقِص سواء كان موردًا أو مقاولًا القدرة الفنية للوفاء بتعهداته؛ ولذلك فلابد من أن يكون له تصنيفًا رسميًا، فلا يُسمح بالاشتراك إلا للمناقِصين المسجلين (2) ، ويتقدمون بوثائق تثبت ذلك، خاصة في المناقصات ذات المبالغ الكبيرة والتعهدات الضخمة.
2 ـ أن لا يكون المناقِص قد ثبت غشه، أو تلاعبه، أو تعامله بالرشوة، أو الشروع فيها؛ لأنه يُعّرض عطاءه للإلغاء، وتنفيذ العقد على حسابه، مع مصادرة ضمانه، وشطب اسمه من سجل الموردين أو المقاولين (3) .
ثانيًا: الضوابط الخاصة المتعلقة بالمناقَص له:
1 ـ يجب أن يحرص على رعاية حقوق المناقِصين سواء كانوا موردين أو مقاولين، وكذلك رعاية الظروف الطارئة، وأن يحرص على مبدأ المساواة في تعامله معهم.
2 ـ يجب ألا يختار للتعاقد غير المناقِص صاحب العطاء الأقل، إلا إذا كان هناك ما يعلل ذلك، كسوء سمعة المناقِص، أو عدم كفاءته.
3 ـ يجب ألا يكون المناقَص له متعسفًا في شروطه، خاصة إذا كان جهة حكومية؛ إذ يمكن حدوث التعسف تحت ذريعة رعاية المصلحة العامة، أو بسبب سوء استخدام امتيازات الدولة (4) .
4 ـ يجب على المناقَص له أن يكون مُلزَمًا باختيار المناقِص صاحب العطاء الأقل، للتعاقد معه، إلا في حالة اشتراط عدم الإلزام في دفتر الشروط والذي يشكل وثيقة المناقصة.
المطلب الثاني
الضوابط المتعلقة بالصيغة
يشترط في الصيغة توفر ثلاثة ضوابط هي:
الضابط الأول:
أن يكون القبول موافقًا للإيجاب، فلو خالفه لا ينعقد العقد (1) ، ومعنى ذلك أن القبول يجب أن يطابق كل ما أوجبه الموجب، وبما أوجبه، فيتم التطابق في المناقَص فيه وفي قيمة العطاء.
الضابط الثاني:
اتصال القبول بالإيجاب، ويتحقق ذلك بما يلي:
1 ـ اتحاد المجلس، فلو كان الإيجاب في مجلس والقبول في مجلس آخر لا ينعقد العقد.
2 ـ ألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يقتضي الإعراض، فلو تراخى القبول عن الإيجاب فالعقد صحيح مادام في المجلس، ولم يشتغل العاقدان بما يقطعه، أو يقتضي الإعراض (2) .
وذهب الشافعية إلى أن الفصل إذا طال بين الإيجاب والقبول أو تخللهما أجنبي لم ينعقد العقد، والفصل اليسير لا يضر (3) .
وأشار الدكتور محمد موسى إلى حالة لم يتعرض لها أحد من الفقهاء، وهي إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة يقبل فيها العرض أو يرفضه، فهل يلتزم الموجب بهذه المدة ويصح العقد؟
فيرى أن العقد يصح ويلتزم الموجب بهذه المدة؛ لأن التيسير في المعاملات يقتضي ذلك، خاصة وأن المسلمين على شروطهم التي لا تنافي مقتضى العقد (4) .
3 ـ ألا يرجع الموجب قبل صدور القبول، فإن رجع عن إيجابه قبل صدور القبول بطل الإيجاب (5) .
والمجلس في المناقصة يبدأ من حين فتح المظاريف، حيث يتم البت في العطاءات، وإرساء المناقصة على المناقِص صاحب العطاء الأقل، وينتهي المجلس بانتهاء المدة التي يحددها المناقَص له للمناقِص الفائز للتوقيع وإبرام العقد بعد إخطاره بذلك.
الضابط الثالث:
أن يدل الإيجاب والقبول دلالة واضحة على إرادة العاقدين، وعلى الرضا منهما، سواء كان قولًا أو فعلًا (1) ؛ لأن الرضا أمر خفي فلابد من وجود ما يدل عليه لغة أو عرفًا، ولا يشترط لهذه
الدلالة لفظ أو شكل معين، فالعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.
وأساليب الصيغة عديدة وهي كما يلي:
أولًا: التعاقد باللفظ:
ويعتبر هذا الأسلوب أكثر الأساليب دلالة على الرضا، فينعقد العقد بكل لفظ يفهم منه الإيجاب والقبول؛ لأن الأقوال الدالة على الرضا عرفًا هي المعتبرة وإن كانت في أصل اللغة غير ذلك، ومن ثم فلا تشترط ألفاظ معينة.
واتفق الفقهاء على انعقاد العقد بلفظي الماضي والمضارع، إلا أن الماضي دلالته على التحقيق والثبوت فلا يحتاج إلى نية، بخلاف المضارع الذي يحتاج إلى نية أو قرينة حالية، أما لفظ الأمر فينعقد به العقد عند غير الحنفية، ولا ينعقد به عند الحنفية إلا في النكاح، وصيغة الاستقبال وهي المضارع المقرون بالسين أو السوف فلا ينعقد بها العقد، وإنها وعد وليست عقدًا (2) .
ثانيًا: التعاقد بالإشارة:
اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس المفهومة تقوم مقام عبارته، وتنعقد بها العقود (3) ؛ لأن ذلك يدل على إرادته كما يدل النطق عليها.
أما إشارة القادر على النطق فلا تنعقد بها العقود عند الحنفية والشافعية (4) ؛ لأن دلالة الإشارة لا تفيد اليقين كالعبارة، فكان لابد من العبارة، وعند المالكية والحنابلة (5) تنعقد العقود بإشارة القادر على النطق؛ لأن الإشارة المفهومة أولى في الدلالة من الفعل ـ المعاطاة ـ التي ينعقد به العقد كما سيأتي بيانه.
ثالثًا: التعاقد بالكتابة والرسالة:
ذهب الحنفية والمالكية (1) إلى صحة التعاقد بالكتابة، سواء كان العاقدان ناطقين أو عاجزين عن النطق، حاضرين أو غائبين.
وذهب الشافعية والحنابلة (2) إلى اشتراط غياب العاقدين الناطقين حتى يصح التعاقد بالكتابة؛ لأن في حالة الحضور لا ضرورة إلى الكتابة.
رابعًا: التعاقد بالفعل ـ المعاطاة ـ:
والمراد بالمعاطاة هو إجراء العقد من غير لفظ، وإنما بالإعطاء من الجانبين، والتسليم والاستلام هو دليل الرضا، والتعاقد بالمعاطاة في العقود المالية محل خلاف بين الفقهاء كما يلي:
1 ـ أنه يصح التعاقد بالمعاطاة وبكل فعل يدل على الرضا وبه قال الجمهور (3) ؛ لأن العقود تنعقد عند كل قوم بما تعارفوا عليه، فوجب رد التعاقد إلى العرف، ولأنه لو لم تنعقد العقود بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس، ولأنه من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم يتعاقد الناس بلا لفظ، وليس له حد مستمر لا في الشرع أو في اللغة.
2 ـ أنه لا تنعقد العقود بالمعاطاة مطلقًا، وبه قال الشافعية والظاهرية (4) ؛ لأن الرضا أمر خفي لا يمكن أن يدل عليه إلا اللفظ، أو ما يقوم مقامه عند الضرورة كالإشارة أو الكتابة، وهناك من الشافعية من قال بجواز التعاقد بالمعاطاة في المحقرات، واختارت جماعة من الشافعية جواز البيع بالمعاطاة فيما يعد بيعًا؛ لأنه لم يثبت في الشرع ما يشترط اللفظ له فيرجع إلى العرف.
والصيغة في المناقصة تأخذ صورة أساليب عدة مما سبق ذكره، ما عدا المعاطاة؛ لأن المناقَص فيه لابد من بيان مواصفاته وجنسه ونوعه، وغير ذلك بحيث يُوصل إلى معرفته، وبالمعاطاة لا يتحقق ذلك، ومن ثم فإن المناقصة لا تصح بالمعاطاة.
والصيغة في المناقصة العلنية لا يمكن أن تكون إلا بالألفاظ التي يتم فيها التصريح بالإيجاب والقبول، أو بما يقوم مقام الألفاظ كالإشارة المفهومة من الأخرس.
أما في المناقصة السرية فالإيجاب لا يكون إلا كتابة، حيث يتقدم المناقِص بعطائه وقد كتب في وثائق المناقصة العِوض الذي يقبل به نظير أداء المناقَص فيه، والقبول يتم بعد رسو المناقصة
وإعلام المناقِص صاحب العرض المقبول بقبول عطائه؛ لكي يتم إبرام العقد بالتوقيع على وثائق المناقصة، والتوقيع إجراء لتوثيق العقد، وقد قال تعالى:] ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ... [ (1) .
المطلب الثالث
الضوابط المتعلقة بالمعقود عليه
يشترط في المعقود عليه سواء المناقَص فيه أو العطاء ـ العِوض ـ مجموعة من الضوابط العامة، والضوابط الخاصة، وهذه الضوابط هي:
أولًا: الضوابط العامة:
وهي خمسة ضوابط يمكن إجمالها على النحو التالي:
الضابط الأول:
أن يكون المعقود عليه مالًا متقومًا في نظر الشرع، وذلك يتطلب أن يكون طاهرًا، وأن
يباح الانتفاع به، ودليل ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه حيث سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" (1) .
وقد ذكر ابن حجر العسقلاني وغيره أن علة تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير عند جمهور العلماء هي كونها نجسة، أما الأصنام فيحرم بيعها لأنه ليس فيها منفعة مباحة (2) ، وعليه فلا يصح بيع نجس العين، أو المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، كما لا يصح بيع ما لا نفع فيه كالحشرات، ولم يشترط الحنفية الطهارة، فأجازوا بيع النجاسات المنتفع بها إلا ما نهي عنه (3) ، ولكي يعتبر المعقود عليه مالًا شرعًا ينبغي ألا يكون منهيًا عنه كبيع السلاح في زمن الفتنة، أو لأهل الحرب، أو إجارة أمة للغناء (4) .
وبناءً على ذلك فكل تعاقد لا يعتبر المعقود عليه مالًا شرعًا، فإن هذا التعاقد يعتبر باطلًا.
الضابط الثاني:
أن يكون المعقود عليه موجودًا، فيبطل العقد إذا كان المعقود عليه معدومًا، كأن يستحيل
وجوده في المستقبل، والذين اشترطوا هذا الشرط هم الحنفية والشافعية (1) ، وأدلتهم على ذلك هي:
1 ـ ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم"نهى عن بيع حبل الحبلة (2) " (3) .
2 ـ عن سعيد بن المسيب قال:"... . وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح (4) وحبل الحبلة" (5) .
وجه الدلالة: يستدل من الحديثين السابقين أن النهي جاء لكون المعقود عليه معدومًا، ومجهولًا، وغير مقدور على تسليمه، وعليه فلا يصح التعاقد على معدوم (6) .
3 ـ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك" (7) .
وجه الدلالة: الحديث دليل على تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان، ولا داخلًا تحت مقدرته، وفي معنى ما ليس عنده العبد الآبق، وبيع المبيع قبل قبضه (8) ، وهذا هو المعدوم أو أنه غير موجود حال العقد.
وهناك بعض العقود لا يشترط فيها أن يكون المعقود عليه موجودًا، إذ استثنيت هذه العقود ويصح التصرف فيها مع عدم وجود المعقود عليه؛ مراعاة لحاجة الناس، أو ما استثناه الشرع، ومن هذه العقود: الإجارة أو التعاقد على منفعة؛ وذلك لأن المنفعة لا تحدث جملة واحدة، وإنما تحدث شيئًا فشيئًا، ومنها أيضًا السلم (9) ، حيث أجازه الشارع بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:"من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (1) .
ومنها كذلك الاستصناع (2) ، حيث قال صاحب البدائع:"ويجوز استحسانًا لإجماع الناس على ذلك؛ لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير" (3) .
كما أن المالكية اشترطوا أن يكون المعقود عليه موجودًا في عقود المعاوضات لما فيه من غرر (4) .
أما الحنابلة فلم يشترطوا ذلك؛ لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر وهو ما لا يقدر على تسليمه، موجودًا كان أو معدومًا، بل إن الشرع أجاز بيع المعدوم في بعض العقود، والأحاديث التي نهى فيها عن بيع حبل الحبلة، والمضامين والملاقيح، وما ليس عند الإنسان، ليس السبب فيها كون المعقود عليه معدومًا، وإنما بسبب الغرر الحاصل من عدم القدرة على التسليم (5) .
الضابط الثالث:
أن يكون مقدورًا على تسليمه، فيبطل العقد إذا كان العاقد غير قادر على تسليم المعقود عليه وإن كان موجودًا ومملوكًا للعاقد كالطير في الهواء، أو السمك في الماء، أو الجمل الشارد، وهذا الضابط محل اتفاق فقهاء الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة في عقود المعاوضات (6) .
وذهب الظاهرية إلى عدم اشتراط القدرة على التسليم، فقد جاء في المحلى:"وبيع العبد الآبق عرف مكانه أو لم يعرف جائز، وكذلك بيع الشارد عرف مكانه أو لم يعرف، وكذلك الشارد من سائر الحيوان ومن الطير المتفلت وغيره إذا صح الملك عليه قبل ذلك" (7) .
الضابط الرابع:
أن يكون المعقود عليه معلومًا للعاقدين علمًا نافيًا للجهالة المفضية للنزاع؛ ومن ثم فلا يصح
التصرف بالمجهول، ويتحقق العلم بالمعقود عليه بتعيينه بالإشارة، وبرؤيته أو رؤية بعضه إذا كانت أجزاؤه متماثلة عند العقد، أو قبل العقد إذا كان مثله لا يتغير، ويتحقق العلم به أيضًا وصفًا ببيان جنسه ونوعه ومقداره، وقد اتفق الفقهاء على اشتراط ذلك في عقود المعاوضات (1) .
وفي عقد المناقصة يحصل العلم بوصف المناقَص فيه وصفًا منضبطًا، يوصل إلى معرفته، حيث يُذكر جنسه ونوعه ومقداره وحجمه وتاريخ إنتاجه وعناصره وجودته ورداءته، ويتم هذا بضرورة وجود الوثائق المتعلقة بذلك، كالتصميم الذي يجري عليه العمل في المقاولات، وكذلك ما يُعرف بالمقايسة وهي التي تُفَصّل فيها الأعمال التي يجب القيام بها، والمواد الواجب استخدامها، والأجر الواجب دفعه على كل عمل، وأسعار المواد التي تستخدم، بالإضافة إلى ما يتضمنه دفتر الشروط من طريقة التنفيذ ومواعيده والشروط الأخرى (2) .
الضابط الخامس:
أن يكون المعقود عليه مملوكًا لمن له العقد أو مأذونًا فيه لوكيل أو ولي، وقد اتفق الفقهاء على اشتراط ذلك (3) ؛ لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك" (4) ، وهذا دليل على تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان ولا داخل تحت مقدرته، ولا يأتي في المناقصة موضوع الفضولي (5) ؛ لأن الضوابط المشترط توفرها في العاقدين من تقديم وثائق تتعلق بمقدرتهم المالية والفنية وغيرها لا تسمح بذلك، كما أن الإيجاب ينبغي أن يكون مُلزِمًا، لا أن يكون متوقفًا على إذن صاحب الشأن.
الضوابط الخاصة:
أولًا: الضوابط الخاصة المتعلقة بالمناقَص فيه:
1 ـ أن يكون العمل ممكنًا؛ لأنه لا التزام بمستحيل، والمقصود بالاستحالة أي الاستحالة المطلقة
بأن يكون العمل مستحيلًا في ذاته، وليس مستحيلًا بالنسبة للمناقِص (1) .
2 ـ أن يكون المناقَص فيه مطابقًا للشروط والمواصفات المطلوبة، فإن لم يكن كذلك فإن المناقَص له من حقه أن ينذر المناقِص بالتعديل وفق الشروط، فإن لم يصنع فله أن يفسخ العقد، أو أن يعهد به إلى متعهد آخر على نفقة المناقِص، وإن كان التعديل مستحيلًا فلابد من التعويض، ويحق له الفسخ (2) .
الضوابط الخاصة المتعلقة بالعطاء ـ قيمة المناقصة ـ:
1 ـ لابد من تعيين قيمة المناقصة في العقد، ببيان مقدارها وجنسها وطرق دفعها وأقساطها المؤقتة والنهائية (3) .
2 ـ يجب على المناقِص أن يأخذ بالحسبان تغير الأسعار، بأن يكون عارفًا بالأسعار وتوقعاتها، وأي تغيرات متوقعة، ويراعي ذلك كله في حساب العطاء الذي يتقدم به، وإذا كان التغيير في الأسعار ناشئًا بسبب الدولة نفسها فلابد من تسوية الفرق زيادة أو نقصانًا، خاصة في العقود التي تكون مؤسسات الحكومة طرفًا فيها، أما في غير ذلك فلا يُنظر إلى سعر المناقصة إلا باعتباره ثابتًا ولا علاقة للمناقَص له بتغير الأسعار (4) .
3 ـ يجب أن يُصرف للمناقِص دفعات أو أقساط من قيمة المناقصة تبعًا لتقدم العمل الذي تعهد بتنفيذه، أو تكون الدفعات مساوية لقيمة ما قام المناقِص بتوريده من سلع وأصناف بعد التأكد من مطابقتها للشروط والمواصفات المحددة؛ لأن عدم صرفها قد يؤدي إلى تعثر التنفيذ (5) .
المطلب الرابع
الضوابط المتعلقة بمبدأ المنافسة المشروعة
إن تحقيق مبدأ المساواة بين المناقصين يستوجب توفر مجموعة من القواعد الأساسية منها:
1 ـ الإعلان عن المناقصة بنشر بيان الرغبات والشروط الأساسية على نطاق واسع في صحف واسعة الانتشار، بحيث تكون دقيقة وواضحة قدر الإمكان؛ لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المناقِصين في المشاركة (1) .
2 ـ عدم ذكر مواصفات أو شروط لا تنطبق إلا على متعهد بعينه.
3 ـ منح مهلة أو فرصة زمنية كافية لتقديم العروض والعطاءات.
4 ـ عدم إجراء تعديلات في الشروط أو المواصفات لمصلحة أحد من المناقِصين (2) .
5 ـ عدم السماح لشخص واحد أو أكثر سواء كان طبيعي أو اعتباري من التسجيل بأكثر من اسم واحد، أو أن يتقدم بأكثر من عطاء واحد (3) .
6 ـ عدم التحيز في دراسة العطاءات والعروض، فينبغي أن تكون معايير قبول أو استبعاد العروض واحدة، وكذلك دراستها وفحصها والبت فيها، وأن يُعطى كل مناقِص نفس القدر من المعلومات التي قدمت لغيره، من غير مراعاة خاصة لأحد (4) .
7 ـ ينبغي اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان سرية العطاءات المقدمة، وعدم تسريبها، وإجراء عملية فتح العطاءات في وقتها ومكانها المحدد، مع عدم النظر في العروض المتأخرة عن الموعد، إلا إذا كانت هناك ظروف استثنائية تسمح به الإعلانات (5) .
8 ـ ألا يُؤخذ العطاء الأقل إلا إذا كانت سائر الشروط والمواصفات متساوية، حتى لا يُفسح المجال للتلاعب والاحتيال (6) .
9 ـ عدم العدول عن التعاقد مع المناقِص صاحب العطاء الأقل، إلا بإبداء سبب العدول.
10 ـ إذا تساوى عطاءان أو أكثر يُصار إلى التفاوض لاختيار عطاء واحد، فإن بقي التساوي قائمًا بعد ذلك وتجزئة العقد ممكنة وغير ضارة بالمصلحة قُسم بينهما، وإلا فالقرعة هي الوسيلة لاختيار أحدهما (1) .
المطلب الخامس
الضوابط المتعلقة بضمان التنفيذ
لضمان تنفيذ المناقِص لتعهداته، وحسمًا لأبواب النزاع التي قد تؤدي إلى تأخير تنفيذ هذه التعهدات يجب أن تتوفر الضوابط التالية:
1 ـ لابد من وجود رقابة فعالة؛ لمنع أي تجاوز أو محاباة أو رشوة أو تسريب للمعلومات عند فتح المظاريف، والبت في العطاءات (1) .
2 ـ ينبغي أن يكون هناك لجان لفتح المظاريف، وللبت في العطاءات، ويُكتفى غالبًا بلجنة واحدة لفتح المظاريف وفحص العطاءات إذا كانت مبالغ المناقصة قليلة، ولجنتان إحداهما لفتح المظاريف، وأخرى لفحص العطاءات إذا كانت المبالغ كبيرة (2) .
3 ـ يجب أن تكون هناك لجان فنية لمراقبة تنفيذ التزامات المناقصة وفق الشروط المطلوبة، والمصادقة على كل مرحلة من مراحل التنفيذ، خاصة في مناقصات المقاولات؛ وذلك لدفع الأضرار الناتجة عن الإخلال بالمواصفات والشروط المطلوبة، وما يتبعها من منازعات.
وتكون اللجان وجهات المراقبة مكونة من أشخاص من ذوي الخبرة، والاختصاص والسمعة الحسنة؛ لتلافي كل ما يمكن أن يؤدي إلى الضرر بسبب التحايل أو التلاعب أو الرشوة أو تنفيذ الأعمال على خلاف الشروط المطلوبة (3) .
4 ـ يجب أن يكون تنفيذ التعهدات في المناقصة موافقًا وغير مخالف للنظام العام المعمول به في البلد، كالنظام والنظافة والصحة والتأمينات الاجتماعية وغير ذلك؛ حتى لا يكون هناك تبعات جراء ذلك تُلحق أضرارًا عديدة بسير تنفيذ الالتزمات (4) .
(1) انظر: (ص17ـ23) من هذا البحث حيث رجح الباحث هذا القول عند مناقشة تلك المسألة.
(2) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص216) .
(3) المرجع السابق (هامش ص213) .
(1) الضرير وغيره: مصطلحات الفقه المالي المعاصر (ص256) ؛ المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص211) .
(2) منظمة المؤتمر الإسلامي: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع (2/ 334) .
(3) المرجع السابق (2/ 320) .
(4) المرجع السابق (2/ 312) .
(5) السلامي: بيع المزايدة (ص17) .
(6) حكم بيع المزايدة: اختلف الفقهاء في حكم المزايدة على قولين هما:
القول الأول: بيع المزايدة جائز، وبه قال جمهور العلماء. (السغدي: فتاوي(1/ 441) ؛ ابن بكر: البحر الرائق (6/ 108) ؛ ابن الهمام: شرح فتح القدير (6/ 479) ؛ الكاساني: بدائع الصنائع (5/ 232) ؛ النفراوي: الفواكه الدواني (2/ 72) ؛ الحطاب: مواهب الجليل (4/ 237) ؛ العبدري: التاج والإكليل (4/ 379 وما بعدها) ؛ الزرقاني: شرح على الموطأ (3/ 431) ؛ الشيرازي: المهذب (1/ 291) ؛ النووي: روضة الطالبين (3/ 413) ؛ الشربيني: مغني المحتاج (2/ 37) ؛ ابن قدامة: المغني (4/ 149) ؛ البهوتي: كشاف القناع (3/ 183) ؛ ابن مفلح: النكت والفوائد (1/ 283) ؛ ابن حزم: المحلى (8/ 447) ؛ الشوكاني: السيل الجرار (3/ 85) .
القول الثاني: يكره بيع المزايدة مطلقًا، وبه قال إبراهيم النخعي، وقال الأوزاعي بكراهته فيما عدا المواريث والغنائم. (الطحاوي: مختصر اختلاف العلماء(3/ 60،61) ؛ المباركفوري: تحفة الأحوذي (4/ 344) ؛ العسقلاني: فتح الباري (4/ 354) ؛ الشوكاني: نيل الأوطار (5/ 271) ؛ الصنعاني: سبل السلام (3/ 23) .
أدلة أصحاب القول الأول:
استدل الجمهور لصحة قولهم بالسنة والآثار.=
=أولًا: من السنة:
1 ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حلسا وقدحا وقال: من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه". (الترمذي: سنن، كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع من يزيد، ح 1218،(3/ 522) ، وقال عنه: هذا حديث حسن؛ ابن ماجه: سنن، كتاب الإجارات، باب بيع المزايدة، ح 2198، (2/ 740) ؛ أبو داود: سنن، كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه المسألة، ح1641، (2/ 120) ؛ النسائي: سنن، كتاب البيوع، باب البيع فيمن يزيد، ح4508، (7/ 259) .
الحلس: هو كساء يوضع على ظهر البعير. (المباركفوري: تحفة الأحوذي(4/ 343) .
2 ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه:"أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه". (البخاري: صحيح، كتاب البيوع، باب بيع المزايدة، ح 2034،(2/ 753) . دبر: أي العبد المدبر وهو الذي تعلق عتقه بموت مالكه. (العسقلاني: فتح الباري(4/ 421) .
وجه الدلالة: إن قوله:"من يزيد على درهم؟"واضح الدلالة على جواز الزيادة على الثمن إذا لم يرض البائع بما عين الطالب. (المباركفوري: تحفة الأحوذي(4/ 343) . وعلى ذلك يدل أيضًا قوله:"من يشتريه مني؟"أي أنه عرضه للزيادة. (العسقلاني: فتح الباري(4/ 354) .
ثانيًا: من الآثار:
1 ـ ما روي عن عطاء بن رباح قوله:"أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد". (البخاري: صحيح، كتاب البيوع، باب بيع المزايدة،(2/ 753) .
2 ـ ما روي عن مجاهد قوله:"لا بأس ببيع من يزيد كذلك كانت تباع الأخماس. (ابن أبي شيبة: مصنف، كتاب السير، ما قالوا في بيع المغنم بمن يزيد، ح 32962،(6/ 465) ؛ عبد الرزاق: مصنف، كتاب البيوع، باب بيع من يزيد، ح 15030،15031، (8/ 236،237) . الأخماس: جمع الخمس أي خمس الغنيمة فالأخماس هي الغنائم. (العسقلاني: فتح الباري(6/ 216) ."
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا لصحة قولهم بأدلة من السنة هي:
1 ـ عن سفيان بن وهب رضي الله عنه أنه قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزايدة". (العسقلاني: فتح الباري، قوله باب بيع المزايدة،(4/ 354) ، وفي إسناده بن لهيعة وهو ضعيف؛ (الصنعاني: سبل السلام(3/ 23) .
2 ـ سُأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن بيع المزايدة، فقال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر إلا الغنائم والمواريث". (ابن الجارود: المنتقى، باب في التجارات، ح570،(ص147) ؛ الدارقطني: سنن، كتاب البيوع، ح31، (3/ 11) .
وجه الدلالة: الحديثان يدلان على كراهة بيع المزايدة، والثاني فيه استثناء للغنائم والمواريث.
القول الراجح: يرجح الباحث قول الجمهور الذي يفيد جواز بيع المزايدة؛ وذلك لقوة أدلتهم، وضعف أدلة المخالفين.
وتجدر الإشارة إلى أن كل من زاد في ثمن السلعة لزمته إن أراد البائع أن يمضيها، بل إن البائع مخير في أن يمضيها لمن يريد، حتى وإن أعطى غيره زيادة عليه، كما إن الإيجاب يبقى ملزمًا للمشتري، حتى بعد الافتراق وانقضاء المجلس، ومدة بقاء اللزوم يحددها العرف وعوائد الناس. (الحطاب: مواهب الجليل(4/ 237،238) .
(1) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص217) .
(2) منظمة المؤتمر الإسلامي: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع (2/ 313) .
(3) سورة البقرة من الآية (275) .
(4) سورة المائدة من الآية (1) .
(5) سورة النساء من الآية (29) .
(6) الجواهري: المناقصات عقد الاحتياط (ص266) .
(1) منظمة المؤتمر الإسلامي: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع (2/ 319) .
(2) المرجع السابق (2/ 326) .
(3) المرجع السابق (2/ 336) .
(4) السنهوري: مصادر الحق (2/ 62) .
(5) المرجع السابق (2/ 62) .
(6) منظمة المؤتمر الإسلامي: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع (2/ 338) .
(1) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص216،217) .
(2) السنهوري: مصادر الحق (2/ 62) .
(3) المرجع السابق (2/ 62) .
(4) المرجع السابق (2/ 62) .
(5) التقابل الواقع بين المزايدة والمناقصة هو أن المناقصة عكس المزايدة من حيث إن الأفضل للتعاقد فيها هو صاحب العطاء الأقل سعرًا، أما المزايدة فالأفضل للتعاقد فيها هو صاحب العطاء الأعلى سعرًا.
(1) أبو سليمان: عقد المزايدة (ص118) .
(2) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص224) .
(3) أبو سليمان: عقد المزايدة (ص118) .
(1) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص225) .
(2) أبو سليمان: عقد المزايدة (ص118) .
(3) السلامي: بيع المزايدة (ص37) .
(1) المصري: مناقصات العقود الإدارية (ص224ـ226) .
(2) أبو سليمان: عقد المزايدة (ص118 ومابعدها) .
(3) سورة النساء من الآية (29) .
(1) السلامي: بيع المزايدة (ص37) .
(1) جزء من حديث سبق تخريجه في (ص19) من هذا البحث.
(2) التارزي: الاستصناع والمقاولات في العصر الحاضر (ص623 وما بعدها) .
(3) سورة النساء من الآية (29) .
(4) سورة المائدة من الآية (1) .
(5) منظمة المؤتمر الإسلامي: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثامن، (2/ 170) .
(1) ابن منظور: لسان العرب (13/ 257) .
(2) الرازي: مختار الصحاح (1/ 161) .
(3) الفيومي: المصباح المنير (ص188) .
(4) فيض الله: نظرية الضمان (ص14) .
(5) سورة يوسف من الآية (72) .
(6) البيضاوي: تفسير البيضاوي (3/ 300) ؛ السيوطي: الدر المنثور (4/ 560) .
(7) سورة يوسف من الآية (78) .
(8) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (9/ 240) ؛ الثعالبي: الجواهر الحسان في تفسير القرآن (2/ 253) .
(1) البخاري: صحيح، كتاب الكفالة، باب الدين، ح 2176، (2/ 805) ، كتاب النفقات، باب قول النبيصلى الله عليه وسلم من ترك كلًا أو ضياعًا، ح 5056، (5/ 2054) ؛ مسلم: صحيح، كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، ح 1619، (3/ 1237) .
(2) عبد العظيم: خطاب الضمان في البنوك الإسلامية (ص46) .
(3) أبو داود: سنن، كتاب الإجارة، باب في تضمين العارية، ح 3565، (3/ 296) ؛ الترمذي: سنن، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، ح 2120، (4/ 433) ؛ أحمد: مسند، ح 22348، (5/ 267) .
(4) المباركفوري: تحفة الأحوذي (4/ 401) ؛ المناوي: فيض القدير (4/ 369) .
(5) البخاري: صحيح، كتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع، ح 2173، (2/ 803) .
(6) البخاري: صحيح، أول كتاب الكفالة، (2/ 801) ؛ البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الضمان، باب ما جاء في الكفالة ببدن من عليه حق، ح11197، (6/ 77) .
(1) ابن حزم: المحلى (8/ 120) .
(2) ابن المنذر: الإجماع (ص99) .