كي تبقى حرفًا أصليًا غير زائد؟ وتظل على أصيل معناها في الإلصاق، وتعمل عملها المباشر في الخبر ملصقة به غير معقول بزيادتها، ومنها معًا يستفاد خبر المنفي بما وليس؟
غير أني لا أشك في أننا لو رجعنا النظر في سائر المواضع الأخرى التي قال النحاة فيها إن الباء تأتي فيها زائدة، لهدى الاستقراء إلى ملاحظ بيانية ذات بال.
ولعنا كذلك نعيد النظر في حروف أخر قالوا بزيادتها، لنلتمس سرها في البيان القرآني، كحرف"من"في آية الحجرات:
{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 4، 5.
تَصَرَّفَ به الظرفُ"وراء"من جموده مبينًا بمعنى خلف، إذ ليس الحكم في الآية مقيدًا بالنداء خلفَ الحجرات، بل من أي جهة من وراء حجراته - صلى الله عليه وسلم - نادوه منها.
ومن النظائر قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} . الحشر 14.
{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون 100.
وسيأتي في الحديث عن"الظواهر الأسلوبية وسر التعبير"مثل آخر من قولهم بزيادة"لا"النافية قبل فعل القسم، في مثل قوله تعالى:
{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}