هو الحافظ جدا ولن يفهم ذلك إلا بعد فهم معنى الحفظ وهو على وجهين
أحدهما إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها ويضاده الإعدام والله تعالى هو الحافظ للسموات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمد بقائها والتي لا يطول أمد بقائها مثل الحيوانات والنبات وغيرهما
والوجه الثاني وهو أظهر المعنيين أن الحفظ صيانة المتعاديات والمتضادات بعضها عن بعض وأعني بهذا التعادي ما بين الماء والنار فإنهما يتعاديان بطباعهما فإما أن يطفئ الماء النار وإما أن تحيل النار الماء إن غلبت الماء بخارا ثم هواء والتضاد والتعادي ظاهر بين الحرارة والبرودة إذ تقهر إحداهما الأخرى وكذلك بين الرطوبة واليبوسة وسائر الأجسام الأرضية مركبة من هذه الأصول المتعادية إذ لا بد للحيوان من حرارة غريزية لو بطلت لبطلت حياته ولا بد له من رطوبة تكون غذاء لبدنه كالدم وما يجري مجراه ولا بد من يبوسة بها تتماسك أعضاؤه خصوصا ما صلب منها كالعظام ولا بد من برودة تكسر سورة الحرارة حتى تعتدل ولا تحرق ولا تحلل الرطوبات الباطنة بسرعة وهذه متعاديات متنازعات
وقد جمع الله عزَّ وجلَّ بين هذه المتضادات المتنازعة في إهاب الإنسان وبدن الحيوانات والنبات وسائر المركبات ولولا حفظه تعالى إياها لتنافرت وتباعدت وبطل امتزاجها واضمحل تركيبها وبطل المعنى الذي صارت مستعدة لقبوله بالتركيب والمزاج وحفظ الله تعالى إياها بتعديل قواها مرة وبإمداد المغلوب منها ثانيا
أما التعديل فهو أن يكون مبلغ قوة البارد مثل مبلغ قوة الحار فإذا اجتمعا لم يغلب أحدهما الآخر بل يتدافعان إذ ليس أحدهما بأن يغلب أولى من أن يغلب فيتقاومان ويبقى قوام المركب بتقاومهما وتعادلهما وهو الذي يعبر عنه باعتدال المزاج