والثاني إمداد المغلوب منهما بما يعيد قوته حتى يقاوم الغالب ومثاله أن الحرارة تفني الرطوبة وتجففها لا محالة فإذا غلبت ضعفت البرودة والرطوبة وغلبت الحرارة واليبوسة ويكون إمداد الضعيف بالجسم البارد الرطب وهو الماء ومعنى العطش هو الحاجة إلى البارد الرطب فخلق الله تعالى البارد الرطب مددا للبرودة والرطوبة إذا غلبتا وخلق الأطعمة والأدوية وسائر الجواهر المتضادة حتى إذا غلب شيء عورض بضده فانقهر وهذا هو الإمداد وإنما تم ذلك بخلق الأطعمة والأدوية وخلق الآلات المصلحة لها وخلق المعرفة الهادية إلى استعمالها وكل ذلك لحفظ الله عزَّ وجلَّ أبدان الحيوانات والمركبات من المتضادات
وهذه هي الأسباب التي تحفظ الإنسان من الهلاك الداخل وهو متعرض
للهلاك من أسباب خارجة كسباع ضارية وأعداء متنازعة فحفظه من ذلك بما خلق له من الجواسيس المنذرة بقرب العدو وهي طلائعه كالعين والأذن وغيرهما ثم خلق له اليد الباطشة والأسلحة الدافعة كالدرع والترس والقاضية كالسيف والسكين ثم ربما يعجز مع ذلك عن الدفع فأمده بآلة الهرب وهي الرجل للحيوان الماشي والجناح للطائر وكذلك شمل حفظه جلت قدرته كل ذرة في ملكوت السموات والأرض حتى الحشيش الذي ينبت في الأرض يحفظ لبابه بالقشر الصلب وطراوته بالرطوبة وما لا يحفظ بمجرد القشر يحفظه بالشوك النابت منه ليندفع به بعض الحيوانات المتلفة له فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والأنياب للحيوانات