الصفحة 5 من 48

ثمّ هذا الزعم الّذي زعموه هو ما كان عليه الياسق الّذي وضعه جنكز خان على قومه، ومع ذلك اتفق علماؤنا على كفر من شرع هذا الياسق وما كان مثل هذا الياسق، قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كلّ خير، النّاهي عن كلّ شرّ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهلات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من الأحكام قد اقتبسها من شرائع شتّى: من اليهودية والنصرانية، والملّة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدّمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير. اهـ

الناحية الثانية: مصادر هذه القوانين (والدّارسين للقانون يعلمون هذه الحقيقة) تكشف على أمر وهو أنّ الشريعة الإسلامية ليست مصدرا أساسيا لهذه القوانين بل هو مصدر فرعي يلجؤون إليه عند الضرورة، فعندهم أوّلا قانونهم ثمّ الأعراف ثمّ بعد ذلك يلجؤون عند الضرورة إلى بعض نصوص الشريعة.

تأمّل إلى قوله الله تعالى:"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"

بيّن سبحانه أنّ شرعه أنزله الله مهيمنا على جميع الشرائع الّتي أنزلها من قبل، أمّا هؤلاء الحكام جعلوا قوانينهم مهيمنة على شريعة ربّنا.

و تأمل كذلك قوله تعالى:"أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ"، فإمّا حكم الله المهمين على كلّ حكم، وإمّا أحكام جاهلية طاغوتية.

و تأمّل إلى قوله تعالى:"فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

قال الشوكاني في تفسيره على هذه الآية: وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه أولًا أقسم - سبحانه - بنفسه مؤكدًا لهذا القسم بحرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت