ولا يعني ان يكون ما قبل (حتى) الابتدائية هذه سببا فيما بعدها، انها بمعنى (كي) فهي لا تفيد التعليل بالغرض، وانما هي كالفاء في افادتها معنى السببية وتصلح الفاء في موضعها، وهي ابتدائية لا عاطفة لان (حتى) العاطفة لا تعطف الجمل عند الجمهور [1] . وعليه ان قولك: (سرت حتى ادخلها) معناه: (( كان مني سير فدخول، فليس في هذا معنى(كي) ولا معنى (الا ان) وانما اخبرت بان هذا كذا وقع منك، فالسبب جميعا قد مضيا )) [2] ،ولو كان المسبب غرضا لنصب الفعل اذ الغرض يطلب في المستقبل. فان قيل: انه (أي المسبب الذي هو الدخول) كان غرضا عند الشروع بالسير ثم مضيا، قلنا: ان الفعل هنا ينصب ايضا، لانه سيكون من المؤول بالمستقبل، اذ انه - عندئذ - يكون مستقبلا بالنظر الى السير لا الى زمن التكلم. فانت اذا نصبت ما بعد (حتى) (( كانت بمعنى الغاية او بمعنى(كي) واذا رفعت ما قبلها موجبا لما بعدها )) [3] .
ولعل معنى السببية الذي تفيده (حتى) في هذا الموضع ليس واضحا كما لو وضعت الفاء موضعها، فقولنا: (لاضربنه حتى يتالم) فيه ان الضرب سبب التالم، الا ان وجود (حتى) هنا يجعل ما يسبق الى الذهن معناها الغالب في استعمالها عامة وهو الغاية، لذا سارع النحاة بتفسير ذلك بالفاء لكونها اكثر وضوحا في افادة السببية، فيقال ان معناه: (لا ضربنه فيتالم) ، فلا يخفى الفرق في وضوح معنى السببية في الجملتين.
من اجل ذلك لا نرى في معنى السببية الذي تفيده (حتى) الابتدائية ما هو كاف لجعاها مفيدة للتعليل بالسبب.
ويصدق ذلك على (حتى) الابتدائية الداخلة على الفعل الماضي، فقولك: (ضرب زيد عمرا حتى بكى) لا يفهم منه افادة التعليل بالسبب.
ونخلص مما سبق الى ان (حتى) تفيد التعليل بالغرض اذا كانت داخلة على فعل مضارع منصوب، والتعليل بها مقتصر عليه.
2 -كأَنَّ: هل تفيد التعليل؟
(كان) حرف من اخوات (ان) تنصب الاسم وترفع الخبر، وتاتي لمعان منها: التشبيه وهو اشهر معانيها والغالب عليها، ولم يثبت لها اكثر البصريين معنى سواه، وقيل هي للتشبيه المؤكد، فقولك: كان
(1) ينظر الجنى الداني:506.
(2) شرح المفصل:7/ 31.
(3) المصدر نفسه.