المبحث الثاني
التعليل بالحروف الاحادية
1 -التعليل بالباء
ذكر النحويون للباء اربعة وعشرين معنى من بينها التعليل، وهو -عند طائفة منهم- راجع الى الالصاق اذ ان هذا الاخير عندهم معنى لا يفارقها، وهو اصل معانيها [1] ، ولهذا اقتصر عليه سيبويه وسماه الالزاق، قال: (( وباء الجر انما هي للالزاق والاختلاط ... فما اتسع من هذا الكلام فهذا اصله ) ) [2] ، من اجل ذلك راى قسم من العلماء ان معنى التعليل فيها معنى مجازي [3] .
والتعليل بالباء هو تعليل بذكر السبب، اذ (( يكون ما بعدها سببا وعلة فيما قبلها ) ) [4] ، كقوله تعالى: {انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل} (البقرة:42) فالباء هنا داخله على السبب؛ اذ ان ظلمهم انفسهم مسبب من اتخاذهم العجل، أي: ظلمتم انفسكم بسبب اتخاذكم العجل، ومثله قوله تبارك وتعالى: {كلا اخذنا بذنبه} (العنكبوت:40) فالذنب سبب الاخذ وهو متقدم عليه ذهنا وخارجا، والتقدير: اخذناه بسبب ذنبه. وقوله عز وجل: {فاصبحتم بنعمته اخوانا} (ال عمران:103) وكذا قول الشاعر:-
انما ينكر الديانات قوم هم - بما ينكرونه - اشقياء [5]
أي: هم اشقياء بسبب ما ينكرونه.
واختلف النحويون في تسمية هذه الباء، فقسم سماها (باء التعليل) كالاربلي، والمرادي [6] . والاكثر سماها (باء السببية) استغناء عن الاولى، كالمالقي وابن هشام والسيوطي [7] . على ان هناك من جمع بين التسميتين، وهذا الجمع على قسمين:-
الاول: فيه ان باء التعليل هي الداخلة على سبب الفعل كما مر في الامثلة السابقة. وباء السببية: (( هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازا ) ) [8] ،كذا عرفها ابن مالك ووافقه صاحب
جواهر الادب [9] .
(1) ينظر الجنى الداني: 102.
(2) الكتاب: 2/ 304.
(3) ينظر: المحصول: ج2/ق2/ 195، حاشية العطار: 2/ 307، تعليل الاحكام: 160.
(4) ضياء السالك: 2/ 287، النحو الوافي: 2/ 490.
(5) ينظر النحو الوافي: 2/ 490.
(6) ينظر: جواهر الادب: 18، الجنى الداني: 104، الحروف العاملة: 346.
(7) ينظر: رصف المباني: 144، مغنى اللبيب: 1/ 108، الاتقان: 2/ 183، الحروف العاملة: 346.
(8) الجنى الداني: 103، وينظر: همع الهوامع: 4/ 157،المصنف من الكلام: 1/ 215.
(9) ينظر جواهر الادب:18.