ومثلوا لها بقوله تعالى: {وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم} (البقرة:22، ابراهيم:32) ففاعل الفعل (اخرج) يصح الاستغناء عنه؛ اذ لو قصد اسناد الفعل إلى مجرور الباء ... (الضمير الهاء) وقيل: (انزل ماء اخرج من الثمرات رزقا) لصح وحسن، لكنه هنا مجاز وفي الاية حقيقة [1] ومنه قولنا: (كتبت بالقلم، قطعت بالسكين، ضربت بالسيف) اذ يجوز ان يقال: (كتب القلم، قطعت السكين، ضرب السيف) بالاستغناء عن الفاعل بمجرور الباء.
والذي يبدو جليا هنا ان الباء في الامثلة جميعا باء الاستعانة، و (( هي التي تدخل على الاسم المتوسط بين الفعل ومفعوله الذي هو الة ) ) [2] ، او (( هي الداخلة على الة الفعل ) ) [3] ، جاء في جواهر الادب: (( وكان القدماء يسمونها-أي باء السببية- باء الاستعانة ) ) [4] ، الا انهم سموها بالسببية لانها وقعت في كلام الله تعالى وهو اجل من ان يستعين بشيء، فلم يجز استعمال الاستعانة في افعاله ويجوز السببية [5] .
على اننا نرى ان الاصح ان باء السببية هي باء التعليل ولا يجوز اطلاقها على باء الاستعانة وذلك لاسباب:-
1 -ان معظم النحاة راوا التفريق بين السببية والاستعانة، واستغنوا بالسببية عن التعليل او العكس، كابن مالك (في الالفية) والمالقي وابي حيان والمرادي وابن هشام والسيوطي [6] .
2 -ان تعريف باء السببية بانها الداخلة على صالح للاستغناء عن فاعل معداها مجازا قد تدخل فيه باء التعليل، فمثلا قوله عز وجل: {انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل} (البقرة:42) يصلح ان ينسب الفعل فيه لما دخلت عليه باء التعليل فيقال: (انفسكم اتخاذكم العجل) ،الا ان من اثبت باء السببية بهذا المعنى اثبت ايضا باء التعليل وكان حقه ان يسقطها لاندراج امثلته في الاول [7] .
3 -لا يصح جعل القلم سببا للكتابة والسكين سببا للقطع والسيف سببا للضرب بل سببه غير هذا. ومن اجله تكون لفظة الاستعانة اكثر صحة في الاستعمال من لفظة السببية.
(1) ينظر: الجنى الداني: 103، همع الهوامع: 4/ 157.
(2) المطالع السعيدة: 2/ 55، وينظر همع الهوامع: 4/ 158.
(3) الجنى الداني: 103، مغني اللبيب: 1/ 108.
(4) جواهر الادب: 18.
(5) ينظر: الجنى الداني: 103 - 104، همع الهوامع: 2/ 158
(6) ينظر: شرح ابن عقيل: 3/ 19،22، رصف المباني: 143 - 144، ارتشاف الضرب: 2/ 426، الجنى الداني: 1/ 103، المطالع السعيدة: 2/ 54.
(7) ينظر: شرح الدماميني على مغني اللبيب: 1/ 216، دراسات لاسلوب القران الكريم: ق2/ ج1/ 5.