الصفحة 47 من 179

4 -لا باس في اطلاق لفظ الاستعانة في افعال الله تعالى، لا على معنى ان الله يستعين بما بعد الباء لفعل ما قبلها بل على معنى انه عز وجل جعل ما بعد الباء الة لفعل ما قبلها فقوله تعالى: {وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم} (البقرة:22،ابراهيم: 32) ليس معناه ان الله عز وجل قد استعان بالماء لاخراج الثمار، بل على معنى انه قد جعل الماء آلة لاخراها؛ فاطلاق لفظ الاستعانة شبيه لاطلاق القران الكريم بعض الاوصاف عليه تبارك وتعالى، وهي مما يوصف بها البشر دونه.

القسم الثاني: وفيه ان باء التعليل وباء السببية يؤتى بهما لبيان العلة والسبب، على فرق بينهما. قال يس الحمصي العليمي (ت1061هـ) : (( ذكر النحاة ان اللام للتعليل ولم يقولوا للسببية وقال اكثرهم الباء للسببية ولم يقولوا للتعليل، وذكر ابن مالك السببية و التعليل وهذا صريح بانهما مختلفان، وذكروا ايضا ان الباء للاستعانة وهذه غيرهما.

والحاصل ان الباء الداخلة على الاسم الذي لوجوده اثر في وجود متعلقها ان صح نسبة العامل الى مصحوبها مجازا فباء الاستعانة، نحو: كتبت بالقلم، وتعرف بانها الداخلة على اسماء الالات، والا فان كان المتعلق انما وجد لاجل وجود مجرورها فباء العلة، نحو: {فبظلم ... } الا ترى ان وجود التحريم ليس الا لوجود الظلم، وتعرف بانها الصالحة غالبا لحلول اللام محلها، وان لم يكن المتعلق كذلك فباء السببية، نحو: {فاخرج به من الثمرات رزقا لكم} ، الا ترى ان اخراج الثمرا ت مسبب عن وجود الماء ولم يكن لاجل الماء بل لاجل مصلحة العباد )) [1] .

والاشموني (ت929هـ) راى ان الباء تفيد السببية في قوله تعالى:: {فكلا اخذنا بذنبه} (العنكبوت:40) ، والتعليل في قوله عز وجل: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم} (النساء:160) [2] .ومن ثم فان كل نوع منهما قائم برأسه. ويرد على ذلك امور:-

الاول: انه اشترط في باء الاستعانة ان تصح نسبة العامل الى مصحوبها، وهي تدخل على ما لوجوده اثر في وجود متعلقها، ويدخل في هذا قوله عز وجل: {فبظلم من الذين هادوا ... الاية} وهو مثاله على باء العلة، كما ذكر في القسم السابق.

الثاني: ان ضابط باء العلة صحة حلول اللام محلها، قد يصدق على باء السببية، ففي قوله تعالى: {انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل} الباء للسببية، صرح بذلك ابو حيان وابن هشام والدماميني (ت827هـ) [3] ، وهي عند الاربلي والزركشي (ت794هـ) بمعنى اللام [4] ، أي: لاتخاذكم

(1) حاشية يس على شرح الفاكهي: 2/ 171.

(2) ينظر شرح الاشموني: 2/ 293.

(3) ينظر: البحر المحيط: 1/ 206، مغني اللبيب: 1/ 108، شرح الدماميني: 1/ 216.

(4) ينظر: جواهر الادب:19، البرهان: 4/ 256.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت