علة لما قبلها [1] . ذلك ان (كي وحتى) يسبقهما ما هو سبب لما بعدهما، وما بعدهما يكون علة غائية لما قبلها، وهو الغرض من ايقاعه، وسببه ذهنا وتصورا. فاذا قيل ان (حتى) الداخلة على المضارع المنصوب تكون مسبوقة بما هو سبب لما بعدها فانما يكون ذلك باعتبار وقوع الفعلين ووجودهما في الخارج، واذا قيل ان ما بعدها هو العلة فيما قبلها فذلك يكون باعتبار ما بعدها في الذهن ووجود ما قبلها في الحقيقة، ففي المثالين اعلاه وقوع الطاعة حقيقة يتسبب منه دخول الجنة، وكذا وقوع الكلام يتسبب منه الامر بالشيء، ودخول الجنة والامر بالشيء في التصور يتسبب منهما الطاعة والكلام.
ومن ثم فان التعليل بـ (حتى) تعليل بالغرض كما كان ذلك بـ (كي) نحو قوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم} (البقرة:127) والمعنى: كي يردوكم، وهذا غرض دوامهم على القتال وتعليل له. وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} (البقرة:193) أي: كي لا تكون فتنة، وهذا غرض القتال وتعليل للامر به.
كنا قد علمنا ان ايقاع كل فعل انما يكون من اجل ايجاد الغرض، وعليه ان ايقاع ما قبل (حتى) التعليلية انما هو لتحقيق ما بعدها، معنى ذلك ان ما بعد حتى لابد ان يكون مستقبلا بالنظر الى ما قبلها. ومن ثم فان حتى تفيد التعليل بالغرض اذا دخلت على المضارع المنصوب فقط اذ انه يكون مستقبلا او مؤولا بالمستقبل كما مر. وهذا المعنى هو الاغلب في (حتى) الداخلة على المضارع المنصوب [2] .
المعنى الثاني: انتهاء الغاية (بمعنى: الى ان) : تدل (حتى) على الغاية اذا كان المعنى قبلها ممتدا مستمرا ينقضي تدريجيا لا دفعة واحدة ولا سريعا، والمعنى بعدها يكون نهاية حقيقية لها يترتب عليه ان ينقطع المعنى الاول ويتوقف بمجرد تحققه وحصوله [3] .كقولهم: (اسير حتى تطلع الشمس) أي: الى ان تطلع الشمس، فالسير ممتد ومستمر في الحصول ونهاية حصوله طلوع الشمس؛ اذ به ينقطع ويتوقف. ومنه قوله تعالى: {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى} (طه:91) أي: الى ان يرجع الينا موسى.
ومن ثم فان الفعل الاول في هذا المعنى يكون متصلا بالفعل الثاني بعد (حتى) ، ممتدا اليه. ولا يلزم هذا في المعنى الاول، أي ان ما قبل (حتى) المعللة بالغرض (وهو السبب) - على الرغم من انه يفضي ويؤدي الى ما بعدها (وهو المسبب) - لا يلزم فيه ان يمتد الى وجود الثاني، اذ يكون معها (( الفعل
(1) ينظر النحو الوافي:4/ 303 - 304، وتنظر صفحة (86) من هذا البحث.
(2) ينظر الفوائد الضيائية:2/ 253.
(3) ينظر: مراة الاصول: 273، شرح المفصل:7/ 30، النحو الوافي: 4/ 335.