ومثله غرضا، فلا يصح المثال الا اذا قصد به معرفة غرض تكثير الغابات، ولا يبدو ان هذا هو المراد منه.
ولعلنا نجد تاييدا في مذهب الكوفيين في (كيمه) ؛ فعندهم ان (كيمه) تقال عندما لا يفهم كلام قد ذكر، فاذا قال قائل: اسالك كي تعطيني، فسمعه المخاطب ولم يفهم (تعطيني) يقول: كيمه؟ يريد: كي
ماذا؟ والمعنى: كي ماذا يفعل؟ ثم حذف [1] .
على اننا لا نلحظ في (كيمه) عامة أي نوع من التعليل؛ اذ لم تدخل (كي) فيه على علة غائية وانما دخلت على (ما) الاستفهامية التي كُني بها عنها، وليس هذا تعليلا، الا انه يحمل عليه لمشابهة بينهما.
وقد يقال ان الدلالة على العلة الغائية قد تكون مفهومة من (كي) اذا دخلت على (ما) المصدرية، فنقول: ان صلة (ما) المصدرية فعل مضارع فقط عند دخولها عليها، وليست في هذا دلالة على الزمن الماضي لذا لم يكن ما بعد (كي) سابق لما قبلها في الذهن والخارج، وهو لذلك لا يكون سببا له. وعليه لا دلالة على علة غير غائية.
ويصدق ما سبق على (كي) اذا دخلت (أن) المصدرية ظاهرة، اما اذا اضمرت (أن) فسيكون دخولها على فعل مضارع، وقد مر الكلام عليها.
بقي ان نذكر ان التعليل بـ (كي) في الاصل هو تعليل بالغرض الحقيقي، يؤيد ذلك انها لم تأت في الاستعمال القراني داخلة على غرض مجازي [2] .
ولعل اختصاص (كي) بالتعليل بالغرض دون غيره (خلافا للام) وكونها لم تستعمل في غير التعليل، جعلها تكون مؤكدة على ارادة حصول الغرض، مثلما كان النفي بـ (لن) نفيا مؤكدا؛ اذ انها اختصت بنفي المضارع المستقبل ولم تنف غيره، خلافا لـ (لا) اذ تنفي الماضي والمضارع وتنفي الجملة الاسمية وغير ذلك، فلم يكن النفي بها مؤكدا. والتعبير القراني يدل على ذلك، قال الدكتور فاضل السامرائي: (( والظاهر من الاستعمال القراني ان(كي) تستعمل للغرض المؤكد والمطلوب الاول، يدل على ذلك قوله تعالى: {فرددناه الى امه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم ان وعد الله حق} (القصص:13) فقد جعل التعليل الاول بـ (كي) : (كي تقر عينها) و الثاني باللام: (ولتعلم ان وعد الله حق) . والاول هو المطلوب الاول والمقصود الذي تلح عليه الام )) [3] .
7 -التعليل بـ (من)
(من) حرف جر ياتي لمعان اشهرها ابتداء الغاية، كقوله تعالى: {سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله} (الاسراء:1) فابتداء الاسراء كان بالمسجد
(1) ينظر الانصاف:2/ 572.
(2) ينظر معاني النحو:3/ 345 - 346.
(3) معاني النحو:3/ 347.