بالغرض عند دخولها على الفعل المضارع، والتعليل بالغرض والسبب عند دخولها على الاسم. ولا نرى ما نقله المرادي عن سيبويه قولا سليما، اذ قال: (( ومذهب سيبويه ان(كي) ... اذا دخلت على الفعل دلت على العلة الغائية فقط، فهو اخص من اللام، واذا دخلت على الاسم دلت على العلة مطلقا غائية وغير غائية كاللام )) [1] . فعدم صحة الجزء الاول من قوله(وهو ان كي اخص من
اللام اذا دخلت على الفعل)مبناه ان اللام اذا دخلت على الفعل المضارع لم تفد الا تعليلا بالغرض أي انها تدل على العلة الغائية فقط كما ان (كي) كذلك، فليست الاخيرة اخص منها؛ لذا اطلق على لام التعليل الداخلة على المضارع: لام كي.
اما عدم صحة الجزء الثاني، فمبناه ان (كي) اذا دخلت على الاسم لم تفد الا تعليلا بالغرض فتدل بذلك على العلة الغائية فحسب. ولعل توهم دلالتها على العلة الغائية عند دخولهم على الاسم متأت من جعلهم (كي) في (كيمة؟) بمنزلة اللام، او بمعنى: لمه؟ [2] ، او من جعلهم (كي) جواب (لمه؟) فاذا قال القائل: لم جئتني؟ يجاب: كي تعطيني. وهو مماثل لمعنى اللام لو اجيب: لتعطيني [3] .
والذي يبدو لي انه اذا كان القصد من قولهم (بان كيمه بمعنى لمه) في التعليل؛ فان ذلك يكون في واحد من نوعيه لا في كليهما، اعني التعليل بالغرض دون السبب، ودليل ذلك ان جواب السؤال بـ (كيمه) لا يكون الا غرضا وانما جواب كل السؤال بحسبه، فسؤالك لمن قال (ضربت محمدا) : كيم فعلت ذلك؟ يجاب بتبيين غرضه، فيقول: (كي) يتادب، على خلاف لو سالت: لم فعلت ذلك؟ اذ قد يجيب: ليتادب، او: لانه اساء، وهذا الاخير سبب لا يصلح ان يجاب به عن (كيمه) .
لذا فان قولهم: بان (كي) جواب لقولك: لمه؟ يصح على الجواب الاول ولا يصح على الاخر، لا يصح في مثل قولك: لم قعد فلان عن الحرب؟ وكان السبب هو الجبن. ولو اجيب بـ: كي ينجو من الموت، لكان هذا غرضا (علة غائية) .
تبيين ذلك ان (كي) تعلل الفعل الواقع قبلها، فلو كان تعليلها بالسبب لوجب ان يكون الفعل الداخلة عليه سابقا للفعل قبلها ذهنا وخارجا اذ هو سببه، والحال ان (كي) لا تدخل الا على فعل مستقبل تال للفعل قبلها. وما دام امر (كي) وجملتها هكذا، وجب ان تكون (كي) و (ما) الاستفهامية (التي هي كناية عن جملتها) كذلك.
لذا قد جانب الصواب من مثل لـ (كي) الداخلة على (ما) الاستفهامية بنحو: (كيم تكثر الغابات في المناطق الاستوائية) [4] ؛ لانه سؤال عن سبب الكثرة الذي هو ارتفاع درجات الحرارة مثلا، وليس هذا
(1) شرح التسهيل المرادي: ورقة (129) . وهو تتمة النص المنقول في ص (87) .
(2) ينظر: الكتاب:1/ 408، الجنى الداني: 276، مغني اللبيب: 1/ 199.
(3) ينظر: الاصول في النحو: 2/ 147، الصحاح: 6/ 2487، شرح المفصل:8/ 49.
(4) ينظر النحو الوافي:4/ 304.