الحرام. وهو يقع لهذا المعنى في المكان كثيرا- كما مثل - والزمان اقل منه وفي غيرهما. وابتداء الغاية هو المعنى الغالب على (من) حتى ان طائفة من النحويين ذهبت الى ان سائر المعاني التي ذكرت لـ (من) راجعة اليه [1] .
وقد تأتي (من) مفيدة التعليل، وذلك عند دخولها على ما يكون سببا وعلة في وجود متعلقها، ويحسن مكانها لفظة (سبب) [2] ، نحو قوله تعالى: {يجعلون اصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت} (البقرة:19) أي: بسبب الصواعق، فهي ما حملهم على ان يجعلوا اصابعهم في اذانهم، ومنه ايضا قوله عز وجل: {مما خطيئاتهم اغرقوا} (نوح:25) فـ (من) هنا دخلت على (خطيئاتهم) وهذه الخطيئات سبب الاغراق و (( قدمت العلة على المعول للاختصاص ) ) [3] .
والتعليل بـ (من) كما يظهر هنا تعليل بالسبب؛ اذ انها تدخل على سبب سابق للمسبب في الذهن والخارج، فالصواعق سابقة للجعل، والخطيئة سابقة للاغراق.
ومن ذلك ايضا قوله تعالى: {وان منها لما يهبط من خشية الله} (البقرة:74) أي: بسبب خشيته، وهذه سابقة في التصور والواقع للمسبب الذي هو الهبوط.
وقد يكون منه قوله: {كلما ارادوا ان يخرجوا منها من غم اعيدوا فيها} (الحج:22، السجدة:2) فـ (من) في (من غم) اما للابتداء فيكون الغم بدل اشتمال واعيد حرف الجر وحذف الضمير، والتقدير: من غم فيها، او للتعليل وتكون متعلقة بارادوا او بيخرجوا [4] ، أي ان الغم سبب الارادة او الخروج.
والانسب انها للتعليل وفيه الابتداء، فهي - اساسا - للتعليل اذ تبين سبب ما قبلها، وهذا فيه معنى الابتداء؛ اذ ان ابتداء حصول ما قبلها يكون من السبب، فعلى فرض تعلقها بالارادة يكون المعنى ان ارادتهم الخروج صدرت من الغم وحصلت منه، والغم هو مبدؤها. ومثل ذلك ان تقول: (قتله من املاق) اذ (( يكون المعنى ان القتل صدر من الاملاق وحصل منه فهو مبدأ الفعل، ونحو:(بكى من الالم) و (عض اصبعه من الندم) بمعنى حصل البكاء من الالم وصدر منه، وحصل العض من الندم وصدر منه. فالندم اسبق من العض ومنه حصل العض، والالم اسبق من البكاء ومنه صدر البكاء )) [5] ، كما ان الغم اسبق من ارادتهم الخروج.
وقيل ان (من) في قوله تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} (الزمر:22) ترادف (عن) او
(1) ينظر: ارتشاف الضرب:2/ 442، مغني اللبيب:1/ 353، النحو الوافي:2/ 459 - 460.
(2) ينظر: جواهر الادب:160، النحو الوافي:2/ 463.
(3) حاشية يس على شرح الفاكهي:2/ 163.
(4) ينظر مغني اللبيب:1/ 361 - 362.
(5) معاني النحو:3/ 88.