فـ (كي) هنا مصدرية نصبت بنفسها الافعال (اتعلم، تأسوا، يعلم) والمصدر المسبوك في محل جر باللام، ولا يجوز - عند معظم النحاة - ان تكون (كي) حرف جر مع وجود لام التعليل؛ لانها ستكون للتعليل؛ وحرف التعليل عندهم لا يدخل على حرف تعليل، كما ان حرف الجر لا يدخل على مثله. فباقتران (كي) باللام ظاهرة تتعين مصدريتها.
اما تقدير لام التعليل فكقولك: (جئت كي اكرمك) ، اذ المصدر المسبوك من (كي) وصلتها فيمحل جر باللام المقدرة. ويجوز هنا ان تعد (كي) حرف جر وتقدر ان بعدها (دون تقدير اللام) كما في قوله تعالى: {كي لا يكون دولة} .
واما اذا ظهرت اللام قبل (كي) وظهرت ان بعدها، فيحتمل الوجهان، من ذلك قول الشاعر:-
اردت ليكما ان تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع [1]
فـ (كي) اما ان تكون حرفا مصدريا واللام جارة للمصدر المؤول وان توكيد لـ (كي) ، او ان تكون (كي) حرفا تعليليا جارا مؤكدا للام، وان مصدرية [2] .
وبناءً على ما سبق تكون (كي) حرف جر مفيدا للتعليل، او حرف نصب مصدريا لا تعليل فيه، قال السيوطي: (( وهي اذا كانت ناصبة لا يفهم منها السببية، لانها مع الفعل بعدها بتأويل المصدر كأن ) ) [3] . ولان معنى التعليل ملحوظ في كلا الضربين قالوا بان اللام - في الضرب الثاني - الظاهرة او المقدرة هي التي تفيده.
ولعل الارجح والانسب ان تكون (كي) مفيدة للتعليل على كل حال، اذ انها اينما كانت، كان ما بعدها علة لما قبلها سواء دخلت عليها اللام ام لم تدخل، او ذكرت بعدها (ان) ام لم تذكر، و (( لا فرق بين(كي) الناصبة و (كي) الجارة في المعنى )) [4] قال الرماني: (( ومعناها في كلا الوجهين العلة، وذلك ان ما قبلها علة لما بعدها ) ) [5] . لذلك نرى النحاة قد حملوا الاحرف الاخرى عليها عند افادتها تعليلا، فقيل: لام كي، و (او) بمعنى (كي) ، و (حتى) بمعنى (كي) . كما ان علماء اصول الفقة صنفوا (كي) ضمن النص الصريح القاطع الذي لا يحتمل غير العلية وهو عندهم اقوى مراتب التعليل [6] .
(1) شرح المفصل:7/ 19،مغني اللبيب:1/ 199. الشن: القربة البالية، بلقع: مقفرة.
(2) ينظر شرح المفصل:8/ 49، شرح الرضي:2/ 240،رصف المباني:215،ارتشاف الضرب 2/ 393، الجنى الداني:277،مغني اللبيب:1/ 199، همع الهوامع:3/ 549.
(3) همع الهوامع:4/ 99، وتنظر صفحة (97) منه.
(4) الانصاف في مسائل الخلاف:2/ 577.
(5) معاني الحروف:100. لا اختلاف بين قوله: ما قبلهاعلة لما بعدها وقولنا السابق له: ما بعدها علة لما قبلها، سيتوضح ذلك خلال الحديث عن معنى التعليل بها ونوعه. وتنظر صفحة (106) من هذا البحث.
(6) ينظر التمهيد من هذا البحث:8.