5 -التعليل بـ (في)
الحرف (في) من الحروف الجارة، يجيء للمعان كثيرة، والاصل فيه الوعاء والظرفية مكانا وزمانا، وقد اجتمعا في قوله تعالى: {غلبت الروم في ادنى الارض * وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} (الروم:2 - 4) ولم يثبت البصريون له غير هذا المعنى [1] .
ومما ذكر له من المعاني التعليل [2] ،ويكون اذا دخل على ما هو علة وسبب لما قبله، وتحسن مكانه لفظة (بسبب) ، كقوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم} (الانفال:68) فما اخذوه هو السبب في مساسهم بالعذاب، والتقدير: بسبب ما اخذتم ومثله. قوله تبارك وتعالى على لسان امرأة العزيز: {فذلكن الذي لمتنني فيه} (يوسف:42) وسبب اللوم هو ما اشير اليه باسم الاشارة وقد دخلت (في) على ضمير عليه.
ويظهر من ذلك ان التعليل بـ (في) تعليل بالسبب، فما اخذوه سابق لمسهم بالعذاب ذهنا وخارجا، كما ان سبب اللوم سابق له.
ومن الحديث الشريف قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي اطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الارض ) ) [3] ، فحبس الهرة هو سبب دخول المراة النار، وهو سابق للدخول تصورا وواقعا.
اما ورود (في) التعليلة في الشعر ففي قول الشاعر: -
لوى راسه عني ومال بوده ... اغانيج خود كان قدما يزورها [4]
أي: بسببنا.
ثم اننا قد نجد من يميز بين معنيين لـ (في) تدل في كليهما على التعليل، فـ (في) في قوله تعالى: {جعل لكم من انفسكم ازواجا ومن الانعام ازواجا يذرؤكم فيه} (الشورى:11) قال الجلال المحلى ... (ت 864هـ) : (( بمعنى الباء ... أي: يكثركم بسبب هذا الحال ) ) [5] ،وجعله معنى مستقلا لـ (في) وذكر لها معنىلتعليل مستقلا عنه، ومثل له بقوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والاخرة لمسكم فيما افضتم فيه عذاب عظيم} (النور:4) ومثله فعل السيوطي في الاتقان [6] .
(1) ينظر: الجنى الداني:266، مغني اللبيب:1/ 182.
(2) ينظر مثلا: شواهد التوضيح والتصحيح: 123، الجنى الداني:266، مغني اللبيب:1/ 180.
(3) صحيح مسلم:5/ 599، سنن ابن ماجه: 2/ 1421.
(4) ديوان الهذليين: 1/ 155، شواهد التوضيح:124.
(5) شرح الجلال المحلى:1/ 448.
(6) ينظر: المصدر نفسه، الاتقان:2/ 112،211.