4 -التعليل بـ (عن)
(عن) حرف جر ياتي لمعان كثيرة اشهرها واكثرها استعمالا المجاوزة، فهو يقتضي مجاوزة المجرور نحو غيره وتعديه عنه، قال سيبويه: (( واما عن فلما عدا الشيء وذلك قولك: اطعمة عن جوع، جعل الجوع منصرفا تاركا له قد جاوزه ) ) [1] .وكقولهم: (رمى السهم عن القوس) أي طرح وابعد السهم عنها. وهذا المعنى هو الاصل في (عن) ، ولم يذكر البصريون غيره، حتى انهم تكلفوا له المواضع التي لا تظهر فيها المجاوزة معنى يصلح لها [2] .
وذكر الكوفيون ووافقهم ابن السراج انها قد تاتي للتعليل ويكون ذلك عندما تدخل على ما هو علة وسبب لما قبلها ويحسن مكانها لفظه (بسبب) نحو: (لم احضر اليك الا عن طلب منك) أي: بسبب طلب منك [3] .
والتعليل بـ (عن) - كما يظهر - تعليل بالسبب؛ فالحضور متسبب عن الطلب، والطلب سابق للحضور في الذهن والخارج. ومن ذلك قوله تعالى: {وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه} (التوبة:114) فسبب استغفار ابراهيم (- عليه السلام -) وعده لابيه به، والوعد بالاستغفار سابق له ذهنا وخارجا.
ومثله قوله: {وما نحن بتاركي الهتنا عن قولك} (هود: 53) أي: بسبب قولك. وقد تؤول الايتان بان (عن) ومجرورها متعلقان بحال محذوفة، نسب ابن هشام هذا الراي الى الزمخشري، وعليه يكون التقدير: صادرا عن موعدة، صادرين عن قولك. وفضل غيره ان يكون التعلق بمصدر محذوف، أي: تركا صادرا عن قولك [4] .والقول بالتاويل هنا تكلف، والاخذ بالتعليل اسهل.
على ان الاخفش قدر الاية الاولى قائلا: (( يريد: الا من موعدة، كما تقول: ما كان هذا الشر الا عن قول كان بينكما، أي عن ذلك صار ) ) [5] ،والظاهر ان (عن) في ما ساقه من مثال اقرب إلى السبببية، بخاصة انه قدره بـ: عن ذلك صار، أي: بسبب ذلك، وتقديره: ما كان هذا الشر الا بسبب قول كان بينكما، فالشر اذا مسبب عن القول، وهذا التسبب قد لا يكون قريبا إلى الذهن لو كان التقدير: الا من بعد قول ...
(1) الكتاب: 2/ 308.
(2) ينظر: الجنى الذاتي: 261، مغني اللبيب:1/ 157، شرح الاشموني: /295، حاشية الصبان: 2/ 223.
(3) ينظر: منهج السالك: 251، جواهر الادب: 195، النحو الوافي: 2/ 513.
(4) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 158، حاشية الدسوقي عليه: 160، حاشية الصبان: 2/ 224.
(5) معاني القران للاخفش: 2/ 562.