واصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الارض ليس بها هشامُ [1]
وانكر اكثر النحويين معنى التعليل في الكاف، فقالوا - تعليقا على اية (البقرة: 198) المتقدمة - ان الذكر والهداية يشتركان في امر احد هو الاحسان، فوضع الخاص (الذكر) موضع العام (الهداية) ، والكلام بمنزلة: احسن كما احسن الله اليك، اذ الاصل اهتدوا كما هداكم، لكن عدل عن العام (اهتدوا) للاعلام بخصوصية المطلوب (الذكر) [2] .ورجح هذا ايضا الدكتور فاضل السامرائي، قال: (( وهي - يعني الكاف في كما هداكم - للتشبيه فيما ارى، ونحن نستعمل مثل هذا التعبير في كلامنا الدارج فنقول:(احسن الى فلان مثلما احسن اليك) و (اصنع له خيرا مثل ما صنع اليك) و (واذكره مثلما ذكرك) أي: اصنع مثل فعله وقابله بمثل ما فعل واعمل مشابها لعمله، ونحو ذلك )) [3] .
والراجح عندنا هنا ان الكاف لا تفيد التعليل، ذلك ان ما فهموه من تسبب ما قبل الكاف عما بعدها لا يطرد في التراكيب المتماثلة، اعني ان السببية التي قد تفهم من قول القائل: (اعن زيدا كما اعانك) لا تفهم في مثله، كان يقال: (اعن زيدا كما اعان عمرو خالدا) ، مع ان ما قبل الكاف في الجملتين متماثل، وكذا ما بعدها، وهذا يدل على ان العلاقة بين مضموني الجملتين هو الذي يشعر بذاك المعنى. فما قد يفهم من تسبب ما قبلها عما بعدها انما يوحي به السياق، ويجره الى الذهن التشبيه المستفاد من الكاف، ذلك ان طرفي التشبيه هنا - في الغالب - حدثان، وتشبيه الحدث الثاني بالاول هنا قد يغني عن السؤال عن علة احداثه: لم وقع؟ ولم كان؟ ! والاستغناء عن هذا السؤال يماثل تقريبا الاستغناء عنه لو عرفت علة الاحداث، وهذا التماثل في الاستغناء عن معرفة العلة هو ما يوهم بافادة الكاف للتعليل.
هذا اذا كانت الكاف مقترنة بـ (ما) وداخلتان على غير الفعل المضارع، اما دخول (كما) عليه فمسالة خلافية ايضا سناتي على بحثها [4] .
اما الكاف المجردة عن (ما) فلم نجد الا ما ذكرنا لها في ما تقدم في الاية الكريمة و البيت الشعري. فاما الاية فلها تخريجات اخرى (سنذكرها في مواضعها) تغني عن القول بافادة الكاف للتعليل،
واما البيت فقد لا يكون فيه معنى التعليل على ما سيأتي في مبحث (كأن) [5] .
(1) مغني اللبيب:1/ 210، شرح التصريح 1/ 212.
(2) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 192، حاشية يس على شرح التصريح: 2/ 16.
(3) معاني النحو 3/ 57.
(4) تنظر صفحة (101) من هذا البحث.
(5) تنظر صفحة (110) من هذا البحث.