تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم (المائدة: 118) . ومن قال بملازمتها لها اضطر الى التاويل بتقدير جواب للشرط مسبب عنه، قال العطار في عدم تسبب الجواب من الشرط هنا - وقد مر ذكره - بانه (( صحيح بالنظر الظاهر بلا تقدير جواب، اما مع تقديره فيتسبب من الشرط، وتقديره في الاية: ان تعذبهم فلهم الذل كما ان تقديره في التي بعدها: فلهم العز، فيكون المذكور فيهما سببا للشرط لا جوابا له ) ) [1] ، وفيه تاييد كون المذكور في الاية من جواب الشرط سببا للشرط، فكونهم عبادا له يعني تملكه لهم، ويتسبب من هذا حريته في تعذيبهم اوالعفو عنهم، والكلام اقرار لواقع. كما ان كونه عزيزا حكيما قد يسبب مغفرته لهم، من دون ان تخدش عزته او تنقض حكمته. وهذا عندنا راجح على ما يؤولونه؛ اذ ان عدم التاويل خير من التاويل.
3 -الكاف: هل تفيد التعليل؟
الكاف حرف جر له معان اشهرها التشبيه، وتدخل فيه على المشبه به كقوله تعالى: {وله الجوار المنشآت في البحر كالاعلام} (الرحمن:24) ، وهو اصل معانيها واكثرها استعمالا، حتى ان بعض النحاة راى انها لا تكون ابدا الا له [2] .
وقد تخرج الكاف الى معنى التعليل - أي تكون بمعنى لام التعليل - ذهبت الى ذلك طائفة من النحاة ومثلوا لها بقوله تعالى: {اذكروه كما هداكم} (البقرة:198) ،أي: اذكروه لما هداكم او بسبب هدايته لكم، وقوله تعالى في الوالدين: {رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (الاسراء:24) أي: ارحمهما بسبب تربيتهما اياي صغيرا [3] .وجعل منه ايضًا قوله تعالى: {كما ارسلنا فيكم رسولا} (البقرة:151) نقل عن الاخفش انه قال: أي لاجل ارسالي فيكم رسولا منكم فاذكروني، او لما ارسلنا فيكم .. [4] .
والذي يلحظ في اغلب ما مثل به النحاة لكاف التعليل انها مقترنة بـ (ما) ، و لهذا راى ابن مالك ان دخول (ما) على الكاف يحدث معنى التعليل [5] .وقد تفيده - عندهم - مجرد منها كقوله تعالى: {ويكانه لا يفلح الكافرون} (القصص:82) أي: اعجب لعدم فلاحهم، او اعجب لانه لا يفلح الكافرون [6] ،وجعلوا منه ايضا قوله الشاعر:-
(1) حاشية العطار: 1/ 147، وتنظر صفحة (57) من هذا البحث.
(2) ينظر: رصف المباني: 195، شرح المكودي على الفية ابن مالك: 97.
(3) ينظر: شرح العوامل: 44، النحو الوافي: 2/ 156ا.
(4) ينظر: ارتشاف الضرب: 2/ 438، مغني اللبيب: /192، البرهان: 4/ 310، معترك الاقران: 2/ 186 وجاء في كتابة معاني القران: (( أي: كما فعلت هذا فاذكروني ) ). (2/ 344) ، وكذا الجنى الداني: 135.
(5) ينظر تسهيل الفوائد: 147.
(6) ينظر: مغني اللبيب:1/ 192، همع الهوامع:4/ 194 - 195.