الصفحة 61 من 179

وذكر السبب والمسبب مع الفاء يتضمن تعليلا؛ اذ اننا نجد فيه تبيينا لعله حصول الفعل (المسبب) ، وهو تعليل بالسبب، فلا تاتي الفاء - كما اشرنا - للتعليل بالغرض. والتعليل بها - كما يرى قسم من الاصوليين - اضعف من التعليل بالباء واقل درجة منه [1] .

ومثلما دخلت الفاء- في ما تقدم- على المسبب وسبقها السبب، تدخل ايضا على السبب ويسبقها المسبب، وسماها هنا قسم من العلماء: فاء التعليل، وهي عندهم بمعنى لام التعليل، وعند اخرين بمعنى: لانه [2] . نحو: (اضربه فقد اساء اليك) فالاساءة سبب للضرب او للامر به، والسبب هنا سابق للمسبب في التصور والخارج وان تاخر لفظه. ومثل ذلك قوله تعالى: {فاخرج منها فانك رجيم} (الحجر:34،ص: 77) أي: لانك ... ،فكونه رجيما سبب خروجه او الامر بخروجه وكذا قول الشاعر:-

فقلنا اسلموا انا اخوكم فقد برئت من الاحن الصدور [3]

فالاسلام مسبب عن براءة صدورهم من الاحن (العداوات) ، ودخلت الفاء على السبب وسبقها المسبب. ومثله قول الاخر:

اذا لم يكن ملك ذا هبة فدعه فدولته ذاهبة [4]

فذهاب الدولة سبب في ترك الملك او الامر بتركه.

فـ (( جرى هذا الكلام مجرى: اشكرني فقد احسنت اليك، فالاحسان وان كان مؤخرا في اللفظ، فهو مقدم المعنى؛ لانه هو سبب الشكر، فينبغي ان يتقدم في الرتبة، فكانه قال: قد احسنت اليك فاشكرني ) ) [5] .

فيظهر لنا هنا ان هذه الفاء داخلة على ما هو الشرط في المعنى، على العكس من الفاء السابقة، اذ كانت داخلة على ما هو الجزاء في المعنى [6] . على اننا قد نجد تركيبا شرطيا معكوسا، اعني: ان ما قبل الفاء في التركيب الشرطي يكون - في الغالب - سببا لجواب الشرط بعدها حتى ان بعض النحاة راى ملازمة هذه الفاء للسببية، كما اشرنا. لكننا قد نجد ايضا عكس ذلك فيكون الجواب (ما بعد الفاء) سببا للشرط (ما قبلها) كما كان في فاء التعليل، وهذا مما خلق جدلا بين النحاة في ملازمة فاء جواب الشرط للسببية وعدمها، فقسم منهم قال بعدم ملازمتها للسببية [7] ، واستشهدوا بمثل قوله تعالى: المار ذكره: ان

(1) مباحث العلة: 360.

(2) ينظر: مراة الاصول: 247 - 248، شرح منار الانوار: 136، شرح الدماميني: 1/ 320.

(3) المقتضب: 2/ 174، الخصائص: 2/ 422.

(4) تحرير التحبير: 110، نهاية الادب: 7/ 92.

(5) سر صناعة الاعراب: 1/ 256 - 257.

(6) ينظر شرح الرضي: 2/ 366.

(7) ينظر: شرح الرضي: 1/ 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت