الصفحة 60 من 179

اضف الى ذلك ان دلالة الفاء على الشرط وتضمنها له دليل على ان ليس المراد بها تعليل بالغرض. ونحن لو دققنا النظر في قول المالقي: (( ان النصب على الجواب بالفاء انما هو بعد الشرط والجزاء اصلا، ولكن العرب نصبت بها في اجوبة غيرهما لمناسبة لهما في عدم الوقوع مع ان الشرط والجزاء يتقدران في غير الشرط والجزاء من جميع ما ذكرنا ) ) [1] ، لوجدنا فيه ما يقطع بمسبببيه ما بعد الفاء دون الغرض اذ انه جواب الشرط في الاصل، وهذا لا يكون غرضا لما قبله.

وانعام النظر في تلك الاجوبة يظهر لنا ان ما قبل الفاء من الامر والتمني والعرض التحضيض والاستفهام والنهي والنفي، ليس هو نفسه المسبب ما بعدها بل هو ما سيتحقق منه - في المثبت - او ما ينفى او ينهى عنه - في النفي وشبهه - ففي قولنا: (اعطه فيشكرك) لا يتسبب الشكر من الامر بالاعطاء وانما يتسبب عن المامور به (وهو الاعطاء) ،وفي قولنا (ليت لي مالا فانفقه في الخير) ليس التمني وحده كاف ليتسبب منه التصدق بل تحقيق الامنية ووجود المال، وكذا قولنا: (الا تاتيني فنتحدث) فاتيانه هو ما يتسبب منه التحدث لا عرض الاتيان عليه، وقولنا (اتزورني فاكرمك؟) الاكرام يتسبب عن الزيارة لا عن السؤال عنها؛ فما يحقق من الطلب في ذلك كله هو ما يتسبب منه ما بعد الفاء.

وعلى عكسه في النفي وشبهه؛ اذ لا يتسبب ما بعد الفاء عن تحقيق النهي او النفي، ففي النهي (شبه النفي) يكون المنهي عنه هو السبب في ما بعد الفاء، قال تعالى: {لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} (طه: 81) لم يتسبب حلول الغضب عن النهي عن الطغيان ولا عن تحقيقه بعدم الطغيان، بل هو متسبب عن المنهي عنه (وهو الطغيان نفسه) .

ومثل ذلك يقال في النفي، فقولنا: (ما انت بصاحبي فاكرمك) لا يتسبب الاكرام فيه من نفي المعنى أي من عدم كونه صاحبا، بل يتسبب من المعنى المنفي نفسه أي من كونه صاحبا.

ولعل هذه المعاني المفهومة من الاجوبة (وهي الاسباب في الحقيقة) دعت النحويين لتقدير الشرط قبل الفاء؛ اذ انها - أي المعاني - غير واقعة كما ان الشرط كذلك، وقد اشار الى هذا المالقي في قوله المذكور آنفًا.

توضح لدينا في كل ما سبق ان الفاء تفيد السببية في اغلب مواضعها بربطها المسبب (التالي لها) بالسبب (السابق لها) لدلالتها على الترتيب، وهي بهذا تختلف عن اللام اذ تدخل الاخيرة على السبب او الغرض دون المسبب.

(1) رصف المباني: 385 - 386. ويعني بجميع ما ذكره: (الامر والنهي والاستفهام والعرض والتحضيض والتمني والدعاء والنفي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت