الصفحة 59 من 179

وقوله تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا} (فاطر: 56) جاء على المعنى الاول اذ ان المسبب (الموت) منتف لانتفاء السبب (القضاء عليهم) ، جاء في البحر المحيط: (( وهو على احد معنيي النصب، فالمعنى انتفى القضاء عليهم فانتفى مسببه، أي لا يقضى عليهم ولا يموتون ... ولا يصح ان يكون على المعنى الثاني من معنى النصب ... ليس المعنى هنا لا يقضى عليهم ميتين ) ) [1] . ولا يجوز ان يقضى عليهم بالموت ولا يموتون.

ومثل ذلك ايضا قوله عز وجل: {وما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم} (الانعام:57) ، فالمسبب (الطرد) ينتفي لانتفاء السبب (الحساب) .

ووردت هذه الفاء غير مسبوقة بنفي او طلب مفيدة السببية وذلك في ضرورة الشعر، كقوله الشاعر:

ساترك منزلي لبني تميم ... والحق بالحجاز فاستريحا [2]

فالفاء سبقت بكلام موجب لاطلب فيه، وعلى الرغم منه نصب الفعل (استريح) ، وجعل الشاعر لحاقه بالحجاز سببا لاستراحته وتقدير الشرط هنا ان يقال: والحق بالحجاز فاذا لحقت استرحت، وان الحق استرح [3] ، ومثل ذلك قول الشاعر:

لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها وياوي اليها المستجير فيعصما [4]

فعصمة المستجير تتسبب عن ايوائه الى الهضبة، وفي البيت ايضا معنى الشرط اذ يقدر بـ: ان يأو اليها المستجير يعصم [5] .

ورب راء يرى ان الفاء الداخلة على الفعل المضارع، داخلة على ما هو غرض لما هو قبلها، فيرى ان الاستقامة في قولنا: (اضرب ولدك فيستقيم) هي الغرض من ضرب الولد، والاكرام في قولنا: (الا تزورني فاكرمك) غرض للزيارة، ومن ثم فان الفاء تفيد تعليلا بذكر الغرض اذا دخلت على المضارع المنصوب كما افادته اللام.

اقول: هذا مردود جملة وتفصيلا؛ اذ ان الفاء لا تفيد تعليلا بالغرض مطلقا، والاستقامة والاكرام لم يذكر في مثل هذه الجمل على انهما غرض لما قبل الفاء، وانما ذكرا لانهما يتسببان عما قبلها، فهما نتيجة له ومترتبان عليه، وافادت الفاء هذا التسبب والترتب. وسياتي كلام على الفرق بين

معنى اللام والفاء السابقين للفعل المضارع المنصوب في المبحث الخامس [6] .

(1) البحر المحيط: 7/ 316.

(2) الكتاب: 1/ 423، شرح المفصل: 1/ 297.

(3) ينظر: الاصول في النحو: 2/ 182، المقتصد في شرح الايضاح: 2/ 1068.

(4) ديوان طرفة بن العبد:159.

(5) ينظر رصف المباني: 379.

(6) تنظر ص (119) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت