الصفحة 54 من 179

واما افادتها السببية فتكون عندما يقع قبلها (وهو المعطوف عليه) ما يكون علة وسببا لما بعدها ... (المعطوف) وهذا يحمل ايضا معنى التعقيب لان (( المعلول ينبغي ان يقع ثاني العلة بلا مهلة ) ) [1] ، ومثال ذلك قولك: (ضربت زيدا فغضب) فالضرب سبب لوجود الغضب، والغضب وقع عقيب الضرب.

والفاء العاطفة لا تخلو من ان تعطف جملة او مفردا صفة او مفردا غير صفة، وهي عند عطفها مفردا غير صفة لا تدل على السببية، نحو (قام زيد فعمرو) وان عطفت جملة او صفة دلت عليها غالبا [2] ،مثال عطفها الجملة قوله عز وجل: {فوكزه موسى فقضى عليه} (القصص:15) فالفاء سبقت بما هو علة وسبب لما بعدها اذ ان القضاء عليه قد تسبب من وكز موسى (- عليه السلام -) له، والسبب كما هو واضح متقدم على المسبب ذهنا وخارجا، وجملة قضى معطوفة على جملة وكز، ومثله قوله تعالى: {فتلقى ادم من ربه كلمات فتاب عليه} (البقرة:37) وكذا قوله عز وجل: {الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح الا تكتبوها} (البقرة:282) فالفاء في (فليس) (( عاطفة هذه الجملة على الجملة من قوله: الا ان تكون تجارة الخ، والسببية فيها واضحة، أي: تسبب عن ذلك رفع الجناح في عدم الكتابة ) ) [3] ، والسبب كما هو واضح تقدم علىلفاء.

اما عطف الصفة فمثل له بقوله تعالى: {لآكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم} (الواقعة:52 - 54) فملء البطون مسبب عن الاكل من الشجر، ويحتمل ان يكون الشرب كذلك.

وقد لا تفيد الفاء السببية مع عطفها للجملة او الصفة، قال تعالى: {فراغ الى اهله فجاء بعجل سمين فقربه اليهم} (الذاريات:26) اذ جاءت لمجرد الترتيب [4] .

الوجه الثاني - الفاء الرابطة للجواب: وتاتي الفاء رابطة لجواب امرين:

الاول: الشرط بـ (ان) واخواتها، فتربط جملة الجواب - حيث لا تصلح لان تكون شرطا - بجملة الشرط. والفاء عندئذ تخلو من العطف وتحمل معنى السببية غالبا (خلافا لمن يرى ملازمة السببية لها) فتفيد ان ما قبلها (الشرط) علة وسبب لما بعدها (الجواب) والجواب مسبب عن الشرط [5] ، نحو قولك (ان تحسن الي فالله مجازيك) وقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ امنون} (النحل

(1) المصدر نفسه، وينظر شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع: 1/ 447.

(2) ينظر: الجنى الداني: 123، مغني اللبيب: 1/ 175.

(3) الفتوحات الالهية:1/ 234.

(4) ينظر مغني اللبيب: 1/ 175.

(5) ينظر: سر صناعة الاعراب: 1/ 252، شرح الرضي: 2/ 366، الجنى الداني: 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت