الصفحة 53 من 179

واما جعل الباء للتشبيه فهو بعيد لان هذا حاصل معنى الكلام كله [1] .

وتقدير الباء بلفظة السبب - عند من قال انها للسبب- يكون زيد فيه غير مجرد من شخصه، فهو قد تسبب في ملاقاة الاسد ومواجهة القمر وهذا كما يظهر لا تجريد فيه؛ اذ كلاهما قائم بشخصه مستقل عن الثاني دون تلابس في صفة بينهما. والذي نلمحه هنا ان نطق الجملة مختلف من حيث النبر وثقل الكلام عندما تكون الباء سببية؛ اذ ان النبر فيها وثقل الكلام واقعان على الباء ومجرورها، والحال ان ذلك واقع في لفظ المنتزع، اعني (الاسد، القمر ... ) .

بقي ان الباء للظرفية - وهو ما نرجحه - ففيه يكون زيد قد احتوى صفة الاسد واستوعبها حتى صار كانه الاسد، واحتوى صفة القمر واستوعبها حتى صار كانه القمر، وبصيرورته هذه يتجرد من شخصه، قال الدكتور فاضل السامرائي مرجحا هذا المعنى ايضا: (( وكونها للظرفية اظهر كما يبدو لي، وذلك ان قولك(رايت بخالد اسدا) معناه حل به اسد، كما تقول: حل بالمكان و نزل به فقد جردت خالدا من شخصه وجعلت بدله اسدا [2] .

وعليه فان الباء فيما يبدو لنا اذا جاءت للتجريد لا تحمل معنى السببية او التعليل.

2 -التعليل بالفاء

ترد الفاء على اربعة اوجه: عاطفة، وجوابية، وللربط والسببية، وزائدة. ونفرد فضلا عن ذلك الفاء الداخلة على الفعل المضارع المنصوب لانها سببية جوابية وهي عند البصريين عاطفة.

والفاء تتضمن معنى التعليل عن طريق السبب في اغلب تلك لاوجه، تفصيل ذلك في ما ياتي:

الوجه الاول - الفاء العاطفة: وهي تفيد ثلاثة امور: الترتيب والتعقيب والسببية غالبا [3] اما الترتيب فهو مفهوم من التعقيب اذ لا يمكن تصور تعقيب من دونه، ولهذا قال صاحب مرآة الاصول: ... (( والفاء للتعقيب أي لافادة كون ما بعده بعد ما قبله بغير مهلة ) ) [4] . والتعقيب هو المعنى الذي يختص به الفاء وتنسب اليه، وما سواه عارض غير ملازم لها [5] .

(1) حاشية الامير: 1/ 97.

(2) معاني النحو: 3/ 27.

(3) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 173 - 175، الاتقان: 2/ 209.

(4) مراة الاصول: 247، وينظر شرح الدماميني: 1/ 317.

(5) ينظر سر صناعة الاعراب: 1/ 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت