الصفحة 51 من 179

وتقديره لها بـ (من اجل) فهو من الخطأ والاشتباه، لانه عندما ذكر انواع الباء جعل باء العوض عن الاسم نوعا مستقلا عن الباء التي بمعنى من اجل، ومثل للثانية بقول لبيد:-

غلب تشذر بالذحول [1]

قال: (( أي: من اجل الذحول ) ) [2] فالباء في الاية الكريمة اذا هي باء التعليل اذ قدرها بـ (من اجل) مع جعل الضمير المتصل عائدا علىلشيطان، واستشهد ابن الجوزي (ت597هـ) بالاية نفسها قال: الباء (( بمعنى السبب ومنه قوله تعالى: {والذين هم به مشركون} أي: من اجله ) ) [3] .ويؤيد ذلك ايضا قول الزمخشري: (( ويجوز ان يرجع - يعني الضمير في(به) - الى الشيطان على معنى: بسببه وغروره ووسوسته )) [4] .

ومن ثم فان باء المقابلة ليس معناها السبب، على الرغم من ان التعليل بالباء قد يحمل معنى المقابلة، ذلك ان باء المقابلة تدخل على الذاهب، وما قبلها مقابل له، نحو قولك: (اشتريته بمئة) (( فالثمن كان معك فدفعته و اخذت بدله ما اشتريته، وقوله تعالى:: {اشتروا الحياة الدنيا بالاخرة} (البقرة:86) فكان الاخرة كانت معهم قريبة منهم وفي متناول ايديهم ولكن اعطوها واشتروا بها الدنيا )) [5] ، وباء التعليل قد تشبهها في هذا؛ اذ انها داخلة على السبب وهو ماض - باعتبار حصول المسبب - أي انه ذاهب، وما قبلها - أي المسبب - مقابل للسبب، ففي قولك: (عاقبته بذنبه) دخلت الباء على سبب المعاقبة (الذنب) وهو حاصل ذاهب، والمعاقبة حصلت في مقابلته، ولعل هذا ما قد اوهم بان باء المقابلة تحمل معنى السبب، والحال (( ان التعليل بالباء انما هو بمقابل شيء حصل ... قال تعالى:: {بل لعنهم الله بكفرهم} (البقرة:88) فاللعنة مقابل الكفر، وقال: {ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون} (البقرة:10) فالعذاب مقابل كذبهم )) [6] .

وتاتي الباء للتجريد وهو معنى بلاغي عرفه البلاغيون بـ (( ان ينتزع من امر متصف بصفة امر اخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكمالها فيه، حتى كانه بلغ من الاتصاف بها مبلغا يصح ان ينتزع منه امر اخر موصوف بتلك الصفة ) ) [7] ، او (( هو تجريد المعنى المراد عمن قام به تصويرا له بصورة المستقبل، مع

(1) شرح ديوان لبيد:317. غلب: غلاظ القلب. تشذر: تهدد وتوعد. الذحول: الاحقاد. وينظر الازهية:287.

(2) الحروف: 54.

(3) منتخب قرة العيون: 83.

(4) الكشاف: 2/ 634.

(5) معاني النحو: 3/ 21.

(6) معاني النحو: 3/ 86.

(7) انوار الربيع: 6/ 153 وينظر نهاية الارب: 7/ 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت